ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

عقد على التدخل الروسي في سوريا.. من إنقاذ الأسد إلى اختبار النفوذ بعد سقوطه

30 سبتمبر 2025
جنود روس في سوريا
جنود روس في سوريا (Getty)
محسن القيشاويمحسن القيشاوي

تمرّ اليوم الذكرى العاشرة للتدخل العسكري الروسي في سوريا، حين أطلقت موسكو في 30 أيلول/أكتوبر 2015 أولى غاراتها الجوية لتدخل مباشرة في قلب الحرب التي شنها نظام الأسد ضد الشعب السوري. حينها، قدّم الكرملين تدخله بوصفه "خطوة لإنقاذ الدولة السورية من الانهيار ومكافحة الإرهاب"، لكنه في الواقع كان رهانًا استراتيجيًا على بقاء نظام بشار الأسد بوصفه الحليف الأبرز لموسكو في المشرق. 

بعد عقد كامل، تغيّرت المعادلة جذريًا: سقط نظام الأسد الذي استثمرت فيه روسيا موارد هائلة، وصعدت سلطة جديدة في دمشق، لتجد موسكو نفسها أمام اختبار معقّد عنوانه: كيف تحافظ على نفوذها ومصالحها الاستراتيجية وقواعدها العسكرية في بلد تغيّر جذريًا؟

بداية التدخل: إنقاذ النظام واستعادة النفوذ الروسي

عندما قرّرت روسيا التدخل عسكريًا في سوريا، كان نظام الأسد على شفا الانهيار. فصائل المعارضة كانت تقترب من أبواب دمشق، وخسرت قوات الأسد مساحات واسعة من البلاد. التدخل الروسي شكّل لحظة مفصلية؛ فالغارات الجوية التي انطلقت من قاعدة حميميم في اللاذقية، أعادت للنظام القدرة على الصمود، بل واستعادة السيطرة على مناطق استراتيجية بدعم من القوات الإيرانية وميليشيات المتحالفة معها.

لكن الأهداف الروسية لم تكن محصورة في إنقاذ الأسد، إذ سعى الكرملين من وراء التدخل إلى إعادة موسكو إلى الشرق الأوسط لاعبًا لا غنى عنه. وقد منحها وجود القاعدتين العسكريتين في طرطوس وحميميم موطئ قدم ثابت على البحر المتوسط.

عندما قرّرت روسيا التدخل عسكريًا في سوريا، كان نظام الأسد على شفا الانهيار. فصائل المعارضة كانت تقترب من  أبواب دمشق

كرونولوجيا عشر سنوات من الحرب والتدخل

منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد نظام بشار الأسد عام 2011، دخلت سوريا في واحدة من أكثر النزاعات تعقيدًا في المنطقة، إذ تحولت الهتافات المطالبة بالإصلاح والحرية إلى نزاع مسلح دموي سرعان ما استدعى تدخل قوى إقليمية ودولية. وفي نهاية أيلول/سبتمبر 2015، دشّنت موسكو تدخلها العسكري المباشر عبر ضربات جوية مكثفة، قلبت الموازين على الأرض لصالح نظام الأسد، وأعادت روسيا إلى قلب المشهد الشرق أوسطي باعتبارها لاعبًا رئيسيًا يفرض معادلات القوة على الأرض.

بين عامي 2016 و2019، وسّعت موسكو حضورها من خلال إطلاق مساري أستانا وسوتشي بالشراكة مع تركيا وإيران، وهو ما منحها موقعًا تفاوضيًا مميزًا لتنظيم مناطق النفوذ وتحديد خطوط التماس. وبذلك، لم تقتصر مكاسب الكرملين على إنقاذ النظام الأسد، بل شملت أيضًا تثبيت دور روسيا كضامن إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية. ومكّن نظام الأسد من استعادة السيطرة على معظم المدن الكبرى بدعم روسي وإيراني،

في الفترة ما بين 2020 و2023، ظل المشهد السوري هشًّا على الرغم من تراجع حدة المعارك، إذ لم تتغير جبهات القتال فعليًا. فما زادت الغارات الإسرائيلية التي استهدفت بانتظام مواقع مرتبطة بالوجود الإيراني، فيما واصلت موسكو انتهاج سياسة التوازن الحذر بين شريكيها المتناقضين: إيران التي مثّلت عمقًا بريًا لدعم الأسد، وإسرائيل التي سعت لتقييد هذا النفوذ دون الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا.

