علماء العراق.. سيرة تشريد مستمر

علماء العراق.. سيرة تشريد مستمر

ثمة اتهامات للإدارة الأمريكية وإسرائيل بتصفية النخب العلمية العراقية (Getty)

يمكن عدّ العراق بيئة طاردة للأكاديميين، إذ يتكرر المشهد منذ أكثر من عقد، اغتيال أستاذ جامعي يؤدي إلى إشاعة الفزع داخل أروقة الجامعات، الأمر الذي يدفع إلى هروب عشرات الأساتذة خارج العراق خشية أن يصلهم الدور في التصفيات الجسدية المنظمة.

قتل أكثر من 230 أستاذًا جامعيًا خلال السنوات الخمس التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق

قد يعيد التاريخ نفسه على شكل مأساة، أو على شكل مهزلة، لكنه في فحص الكفاءات العراقيّة، يستغني عن المهازل، ويصّر على المآسي، حيث تشير الإحصاءات الرسمية العراقية أنه نتيجة انقلاب 8 شباط/فبراير عام 1963 هاجر نحو 502 أكاديمي يحملون شهادات علمية في مختلف الاختصاصات، إلا أن عقد الثمانينات من القرن الماضي شهد تصاعدًا في هجرة الأكاديميين العراقيين، خاصّة وأن نظام صدّام حسين كان يزجّ بهؤلاء حطبًا في حروبه العبثيّة، ولا سيما التي اندلعت مع إيران مطلع عام 1980. وأخذت الهجرة تتصاعد وتيرتها خلال عقد التسعينيات، بعد حرب الخليج الثانية والحصار الاقتصادي الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على العراق، حيث غادر البلاد، وفقًا لتقارير منظمة اليونسكو، نحو 7350 أكاديميًا عراقيًا، 67٪ منهم من أساتذة الجامعات، و23% منهم يعملون في مراكز الأبحاث العلمية.

وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان/أبريل 2003، عمّت الفوضى مفاصل البلاد، ومثلما استهدفت البنى التحتية استهدفت طاقاته البشرية ممثلة بالعلماء والأكاديميين والأطباء، وأصبحت ظاهرة تصفية هؤلاء سائدة إلى حدٍ كبير، إذ تم قتل أكثر من 230 أستاذًا جامعيًا خلال السنوات الخمس التي تلت الاحتلال، ما دفع الكثير من زملائهم إلى الهجرة خارج العراق حفاظًا على حياتهم من تهديدات الملثمين ومسدساتهم البراقة.

تبعًا لاعتراف وزارة الداخلية، فإن أكثر من 9 آلاف موظف في الدولة العراقيّة يحملون شهادات مزورة

وفي حين توجه أصابع الإتهام إلى بعض دول الجوار التي تستعين بميليشيات طائفية للقيام بهذه العملية المنظمة، إلا أنه ثمة اتهامات توجه أيضًا إلى كل من الإدارة الأمريكية وإسرائيل بالقيام بهذه التصفيات للنخب العلمية العراقية، وبغض النظر عن تبرير عدم الحفاظ على النخب، وترك صدورهم نهبًا للمسدسات المرتزقة، فإن هناك ما يُدين السلطات العراقيّة المتعاقبة على تخوّفها من الأنتلجنسيا، إذ يكفي النظر إلى خارطة عمل الجامعات اليوم ليتبيّن جليًّا حجم الخراب الذي يخيّم عليها، والإصرار على جعلها بيئة غير منتجة.

على مستوى السياسات، فإنه يمكن اعتبار الجامعات اليوم بلا استقلال، إذ غالبًا ما تخضع لعقليّة وزير التعليم الذي يكون بالضرورة مشبعًا بعقليّة حزبيّة ضيقة، وهذا يحثّه، بطبيعة الحال، على ممارسة سياسة مركزية تؤدي إلى الاستحواذ على قرارات الجامعة الداخلية بدل احتوائها، وخاصة بما يتعلق منها بالمناهج الدراسية، التي من المفترض أن تمنح حرية للأقسام الجامعية.

بالإضافة إلى الفوضى التي خلّفها نظام صدّام حسين، التي خلقت جيلًا عاطلًا من الأكاديمين منذ مطلع التسعينيات بمنحهم شهاداتهم على أساس كيل المديح لحزب "البعث" و"القائد الضرورة" في أطروحاتهم، فإن السلطة العراقيّة الجديدة ساعدت في إيلاد جيل أسوأ، غالبيّته من الأميين، تحصّلوا على شهاداتهم من خلال التزكيات الحزبيّة، واستغلال النفوذ، وتقديم الرشاوي.


شاهد من داخل البيت

تبعًا لاعتراف وزارة الداخلية، فإن أكثر من 9 آلاف موظف في الدولة العراقيّة يحملون شهادات مزورة، وقسم من هؤلاء تسرّب إلى الجامعات العراقيّة. لا يبدو غريبًا اليوم أن يكتب أستاذ في كليّة الإعلام "لاكن" بهذه الطريقة، وهو يعلّق على سوء حال الإعلام الذي وصل إليه العراق اليوم، ولا يبدو صادمًا أيضًا أن يشتم أستاذ في علم النفس بجامعة بغداد المجتمع العراقي بأكمله، لأنّه أعاد انتخاب الأحزاب السياسية ذاتها، وبالطبع لا يبدو غريبًا أن يكون أغلب خريجي الجامعات من الباحثين عن وظائف في الحكومة، حتّى يُتاح لهم تسلّم الرواتب من دون أن يكون لهم أي عمل يذكر. في المحصلة، لا يبدو غريبًا استمرار هجرة الأكاديميين إلى الخارج، وخاصّة الدول الأوروبيّة، في ظلّ عدم وجود حماية لهم، ولا استقلالية تؤهلهم لبناء أجيال عراقيّة لا تخضع لسلطة الأحزاب الطائفية التي تنخر عظم البلد.