عقيدة

عقيدة "النصر" المؤجل.. لماذا لا تنتهي حروب البنتاغون؟

دورية من مشاة البحرية الأمريكية قرب كابول (سكوت أولسون/Getty)

 تعبر القاعدة الذهبية لقياس فعالية الحروب غير التقليدية والهجينة عن مصفوفة قياس فريدة في دقتها، إذ تقول "الجيش الكلاسيكي مهزوم ما لم ينتصر، والعصابات منتصرة ما لم تهزم تمامًا". هذا تمامًا ما ينطبق على تجارب الجيش الأمريكي بالمجمل منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية حتى اللحظة. بتتبع مسار معارك وحروب البنتاغون يتضح أنها في المجمل شنت ما وراء البحار، في الأرض الغريبة، وضد عصابات وتشكيلات شبه عسكرية أكثر من مواجهتها لجيوش نظامية، فيتنام وأفغانستان والعراق والصحراء الأفريقية، كل هذه الأقاليم تشهد على تجارب مخيبة للجيش الأمريكي صاحب الحروب المفتوحة والهزائم الكبرى، واحتفالات النصر العظيمة. ليظهر السؤال العملاق، لماذا يمارس البنتاغون ذات المنهجيات الخاسرة مرارًا وتكرارًا؟ أم أن الفوضى الحربية والنهب العشوائي هو الغاية؟!  

يقدم الباحثان المرموقان نيك تورس، وتوم ديث باتش استعراضًا تاريخيًا وتساؤلات كبرى حول مسارات حروب البنتاغون واحتفالاته بالنصر "المؤجل" عبر هذا المقال المنقول مترجمًا عن صفحات موقع تروث أوت الأمريكي البديل.


 4,000,000,029,057. تذكر هذا الرقم، فسيأتي ذكره لاحقًا. ولكن فلنبدأ برقم آخر: 145 ألفًا، كما في 145 ألف جندي بزي رسمي يجوبون شارع بنسلفانيا في واشنطن. وهو عدد أفراد القوات التي سارت في هذا الشارع تحديدًا في أيار/مايو 1865 بعد أن هزمت الولايات المتحدة الولايات الكونفدرالية الأمريكية. جيوش مماثلة من جنود تحمل البنادق قامت بالأمر نفسه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بهزيمة ألمانيا وحلفائها في 1918. وماذا عن دبابات شيرمان التي تجتاز المناطق العمرانية الضيقة في وسط مانهاتن، عقب الانتصار على دول المحور في عام 1945؟ هكذا كان شكل الانتصار في أمريكا، النشيد الوطني والشوارع الممتلئة عن آخرها بالجنود ومواكب النصر.

لا ينتصر الجيش الكلاسيكي ما لم يحقق نصرًا ساحقًا، بينما لا تنهزم  العصابات ما لم تتعرض للإبادة

دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي فُتن بالاحتفال العسكري بيوم الباستيل أثناء زيارته للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس في تموز/يوليو 2017، إلى إقامة موكب مشابه في واشنطن.  وبعد أن تضخمت تكلفة الموكب التقديرية من 10 ملايين دولار إلى 92، تدخل الفيلق الأمريكي. أصدرت رابطة المحاربين القدامى، التي تضم 2.4 مليون عضوًا، بيانًا في آب/أغسطس يشير إلى وجوب تعليق الموكب المُخطط له "حتى يأتي الوقت الذي نستطيع فيه الاحتفال بالنصر في الحرب على الإرهاب وإعادة جيشنا إلى الوطن". بعد ذلك بفترة قصيرة، أعلن الرئيس أنه ألغى العرض ولام المسؤولين المحليين في واشنطن على رفع التكاليف.

اقرأ/ي أيضًا:  ما دور أستراليا في عمليات الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط؟

ركز الفيلق الأمريكي على انعدام المسؤولية المالية فيما يتعلق بالموكب الذي اقترحه ترامب، لكن تأجيله كان ينبغي أن يطرح سؤالًا أكثر أهمية: كيف يبدو "الانتصار" في الحرب على الإرهاب؟ ما الذي يُمثل نصرًا عسكريًا أمريكيًا في العالم اليوم؟ هل يشبه بأي حال انتهاء الحرب الأهلية، أم أنها الحرب التي تشكل نهايةً لجميع الحروب، أم أنها الحرب التي تجعل تلك التسمية بالية؟ وإليك سؤال آخر: هل الانتصار شرط أساسي لإقامة موكب عسكري؟  