إلا أنّ عام 2024 شكّل بداية مرحلة جديدة، مع بروز مؤشرات تململ داخلي في دمشق، عكست ضيقًا متزايدًا داخل البنية الحاكمة. هذه التصدعات مهدت الطريق لانهيار النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وصعود سلطة جديدة فرضت على روسيا إعادة ترتيب أوراقها والتفاوض مع قيادة مختلفة. ورغم هذا التحول الكبير، لا تزال موسكو تسعى لتثبيت نفوذها في سوريا باعتبارها ورقة استراتيجية في صراعها الأوسع مع الغرب، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا، إذ تحولت الساحة السورية إلى جزء من اختبار النفوذ العالمي بين موسكو وخصومها.

ثمن إنساني باهظ للسوريين

لم يقتصر ثمن التدخل الروسي في سوريا على خرائط السيطرة وتوازنات النفوذ العسكري، بل ارتبط بما يمكن وصفه بفاتورة إنسانية مدمّرة دفع السوريون أثمانها الباهظة. فوفق توثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أسفرت السنوات التسع من التدخل الروسي، الممتدة حتى نهاية عام 2024، عن مقتل عشرات آلاف المدنيين، بينهم نسب مرتفعة من الأطفال والنساء، إلى جانب ارتكاب مئات المجازر، واستهداف أكثر من ألف منشأة مدنية حيوية، شملت مدارس ومستشفيات وأسواقًا شعبية ومرافق خدمية.

غير أنّ الكلفة لم تتوقف عند حدود الأرواح المسلوبة، إذ طالت البنية التحتية والبيئة الاجتماعية؛ فقد جرى تدمير أحياء كاملة وتهجير ملايين المدنيين قسرًا، بينما تلاشت فرص العودة الآمنة في ظل غياب أي ضمانات جدّية للمحاسبة والعدالة الانتقالية. ومع انسداد أفق الحل السياسي، ترسّخت سوريا كساحة مفتوحة لتجارب السلاح، حيث جرى استخدام أكثر من 320 نوعًا من الأسلحة الروسية لاختبار فعاليتها، ما حوّل البلاد إلى مختبر ميداني ضخم، واكتسب عشرات آلاف الجنود والضباط الروس خبرات قتالية مباشرة على حساب الدم السوري.

بهذا المعنى، فإن ما اعتُبر في موسكو "نصرًا استراتيجيًا" لم يكن بالنسبة للسوريين سوى تعميق لمعاناتهم رسّخت واقعًا مأساويًا، ما تزال تداعياته تتجاوز حاضر سوريا لتمتد إلى مستقبل أجيالها.

موسكو بعد سقوط الأسد: خسارة رمزية ومحاولة احتواء

خسارة موسكو لحليفها بشار الأسد مثّلت ضربة سياسية ومعنوية، لكنّها لم تتحوّل إلى انسحاب كامل. الكرملين تحرّك بسرعة للاتصال بالسلطة الجديدة، في محاولة لضمان استمرار وجوده العسكري.

تتبدى معضلة موسكو في كونها استثمرت موارد ضخمة خلال عقد كامل لدعم نظام سقط في النهاية. ومع ذلك، فإن موسكو لا ترى مصلحتها في مغادرة سوريا. بل هي تسعى للحفاظ على القواعد العسكرية، وتحويل العلاقة إلى صيغة أقل كلفة وأوسع فائدة: شراكة اقتصادية وأمنية أكثر منها تحالف سياسي مطلق.

قواعد طرطوس وحميميم: ورقة تفاوض لا يمكن التفريط بها

منذ 2015، شكّلت قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية العمود الفقري للحضور العسكري الروسي في سوريا. الأولى منحت موسكو السيطرة على الأجواء وإدارة عملياتها الجوية، فيما أمنت الثانية موطئ قدم استراتيجيًا على المتوسط. بعد سقوط الأسد، تصرّ موسكو على أنّ بقاء القاعدتين خط أحمر لا يمكن التراجع عنه، حتى لو اضطرت لتقليص حجم قواتها أو تعديل آليات التعاون العسكري مع السلطة الجديدة. المفاوضات الجارية تتمحور حول طبيعة الوجود العسكري الروسي، ومدى اندماجه في منظومة الأمن السورية المقبلة.

أسئلة قانونية واقتصادية معلّقة

بعيدًا عن القواعد، تواجه روسيا ملفًا أكثر حساسية: شرعية العقود التي أُبرمت في عهد الأسد، خاصة في مجالات الطاقة واستثمار المطارات والمشاريع السيادية. الحكومة الجديدة في دمشق تلوّح بإعادة النظر في هذه الاتفاقيات بوصفها وُقعت في ظرف فاقد للشرعية الشعبية، وهو ما يثير قلقًا عميقًا في موسكو. حتى إذا احتفظت روسيا ببعض امتيازاتها، فإن قدرتها الاقتصادية على الانخراط في مشاريع الإعمار تبقى محدودة بفعل العقوبات الدولية والحرب في أوكرانيا. كما أنّ أي مساهمة روسية ستظل مرهونة باشتراطات غربية ودولية تربط التمويل بانتقال سياسي جاد وضمان العدالة للضحايا. بذلك، ينحصر الدور الروسي في شراكات رمزية أكثر منه في استثمارات استراتيجية واسعة.

