علاج جديد للسرطان يحقق نتائج غير مسبوقة
1 يونيو 2026
أظهرت نتائج تجربة سريرية دولية واعدة أن حقنة جديدة لعلاج السرطان نجحت في تقليص الأورام أو القضاء عليها بالكامل، لدى عدد من المرضى الذين استنفدوا تقريبًا جميع الخيارات العلاجية المتاحة، ما دفع الباحثين إلى وصف النتائج بأنها "غير مسبوقة" في فئة من المرضى الذين لم تعد تستجيب أجسامهم للعلاج الكيميائي أو المناعي.
وشملت الدراسة، التي أُجريت في 11 دولة، مرضى يعانون من سرطانات متقدمة عادت للظهور أو انتشرت إلى أجزاء أخرى من الجسم، بعدما فشلت العلاجات التقليدية في السيطرة على المرض. وأظهرت النتائج أن العقار الجديد "أميفانتاماب" (Amivantamab) حقق استجابات قوية خلال أسابيع قليلة من بدء العلاج.
استجابة لافتة في حالات صعبة
وحسب تقرير لصحيفة "الغارديان"، شارك في التجربة 102 مريض مصابين بسرطان الرأس والعنق، وهو سادس أكثر أنواع السرطان شيوعًا عالميًا. وكشفت النتائج أن الأورام تقلصت أو اختفت بالكامل لدى 43 مريضًا، أي ما يزيد على ثلث المشاركين.
ومن بين هؤلاء، سجل 28 مريضًا تقلصًا ملحوظًا في حجم الأورام، بينما تمكن الأطباء من رصد اختفاء كامل للأورام لدى 15 مريضًا، في نتيجة اعتبرها الباحثون استثنائية بالنظر إلى طبيعة الحالات المشاركة في الدراسة.
وصف الباحثون نتائج التجارب السريرية بأنها "غير مسبوقة" في فئة من المرضى الذين لم تعد تستجيب أجسامهم للعلاج الكيميائي أو المناعي
وقال البروفيسور كيفن هارينغتون، المتخصص في العلاجات البيولوجية للسرطان في معهد أبحاث السرطان في لندن، إن هذه الاستجابات "غير مسبوقة" لدى مرضى أصبح سرطانهم مقاومًا لكل من العلاج الكيميائي والعلاج المناعي.
وأضاف أن هؤلاء المرضى يواجهون عادة خيارات علاجية محدودة للغاية، ما يجعل حجم الفائدة التي أظهرها الدواء الجديد مثيرًا للاهتمام بشكل خاص، مؤكدًا أن العلاج قد يفيد آلاف المرضى سنويًا إذا أثبت فعاليته في المراحل اللاحقة من الدراسات.
كيف تعمل الحقنة الجديدة؟
يعتمد "أميفانتاماب" على آلية ثلاثية تستهدف الورم من عدة زوايا في الوقت نفسه.
فالعقار يعمل أولًا على تعطيل بروتين يعرف باسم "EGFR"، وهو أحد المحركات الرئيسية لنمو العديد من الأورام. كما يستهدف مسارًا بيولوجيًا آخر يعرف باسم "MET"، تلجأ إليه الخلايا السرطانية غالبًا للالتفاف على العلاجات ومقاومتها.
أما الآلية الثالثة فتتمثل في تحفيز الجهاز المناعي لمهاجمة الخلايا السرطانية بصورة أكثر فاعلية، ما يمنح العلاج قدرة مزدوجة على إبطاء نمو الورم وتعزيز دفاعات الجسم الطبيعية ضده.
نتائج مشجعة في سرطانات أخرى
ولم تقتصر المؤشرات الإيجابية على سرطان الرأس والعنق فقط، إذ أوضح الباحثون أن العلاج أظهر نتائج مماثلة لدى مرضى سرطان الرئة. ويخضع العقار حاليًا لنحو 60 تجربة سريرية مختلفة، تركز بشكل رئيسي على سرطان الرئة، إضافة إلى سرطانات القولون والدماغ والمعدة، في محاولة لتحديد مدى فعاليته عبر طيف واسع من الأورام الخبيثة.
تجربة مريض
من بين أوائل المستفيدين من العلاج كان البريطاني كارل والش (56 عامًا)، الذي شُخّص بسرطان اللسان في أيار/مايو 2025. وخضع في البداية للعلاج الكيميائي والعلاج المناعي، لكن الورم لم يستجب بالشكل المطلوب. وبعد تدهور حالته، انضم إلى تجربة "OrigAMI-4" في تموز/يوليو 2025. وقال والش إن التحسن بدأ يظهر سريعًا بعد بدء العلاج، مشيرًا إلى أن التورم والآلام انخفضت بشكل كبير، كما استعاد قدرته الطبيعية على الكلام وتناول الطعام.
وأضاف أنه قبل المشاركة في التجربة كان يواجه صعوبة شديدة في الأكل بسبب الألم والتورم، واعتمد لفترة طويلة على الحساء والأطعمة اللينة والمشروبات الغذائية الطبية، ما تسبب في فقدانه قدرًا ملحوظًا من الوزن.
لكن بعد دورتين فقط من العلاج بدأت حالته تتحسن تدريجيًا، قبل أن يعود إلى نظام غذائي طبيعي بالكامل بعد نحو ستة أشهر. وأوضح أن أكثر ما أسعده كان تمكنه مجددًا من تناول وجبة لحم كاملة، إلى جانب عودته إلى العمل والتحدث عبر سماعات الرأس دون أي مشكلات.
سهولة في الاستخدام وآثار جانبية محدودة
ومن أبرز مزايا العلاج الجديد أنه لا يُعطى عبر التسريب الوريدي التقليدي، بل من خلال حقنة صغيرة تحت الجلد تُستخدم مرة كل ثلاثة أسابيع، ما يجعل تلقي العلاج أسرع وأكثر راحة للمرضى وأسهل للتطبيق في العيادات الخارجية.
كما أظهرت البيانات أن معظم الآثار الجانبية كانت خفيفة إلى متوسطة الشدة، في حين اضطر أقل من 10% من المرضى إلى إيقاف العلاج بسبب المضاعفات.
أهمية خاصة للسرطانات الأكثر تعقيدًا
وأكد الباحثون أن التجربة ركزت على مرضى سرطانات الرأس والعنق غير المرتبطة بفيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، وهي فئة تُعرف بصعوبة علاجها مقارنة بالحالات المرتبطة بالفيروس. ويمنح ذلك النتائج أهمية إضافية، إذ إن تحقيق استجابات قوية لدى هذه المجموعة يعد تحديًا كبيرًا في مجال علاج الأورام.
كما أظهرت الدراسة أن المرضى الذين تلقوا العلاج عاشوا مدة متوسطة بلغت 12.5 شهرًا بعد بدء العلاج، رغم أن هذا النوع من السرطان يرتبط عادة بمعدلات بقاء منخفضة للغاية بعد فشل العلاجات القياسية.
خطوة جديدة في معركة السرطان
ويرى الباحثون أن النتائج تمثل تقدمًا مهمًا في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية للمرضى الذين تنفد أمامهم الخيارات العلاجية. ومن المنتظر عرض البيانات الكاملة خلال الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية لعلم الأورام السريرية (ASCO) في شيكاغو، وهو أكبر مؤتمر عالمي متخصص في أبحاث السرطان.
وفي حال أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج على نطاق أوسع، فقد يصبح "أميفانتاماب" أحد أبرز العلاجات الجديدة القادرة على تغيير مسار المرض لدى آلاف المرضى الذين يواجهون سرطانات متقدمة ومقاومة للعلاج.