على حافة الانفجار.. أزمة النزوح في لبنان تعيد شبح الفتنة إلى الواجهة
28 مارس 2026
في الوقت الذي تتسّع به رقعة الحرب وحدّتها بين "إسرائيل" و"حزب الله"، وبينما تزداد موجة النزوح مع توالي الإنذارات التي يرسلها الجيش الإسرائيلي لتشمل بلدات ومناطق جديدة، تتفاقم أزمة النزوح وتكبر بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطائفية، وتتوالى معها بشكل مطرد المشاكل بين النازحين وسكان المناطق المضيفة.
صاروخ اعتراضي كاد يفجّر الوضع
قبل أيام، ومع انفجار صاروخ اعتراضي في منطقة جونيه وتناثر شظاياه فوق المنازل، حصل إشكال بين سكان المنطقة والنازحين، وانتشر مقطع فيديو لبعض السكان وهم يتهجّمون على أحد النازحين مطلقين عبارات طائفية ومذهبية، قبل أن يتدخل المعنيون ويعالجوا الأمر، وقد أظهرت التعليقات على مقطع الفيديو خطابًا طائفيًا وتهديدات متبادلة بين الأطراف المختلفة ما أعاد إلى أذهان اللبنانيين لغة الحرب الأهلية التي يتمنى معظمهم أن يكونوا قد طووا صفحتها.
تتفاقم أزمة النزوح في لبنان، وتكبر بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطائفية، وتتوالى معها بشكل مطرد المشاكل بين النازحين وسكان المناطق المضيفة
خلال الأسبوع الماضي، وفي ظل وصول مراكز الإيواء في بيروت إلى طاقتها الاستيعابية القصوى، أصدرت إدارة الكوارث قرارًا يقضي بتأهيل "الهنغار" الكبير في منطقة الكرنتينا القريبة من مرفأ بيروت وتحويله إلى مركز إيواء قادر على استقبال عدد كبير من النازحين (قُدّرت بما يزيد عن 800 عائلة)، بتوجيه من رئيس الحكومة "نواف سلام".
رفض تحويل الكرنتينا إلى مركز إيواء
لم يكد الخبر يخرج إلى النور حتى هبّت عاصفة سياسية مذهبية مرفقة بخطاب متشنج، حيث رفض أهالي الكرنتينا والجوار (معظمهم من المسيحيين) القرار، باعتبار أنهم يتخوفون من أن يكون الإيواء دائمًا أو لمدة طويلة وليس مؤقتًا، خاصة في ظل الأخبار عن نية الجيش الإسرائيلي احتلال منطقة جنوب نهر الليطاني وعدم السماح لأهلها بالعودة إليها، ومع استمرار حملة تدمير المباني في الضاحية الجنوبية ما يعني أن كثيرين لن يعودوا إليها قبل عدة سنوات.
ما سُمي لاحقًا بـ"أزمة الكرنتينا" كاد أن يفجّر الوضع الداخلي في لبنان، في ظل التجارب السيئة للبنانيين مع المخيمات، وإزاء وضع خطير وحساس. نواب المنطقة أعلنوا أنهم لن يوافقوا بأي ثمن على تحويل الهنغار إلى مركز إيواء، وشهدت منصات وسائل التواصل تراشقًا كلاميًا لم يخلُ من خطاب الكراهية بين كل الأطراف، وتبادل الاتهامات والإهانات العنصرية والطائفية.
عادت الحكومة وسحبت فتيل "الكرنتينا" عبر التراجع عن فكرة استحداث المأوى، إلا أن فتيل الانفجار الأمني لا يمكن لأحد سحبه اليوم، وهو هاجس يتربّص باللبنانيين ولا يقل خطورة عن هاجس الحرب نفسه، وهو أمر بدأ الحديث عنه في الإعلام في الفترة الأخيرة، وعبّر عنه العديد من المسؤولين اللبنانيين والإقليميين.
خمس اللبنانيين مهجّرون اليوم
تشير اليونيسيف عبر موقعها على الإنترنت إلى أن أكثر من 20 بالمئة من سكان لبنان نزحوا من أماكن سكنهم بسبب الحرب الأخيرة، وقد تجاوز عددهم المليون نازح من ضمنهم حوالي 370 ألف طفل، والنازحون أغلبهم هم من الشيعة، وكثير منهم هم جزء أساسي ممّا يسمى البيئة المؤيدة لحزب الله.