في النهاية، أي دور روسي في سوريا ما بعد الأسد سيظل مشروطًا باعترافها بالانتهاكات السابقة، والمشاركة الجادة في إعادة الإعمار، والانخراط في دعم مسار سياسي حقيقي 

من وصاية عسكرية إلى دور رمزي مشروط

لم تعد روسيا في سوريا اليوم اللاعب المهيمن الذي يفرض إيقاعه كما في السنوات الماضية، بل تحوّلت إلى طرف يحاول تثبيت ما تبقى من نفوذه في مشهد إقليمي وسياسي متغيّر. فالتواصل القائم بين موسكو والسلطة الجديدة في دمشق، عبر الزيارات المتبادلة والتصريحات الرسمية، يعكس انتقال العلاقة من منطق الوصاية إلى منطق المصالح المتبادلة، في إطار سعي الكرملن للتكيّف مع واقع مختلف عمّا راهن عليه طوال عقد من الزمن.

تبدو أوراق موسكو محدودة للغاية. فالشركات الروسية لا تملك المقومات التنافسية التي تسمح لها بقيادة مشاريع إعادة الإعمار أو الدخول في استثمارات كبرى. يقتصر حضورها حتى الآن على توريد الطاقة والحبوب وبعض أشكال التعاون الفني، في مقابل تشبث روسيا باحتفاظها بقواعدها العسكرية ونفوذها الأمني في الساحل السوري، باعتبارها أهم مكسب استراتيجي خرجت به من الحرب.

كما تراهن موسكو على شبكة علاقاتها مع أنقرة وتل أبيب وعدد من العواصم العربية، محاولة أن تطرح نفسها كوسيط ظرفي عند الحاجة أكثر من كونها قوة وصاية كما في الماضي. غير أنّ انشغالها بالحرب في أوكرانيا، والعقوبات الغربية الثقيلة، وضيق مواردها المالية، يجعل الدور الروسي في سوريا أكثر تواضعًا وضعفًا.

وفي المحصلة، فإن أي حضور روسي في سوريا ما بعد الأسد سيبقى مرهونًا بمدى استعداد موسكو للاعتراف بمسؤوليتها عن الانتهاكات السابقة، والانخراط الجدي في إعادة الإعمار، ودعم مسار سياسي حقيقي يفتح الباب أمام بناء دولة أكثر عدلًا وكرامة. من دون ذلك، لن يتجاوز دورها حدود التأثير الهامشي في رسم مستقبل بلد أنهكته الحرب وتبحث مجتمعاته عن أفق جديد.

كلمات مفتاحية
الجيش السوري في دير الزور

تمديد وقف إطلاق النار.. اختبار جديد للتهدئة بين دمشق و"قسد"

تمديد مهلة وقف إطلاق النار مع "قسد" لمدة 15 يومًا

مينيابوليس

مينيابوليس تشهد أخطر تصعيد فدرالي منذ سنوات بعد مقتل مواطن أميركي

أطلق عناصر فيدراليون تابعون لوكالة الهجرة الأميركية النار على مواطن أميركي، ما أدى لمقتله على الفور

الدكتور عزمي بشارة

المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي والعربي الراهن

قدّم المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة محاضرة ضمن فعاليات اليوم الأول للمنتدى السنوي لفلسطين 2026، تحت عنوان "المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/ العربي الراهن"

دافوس
أعمال

بين التفاؤل والتحذير.. ما هو مستقبل سوق العمل تحت سيطرة الذكاء الاصطناعي؟

طغى التفاؤل على أجواء المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام، حيث رفع قادة الأعمال شعارًا واحدًا: "الوظائف"

الجيش السوري في دير الزور
سياق متصل

تمديد وقف إطلاق النار.. اختبار جديد للتهدئة بين دمشق و"قسد"

تمديد مهلة وقف إطلاق النار مع "قسد" لمدة 15 يومًا

كأس العالم 2026
رياضة

مسؤول ألماني بارز يدعو لمناقشة مقاطعة كأس العالم بسبب سياسات ترامب

دعا مسؤول في الاتحاد الألماني لكرة القدم إلى فتح نقاش جدي حول مقاطعة كأس العالم المقبلة، على خلفية سياسات دونالد ترامب وتداعياتها السياسية والإنسانية

صورة تعبيرية
علوم

هل تفوز الصين في سباق الذكاء الاصطناعي؟

بينما تنشغل الشركات الأميركية بحلم "الذكاء الفائق"، تبدو الصين، بهدوء، وكأنها تعيد رسم قواعد اللعبة عبر المصدر المفتوح