أسهل هذه الأسئلة هو الأخير، وينبغي على الفيلق الأمريكي أن يكون عارفًا بالإجابة. لعب أعضاء مجموعة المحاربين القدماء هذه أدوارًا رئيسية في موكب ضخم بعنوان "نحن ندعم أبناءنا في فيتنام" في مدينة نيويورك في عام 1967، وفي موكبٍ آخر في عام 1973 في نفس المدينة تكريمًا لمحاربي تلك الحرب. ثم، بعد 10 سنوات من تسللت آخر قواتٍ أمريكية من جنوب فيتنام، نابذين حلفاءهم و مهرولين على متن الطائرات المروحية بعد سقوط سايغون، ستقيم مدينة نيويورك "التفاحة الكبيرة" احتفالًا آخر لتكريم محاربي فيتنام، الاحتفال الذي يُقال إنه الأكبر في تاريخ المدينة. لذا، من الواضح تمامًا أن الفوز بالحرب ليس شرطًا أساسيًا لإقامة موكب نصر.

وهذا الدرس هو درس من بين العديد من الدروس التي لا تزال الحرب الأمريكية الكارثية في فيتنام تقدمه لنا. وربما تكون الدروس الأكثر أهمية هي تلك التي تسلط الضوء على حدود قدرة الجيش وقوته المدمرة على هذا الكوكب، أو تلك التي تركز على قدرة فيتنام الشمالية، وهي "الدولة الصغيرة من الدرجة الرابعة" على حد قول هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي وقتها، في التفوق على قوة عظمى هزمت من  ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية في الوقت نفسه.

تمنح حرب فيتنام وكيسنجر منظورًا مفيدًا يمكن  خلاله البحث في الأسئلة المتبقية عن الانتصار وما يعنيه اليوم، ولكن المزيد حول ذلك لاحقًا. ولكن حاليًا، تذكر فقط: 4,000,000,029,057، وحرب فيتنام، وكيسنجر. السلام في أوقاتنا.. أو لبعض الوقت.. أو أي وقت دعنا الآن نتوقف لحظة للنظر في لبنة صراع الحرب على الإرهاب، أفغانستان، حيث بدأت الولايات المتحدة في محاربة طالبان في تشرين الأول/أكتوبر 2001. 

لا يعد ترامب ولا جمهوره أرقام الخسائر المادية والبشرية لحروب البنتاغون التي يصفقون لها، ويدعون النصر ليحتفلوا به أكثر من رغبتهم في نتائجه

جاء انتصار أمريكا هناك بسرعة خاطفة، وفي العام التالي، أعلن الرئيس جورج دبليو بوش أن المجموعة قد "هُزمت". وفي عام 2004، أفاد القائد العام للجيش بأن طالبان "لم تعد موجودة"، ولكن ذلك، بطريقة ما، لم يكن صحيحًا. فبحلول عام 2011، زعم الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأمريكية في أفغانستان في ذلك الوقت، أن قواته "عكست مسار القوة الدافعة لطالبان". وبعدها بعامين ، تحدث جوزيف دانفورد القائد العام وقتها عن "حتمية نجاحنا" هناك.

 وفي آب/أغسطس الماضي، كشف الرئيس ترامب عن "إستراتيجيته في أفغانستان وجنوب آسيا"، وكانت "ركيزته الأساسية" هي "تحولٌ من نهج قائم على الوقت إلى نهج قائم على الشروط"، بعبارة أخرى، كانت "الجداول الزمنية الاعتباطية" للانسحاب في عهد أوباما قد بدأت. أعلن ترامب "سنتقدم إلى النصر بالقوة في قلوبنا"، "يجب ألا يعرف أعداء أمريكا خططنا أو يعتقدوا أن بإمكانهم التمهل علينا".

أعلن الرئيس أيضًا أنه كان يضع هذه الحرب بالكامل في أيدي الجيش. أعلن "الإدارة التفصيلية من واشنطن العاصمة لا تؤدي للفوز بالمعارك. بل تُربح الحروب في الميدان بالاعتماد على تقدير وخبرة قادة الحرب وجنود الجبهة الأمامية الذين يعملون في الوقت الفعلي، بسلطة حقيقية، ولديهم مهمة واضحة هي هزيمة العدو".

اقرأ/ي أيضًا:  ترامب والقوة العسكرية.. سوء فهم يُنذر بكارثة

وكان الرجل المُفوض بتلك السلطة هو الجنرال جون نيكلسون الذي كان في الواقع يدير الحرب الأمريكية هناك منذ عام 2016. كان الجنرال سعيدًا، ووافق في غضون أشهر على أن الصراع قد "بدأ يتحسن"، وهو بالمناسبة شيء زعمه أيضًا ليون بانيتا، وزير الدفاع في عهد أوباما- في 2012.

