علاقة موسكو بتل أبيب.. مسار ملتبس لرهانات سوفييتية إستراتيجية

علاقة موسكو بتل أبيب.. مسار ملتبس لرهانات سوفييتية إستراتيجية

تتوطد العلاقات الروسية الإسرائيلية لأسباب إستراتيجية (Getty)

ألترا صوت - فريق التحرير

كانت العلاقة بين الاتحاد السوفييتي ثم روسيا مع إسرائيل، متعددة الأبعاد، وخاضعة لكثير من التقلبات، بالإضافة لكونها علاقة حساسة للتطورات الإقليمية في الشرق الأوسط. ولا يمكن تتبع هذه العلاقة إلا ضمن فهم المسار الأوسع الذي تطورت فيه السياسات الخارجية السوفييتية والروسية تجاه المنطقة، والاستجابة الإسرائيلية لهذه التطورات.

لا يمكن تتبع العلاقة بين روسيا وإسرائيل إلا ضمن فهم المسار الأوسع الذي تطورت فيه السياسات الخارجية السوفياتية والروسية تجاه الشرق الأوسط

وإذا كان يمكن التوطئة للعلاقات الروسية الإسرائيلية من خلال حقبة الاتحاد السوفييتي، فقد شهدت هذه العلاقات مراحل عديدة ومتناقضة، حتى قبل قيام إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني عام 1948.

أعلن ممثل الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة عام 1947، أندريه غروميكو، دعم بلاده لخطة التقسيم، أي القرار الدولي 181، وبعد إقرارها، أيد الاتحاد السوفييتي قبول إسرائيل كعضو في الأمم المتحدة. وفي 17 أيار/مايو 1948، أي بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان قيام إسرائيل، اعترف الاتحاد السوفييتي بها. وفي الوقت نفسه، تم إرسال شحنات الأسلحة من الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل عن طريق تشيكوسلوفاكيا. حيث كانت العلاقات الودية أول الأمر، مندرجة ضمن محاولة السوفيات جذب تل أبيب إلى الكتلة الشرقية والحد من نفوذ بريطانيا في المنطقة. خاصة بعد هزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية، وفي هذا الإطار كان عراب هذه الفاتحة في العلاقة رؤوس الحزب الشيوعي الإسرائيلي -راكاح، ومن بينهم عضو الكنيست إميل حبيبي.

ولم يكتف الاتحاد السوفييتي بدعم قرار التقسيم والاعتراف بإسرائيل، بل أجبر الأحزاب الشيوعية الستالينية حول العالم، والتي كانت خاضعة لتمويل وإستراتيجية السوفييت عبر الكومنترن والأممية الثالثة، بدعم هذا القرار وتناول دولة العمال اليهود في أدبياتهم، ما أدى مثلًا إلى حملة استقالات جماعية من الحزب الشيوعي السوري الذي كان يضم الشيوعيين من سوريا ولبنان آنذاك. ويشهد لكل من الشيوعيين في السودان والعراق الاعتراض على الاعتراف السوفييتي ومحاولة توريط كل حلفائهم بالاعتراف بإسرائيل. 

وفي أعقاب النكبة، وتطور الحرب الباردة، كان هناك نقاش عام في إسرائيل حول ما إذا كان يجب أن تنحاز إلى المعسكر الغربي أو أن تسعى إلى تعزيز توجهها نحو الكتلة الشرقية. وقد اختار حزب ماباي/العمل لاحقًا بقيادة دافيد بن غوريون آنذاك، الانحياز إلى الغرب.

اقرأ/ي أيضًا: العلاقات الهندية الإسرائيلية.. كيف انتهى فجأة تاريخ من "عدم الانحياز"؟

ورغم العلاقة الوثيقة وسريعة التوطد في المرحلة الأولى، فإن كل ذلك انقلب بنفس السرعة أيضًا. حيث قطع السوفييت علاقتهم بإسرائيل عام 1953، بعد انفجار في مبنى البعثة الدبلوماسية بتل أبيب. وقد تلى ذلك بدء اعتبار إسرائيل موسكو عدوًا إستراتيجيًا، نتيجة تمويلها للعرب بالأسلحة، والعلاقات الإستراتيجية التي تقيمها مع دول عربية عدة. ثم تم قطع العلاقات مرة أخرى بعد حرب حزيران عام 1967، بسبب رفض إسرائيل وقف إطلاق النار في الحرب.

ومع بداية الفترة الأخيرة من حكم الاتحاد السوفييتي في نهاية الثمانينات، تحسنت العلاقات بشكل ملحوظ، وانتهت القطيعة الدبلوماسية عام 1987، فيما كانت هجرة اليهود الروس منذ مطلع التسعينات إلى إسرائيل، شاهدًا على قفزة كبيرة في العلاقات بين الطرفين.