يتخوّف أصحاب البيوت المعروضة للإيجار أو البلديات والمنظمات التي تقدم المأوى للنازحين أن يكون بينهم عناصر من حزب الله وبالتالي أن يكونوا عرضة للاستهداف من الجيش الإسرائيلي، وقد شهدت الحرب الماضية (عام 2024) عددًا كبيرًا من المجازر ارتكبها الجيش الإسرائيلي بذريعة أن عناصر وقادة من حزب الله كانوا يختبئون بين النازحين.
الاغتيالات تخيف أصحاب المنازل
في الحرب الحالية كانت هناك بعض الاستهدافات لمناطق مثل الحازمية وبرج حمود وعرمون وغيرها، بالإضافة إلى استهدافين طالا فندقين في منطقة الحازمية والروشة، وبعد كل استهداف كانت تحصل مشاكل في محيط الغارة، وتخرج أصوات مطالبة بطرد النازحين قبل أن يتم تدارك الأمر.
في بعض مناطق النزوح، وفي ظل غياب سلطة مركزية قوية في لبنان، سيّرت البلديات دوريات للتأكد من هوية النازحين، ومن عدم ارتباطهم بحزب الله، وهو أمر صعب التحقق منه في الحقيقة، كذلك لا يمكن السيطرة على مراكز الإيواء الكبيرة التي تضم مئات النازحين.
الموضوع في النهاية جدلي ودقيق ويصعُب اتخاذ موقف واضح منه بحسب المراقبين، فالمضيفين يحقّ لهم أن يأخذوا حذرهم، دون أن يقعوا في فخ الطائفية أو العنصرية أو التنميط. الموضوع معقّد جدًا يشبه تعقيدات البلد.
دوريات وتحقّق من الهويات
للإضاءة على الموضوع أكثر، كان لـ "ألترا صوت" اتصال مع شرطي بلدية في منطقة "فرن الشباك" قرب بيروت، طلب عدم الإفصاح عن اسمه، فقال إنه وزملاءه على الأرض، يحاولون الموازنة بين أمرين صعبين، طمأنة أهالي الحي والتأكد من خلو المنطقة من عناصر "حزب الله"، ومساعدة النازحين وتقديم الدعم لهم من الناحية الأخرى".
يشير الشرطي إلى أن مهامهم تضاعفت مع اندلاع الحرب، فهم مطالبون بالتأكد من السيارات المركونة على جانب الطريق، وتسيير دوريات ليلية، والتحقق من هويات المستأجرين أو الضيوف الجدد، ومعالجة المشاكل التي تحصل في المدارس وفي الشقق وفي الشارع، كما أنيط بهم مهمة التدقيق بهوية الوافدين الجدد، وهي مهمة صعبة فهم ليسوا جهازًا أمنيًا في النهاية، ويجب على الدولة مساعدتهم بهذا الأمر بحسب قوله.
تردّد قبل تأجير المنازل
وللوقوف على رأي أصحاب المنازل، تواصل "ألترا صوت" مع أبو هاني الذي كان قد عرض منزلًا للإيجار شرقي بيروت، حيث أكّد أن الكثير من النازحين تواصلوا معه لاستئجار المنزل، لكنه كان متردّدًا، ليس لأنه لديه مشكلة مع الطرف الآخر في البلد بل لأن الخوف موجود اليوم مع كثرة الاغتيالات التي تطال قاطني الشقق.
ويشير أبو هاني إلى أنه يسكن مع عائلته في المبنى نفسه، وهو مسؤول عنها وعن حمايتها، بالرغم من تعاطفه الكبير مع النازحين وتفهمه للمعاناة التي يعيشونها وهي ليست مسؤوليتهم في النهاية.
الدولة لا تقوم بدورها بشكل كاف
وفي ظل هذا المشهد المعقّد، يبرز غياب الدولة أو ضعف حضورها بالحد الأدنى، فإدارة ملف النزوح لا يمكن أن تُترك للاجتهادات الفردية أو للبلديات التي تعمل بإمكانات محدودة، بل تتطلب خطة وطنية واضحة تحدّد آليات الإيواء، وتؤمّن رقابة جدّية على مراكز النزوح بما يبدّد هواجس السكان ويمنع في الوقت نفسه أي انتهاكات بحق النازحين.
كما أن تعزيز حضور الأجهزة الأمنية، واعتماد خطاب رسمي مسؤول، يبقى عناصر أساسية لاحتواء الاحتقان ومنع انزلاقه إلى صدامات مفتوحة. فترك الأمور على حالها، في بلد مثقل أصلاً بالانقسامات، قد يجعل من أي حادثة فردية شرارة لأزمة أكبر.