 اليوم، بعد ما يقرب من 17 عامًا على بدء الحرب، وعامين على تولي نيكلسون زمام الأمور، وعام واحد على توضيح ترامب خطته الجديدة، فإن النصر بأي شكل من أشكاله التقليدية ليس لائحًا في الأفق. وعلى الرغم من إنفاق حوالي 900 مليار دولار في أفغانستان، كما أوضح المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان في وقت سابق من هذا العام، "بين عامي 2001 و2017، فشلت جهود الحكومة الأمريكية لتحقيق الاستقرار في المناطق غير الآمنة والمُتنازع عليها في أفغانستان". ووفقًا لتقرير في 30 تموز/يوليو 2018 نشره المفتش العام الخاص نفسه، كانت طالبان وقتها في صراع للسيطرة، أو كانت تسيطر بالفعل على ما يقرب من 44% من ذلك البلد، بينما قلت سيطرة الحكومة الأفغانية ونفوذها على المناطق بنسبة 16% تقريبًا منذ كان الجنرال جون كامبل، سلف نيكولسون، في موقع القيادة.

وكان ذلك قبل أن تقوم طالبان في الشهر الماضي بشن هجوم واسع النطاق على العاصمة الإقليمية غزنة، وهي مدينة مهمة استراتيجيًا، وسيطرت عليها خمسة أيام، بينما سيطرت على جزء كبير من الإقليم نفسه. وأخيرًا، عند خروجها من المدينة، احتلت طالبان على الفور قاعدة عسكرية في ولاية بغلان أثناء انسحابها. وكان ذلك بعد يوم واحد فقط من أخذ قاعدة عسكرية أفغانية أخرى. في الواقع، خلال الشهرين الماضيين. كانت حركة طالبان قد استولت على نقاط تفتيش وحواجز استيطانية تابعة للحكومة بشكل شبه يومي. وتذكر أن حركة طالبان ليست سوى جزء صغير من القصة. فقد بدأت الولايات المتحدة في السعي لهزيمتها هي وتنظيم القاعدة في عام 2001. واليوم تواجه واشنطن مجموعات إرهابية تتزايد بشكل مطرد في أفغانستان، تصل إلى 21 مجموعة، بما في ذلك امتياز مستورد من جبهة حرب العراق، داعش، والتي نمت بشكل أكبر خلال عهد نيكلسون.

لم تغادر أعراض حرب فيتنام المخيال الأمريكي، ولا الوعي العسكري للبنتاغون، لكن ذات الأخطاء تكررت مرارًا كأنها هي الهدف 

في ضوء هذه الحالة الكئيبة في ظاهرها، قد تتساءل ما الذي حدث لنيكلسون. هل تم عزله؟ هل طُرد مثل المبتدئين؟ هل تم توجيهه بهدوء للخروج من أفغانستان في خزي؟ كلا. لقد تم استبداله على غرار القادة الخمسة عشر الذين سبقوه، وفي مؤتمره الصحفي الأخير من منطقة الحرب في أواخر الشهر الماضي، كان الجنرال ذو الأربع نجمات متفائلًا. أعلن "أؤمن أن إستراتيجية جنوب آسيا هي النهج الصحيح. ونحن الآن نرى ذلك النهج يحقق تقدمًا في المصالحة لم نشهده من قبل" وأضاف "لقد رأينا أيضًا تقدمًا واضحًا في التصريحات العامة لطالبان، بداية من رسالة 14 شباط/فبراير إلى الشعب الأمريكي وحتى رسالة عيد الأضحى الأخيرة، التي اعترف فيها زعيم طالبان الأمير هبة الله لأول مرة بأن المفاوضات سوف تضمن إنهاء الحرب". بالمقابل، ماذا عن تلك العبارات المهادنة حول السلام والمصالحة التي طرحها نيكلسون؟ تقول طالبان إن "الخيار الوحيد" لإنهاء "هذه الحرب الطويلة"، يتمثل في " إنهاء احتلال أفغانستان ولا شيء أكثر من ذلك".