أما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فقد  تطورت العلاقات بشكل مستقر وممنهج. حيث اعترفت إسرائيل فورا بالدول الجديدة التي كانت ضمنه، من بينها روسيا. وقد بدأت العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين بشكل مباشر، فيما تعزز التبادل السياحي والتجاري، خاصة في قطاع التبادل العسكري. واستمرت الهجرة إلى إسرائيل، فيما حاولت روسيا أخذ موقف حيادي إزاء الصراع العربي الإسرائيلي. ورغم أن العلاقات تنامت بشكل مستمر، إلا أن إيقاع هذا النمو كان بطيئًا.

في حين شهدت المرحلة منذ تولي فلاديمير بوتين للسلطة في عام 2000، تسارعًا أكثر في نمو العلاقات بين الطرفين. وتميزت هذه الفترة بالدور الدبلوماسي المتصاعد لروسيا في الشرق الأوسط، وهو ما أثر بدوره في العلاقات. فيما بدأ ظهور خطاب عن النزعة المشتركة لمحاربة خطر الإسلام الراديكالي، سواء في منطقة القوقاز أو الشرق الأوسط. وقد أراد بوتين لعب دور الوساطة في الصراع العربي الإسرائيل بشكل خاص، كنوع من إعادة إدارة وجوده في المنطقة.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد وصل التبادل التجاري إلى مراحل غير مسبوقة عند مليار دولار في عام 2005، ثم وصل إلى أقل 4 مليار دولار بقليل في عام 2014.

فيما تميزت السنوات الثماني الأخيرة منذ اندلاع الثورات العربية، بالتواجد الروسي الفاعل في المنطقة، خاصة في الشأن السوري الذي يعتبر ذا أهمية خاصة في النقاش الأمني الإسرائيلي. حيث تلعب روسيا، كما تبين مجموعة من التصريحات والتقارير الصحفية، وسيطًا في التفاهمات بين تل أبيب والنظام السوري.

وصل التبادل التجاري بين روسيا وإسرائيل إلى مراحل غير مسبوقة عند مليار دولار في عام 2005، ثم وصل إلى أقل 4 مليار دولار بقليل في عام 2014

وعلى الرغم من أن العلاقة مع روسيا ليست فريدة جدًا فيما يتعلق بالتبادل التجاري أو العسكري، حيث إنها لا تقارن مع دول عدة أخرى، وكذلك فإن الروابط بين إسرائيل والغرب اقوى ووطيدة أكثر بالتأكيد. لكن هناك مجموعة من الأسباب الأساسية التي تجعل العلاقة مع روسيا إستراتيجية بالنسبة لإسرائيل في هذه الفترة:  

أولًا: الهجرة اليهودية وغير اليهودية من دول الاتحاد السوفييتي، التي أمدت إسرائيل بحوالي مليون مهاجر، وشملت مجموعة كبيرة من الخبراء في مجالات التقنية العالية والأسلحة والطب، إلخ. بالإضافة إلى مجموعة غير قليلة من رؤوس الأموال. ولا يزال وجود ما يقارب من مليون روسي في إسرائيل، ذا تأثير على عدة أصعدة.

شهدت المرحلة منذ تولي فلاديمير بوتين للسلطة في عام 2000، تسارعًا أكثر في نمو العلاقات بين موسكو وتل أبيب

ثانيًا: إدارة تصدير الأسلحة وعدم تصديرها. ورغم أن إسرائيل وإن كانت أقل حاجة للأسلحة الروسية، باعتبارها أصلا مصدرًا مهمًا في سوق القطاع العسكري العالمي، إضافة إلى وجود الصادرات والمساعدات الأمريكية، فإن الأهم بالنسبة لها هو إدارة عدم تصدير الأسلحة لدول الأعداء، خاصة إيران.

اقرأ/ي أيضًا: تعطش هنديّ للتكنولوجيا الإسرائيلية.. وإسرائيليّ للمليارات الهندية!

ثالثًا: شعور إسرائيل بخسارة حلفائها التقليديين المتمثلين ببعض الأنظمة العربية بعد الثورات، أو على الأقل حاجتها للتكيف مع التغيرات الجديدة التي أحدثها الربيع العربي في الشرق الأوسط. وسيطرة روسيا وحلفائها على عدة دول عربية محورية. بالإضافة إلى خسارة حلفائها القريبين من الصراعات في الشرق الأوسط، مثل تركيا بشكل خاص.

رابعًا: إدارة التهديد الإيراني من خلال الوجود الروسي في سوريا، وهو الملف الذي يشغل الرأي العام الإسرائيلي في الفترة الأخيرة، وقد اتضحت أهمية هذه العلاقة مع التفاهمات المشتركة بين روسيا وإسرائيل حول إبعاد إيران عن الحدود.

خامسًا: تراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط منذ الانسحاب من العراق، وهو ما ترك فراغًا واسعا للتدخل الروسي، الذي تعزز بأكثر أشكاله نجاحًا مع بدء الثورات العربية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العلاقات السعودية الإسرائيلية تدفع نحو "نظام عالمي جديد" مطبّع مع الانتهاكات

التطبيع البحريني.. "بروفا" لإعلان العلاقات السعودية مع تل أبيب