اقرأ/ي أيضًا: الإمبريالية وسوق العالم.. الوحش الذي "يداعبنا"

في حزيران/يونيو، مثُل القائد الأمريكي السابع عشر الذي رُشِح لتولي قيادة الحرب، الفريق سكوت ميلر، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، حيث وجهت إليه إليزابيث وارن، سناتور عن الحزب الديمقراطي بولاية ماساتشوستس، سؤالًا حول النهج المختلف الذي يتبعه من أجل إنهاء الصراع. وكان رد "ميلر" بنبرة الواثق من النفس "لا يمكنني أن أضمن لك جدولاً زمنيًا أو تاريخًا نهائيًا".

هل اعتبر نواب مجلس الشيوخ رده غير مقنع وأنهوا اللقاء معه على عجالة؟ كلا، في الواقع، تم تأكيد تعيينه وشرع في عمله هذا الشهر، في حين لم يعد واردًا أن يستخدم الكونغرس سلطته المتمثلة في تخصيص الأموال، لإنهاء الحرب. ومن المؤكد أنه سيتم الموافقة على طلب اعتماد ميزانية 2019 للعمليات الأمريكية في أفغانستان – التي ستتجاوز 46.3 مليار دولار.

كل هذه العبث على ما يبدو، يُعيدنا إلى حرب فيتنام ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، وذلك العدد السحري، 4,000,000,029,057، بالإضافة إلى السؤال حول كيفية ما يبدو عليه النصر العسكري الأمريكي اليوم. وقد يفاجئك الأمر، لكن تبين عمليًا أن الحروب الرابحة، ما زالت ممكنة، بل ربما يتمثل الأمر الأكثر دهشة في أن الجيش الأمريكي لا يزال يحقق ذلك تحديدًا.

في فيتنام، هدف الجيش "للتفوق على العصابات وهزيمتها"، لكنه لم يحقق ذلك أبدًا، وعانت الولايات المتحدة من هزيمة ساحقة. قدم هنري كيسنجر، الذي ترأس منصب مستشار للأمن القومي، ثم وزيرًا للخارجية، في فترة السنوات الأخيرة من ذلك الصراع، وجهة نظره الموجزة حول أحد المبادئ الأساسية للحرب غير المتناظرة، التي تفيد بأن "الجيش التقليدي يخسر إذا لم يفز في حين ينتصر من يخوض حرب العصابات إذا لم يخسروا".

منذ جورج دبليو بوش حتى أيام ترامب، تكرر إعلان واشنطن النصر في أفغانستان والعراق، لكن دون مفاعيل ميدانية تمثل هذا النصر

ربما لأن رجل دولة بمثل تلك السطوة والتقدير، لكن سيئ الطالع مثلما هو حال كيسنجر، هو من صاغ تلك القاعدة، حُكم على تلك الصيغة، مثلها مثل غيرها من الأشياء التي تطرق إليها، أن تنتهي بالفشل الذريع.

اقرأ/ي أيضًا:  "القنّاص الأمريكي".. قنّاص الخدع

في هذا القرن، وجدت الولايات المتحدة طريقة لعكس مقولة كيسنجر العسكرية رأسًا على عقبٍ، ومن ثم إعادة كتابة بديهيات الصراع المسلح، ويمكن إثبات إعادة التعريف هذه بتعبيرٍ مختلفٍ، لم تفز الولايات المتحدة بنزاعٍ مسلحٍ كبيرٍ منذ عام 1945، تبلغ ميزانيتها للأمن القومي تريليون دولار؛ تداول 17 قائدًا عسكريًا على مدار الأعوام السبعة عشر الماضية في أفغانستان، وهي غارقة في 23,744 "حادثًا أمنيًا"، أكبر عدد مسجل حتى الآن، في عام 2017 وحده، أنفقت حوالي ثلاثة تريليونات دولار، على تلك الحرب في المقام الأول، وما تبقى على الحرب ضد الإرهاب، بما في ذلك الصراع المتواصل في العراق، والذي سبق لوزير الدفاع آنذاك، دونالد رامسفيلد، أن أقسم في عام 2002، أنها سينتهي في غضون "خمسة أيام أو خمسة أسابيع أو خمسة أشهر فقط "، لكن لا يزال هناك حوالي 5000 جندي أمريكي اليوم؛ ومع ذلك فإن 74% من الشعب الأمريكي ما زالوا يعربون عن ثقتهم في الجيش الأمريكي. 

دعِ الرياضيات وانعكاساتها تغمرك لبعض الوقت، إذ إن مثل هذه الحسابات تفند بشكلٍ قاطعٍ الفكرة بأن "الجيش التقليدي يخسر إذا لم يفز"، وتساعدنا أيضًا في الإجابة على مسألة الانتصار في الحرب على الإرهاب.

اتضح أن الجيش الأمريكي، الذي تعاظمت ميزانيته ونفوذه في واشنطن في هذه السنوات، يفوز الآن ببساطة من خلال عدم خسارته، وهو جيش تقليدي تكلفته عدة تريليونات من الدولارات، يطبق معايير النجاح، التي كانت تنطبق من قبل فقط على جماعات حروب العصابات، ضعيفة التسليح وشحيحة التمويل.

على عكس سنوات حرب فيتنام، انتهج بفاعلية ثلاثة رؤساء ومعهم البنتاغون، وزارة الدفاع الأميركية، دون مبالاة بالقيود المالية، أو المعارضة الموضوعية للكونجرس أو حركة هامة مناهِضة للحرب معتبرة، هذه الإستراتيجية، التي لا تتطلب أكثر من إمدادات ثابتة من القوات العسكرية والمتعاقدين وغيرهم من المتعاونين مع الجيش، وتوافد لا متناهي من القادة المعتمدين من مجلس الشيوخ، فضلًا عن نفقات سنوية بمئات المليارات من الدولارات.

الحرب الخارجية صنعة أمريكية منذ مطلع القرن 20، حتى أمست مكونًا إستراتيجيًا في رؤية واشنطن بداع وبدونه 

بموجب هذه المعايير، قد تكون "إستراتيجية دونالد ترامب" المفتوحة وغير المقيدة بجدول زمني في أفغانستان وجنوب آسيا، هي الخطة الحربية الفائزة على الإطلاق، مثلما وصفها عندما قال:"من الآن فصاعدًا، سيتخذ النصر تعريفًا واضحًا: مهاجمة أعدائنا ومحو داعش من الخريطة وسحق تنظيم القاعدة ومنع طالبان من الاستيلاء على أفغانستان ووقف الهجمات الإرهابية الواسعة ضد أمريكا قبل ظهورها".

 فكر في الأمر قليلا. يبدأ تعريف النصر بـ "مهاجمة أعدائنا" وينتهي بمنع وقوع هجمات إرهابية محتملة. دعوني أكرر ما قلته "النصر" يُعرّف بأنه "مهاجمة أعدائنا" وفق إستراتيجية الرئيس ترامب، يبدو أنه في كل مرة تقصف الولايات المتحدة أو تقذف أو تطلق النار على عضو في واحدة من تلك المجموعات الإرهابية التي يزيد عددها على 20 مجموعة في أفغانستان، تعد الولايات المتحدة نفسها تحقق فوزًا أو ربما فازت بالفعل. وهذه الإستراتيجية لا تتمحورحول الأفغان تحديدًا، إذ يمكن تطبيقها بسهولة على مناطق الحرب الأمريكية في الشرق الأوسط وإفريقيا، بل في أي مكان في واقع الأمر.

بعد عقود من انتهاء حرب فيتنام، حلّ الجيش الأمريكي أخيرًا لغز كيفية " التفوق وهزم الجماعات التي تخوض حرب العصابات". وكان الأمر أبسط مما يتصوره المرء، إذ كان كل ما يتوجب القيام به يتمثل  في اعتماد نفس التعريف للنصر، ونتيجة لذلك، لايخسر الجيش التقليدي، على الأقل الجيش الأمريكي، المعارك إلا إذا توقف عن القتال. ومع استمرار مواصلة القادة، الذين لا يخضعون لأي مساءلة، شن حروب تفتقد للمعايير دون قيود من الكونغرس، لا يمكن للولايات المتحدة ببساطة أن تخسر. ولا يمكنك المجادلة مع الرياضيات، بوسعك أن تطلق عليها اسم قاعدة 4,000,000,029,057.

تثبت هذه الحسابات وهذا المجموع أيضًا، بوضوح تام، أن القائد العام الأمريكي المحاصر قد واجه تحديًا صعبًا خلال عرضه المنتصر. كما أن الجيش الأمريكي أصبح حاليًا، في ظل قواعد الحرب الجديدة، يحقق الانتصار، ويستحق نوع الاحتفال الذي اقترحه الرئيس ترامب. وبعد قرابة عقدين من الحرب، خفضت القوات المسلحة من مستوى النصر إلى مستوى عدوها حركة طالبان.

 

اقرأ/ي أيضًا:  

تبادلية الجنون الروسي "الزائف" والتفوق العسكري الأمريكي.. سوريا مسرحًا

مجازر البنتاغون على هامش الحرب ضد داعش.. سفك 6 آلاف روح بريئة بالحد الأدنى