عطل في خدمات "كلاودفلير" يتسبب بشلل رقمي واسع حول العالم
18 نوفمبر 2025
شهدت شبكة الإنترنت، اليوم الثلاثاء، واحدًا من أكبر الانقطاعات الرقمية في الأشهر الأخيرة، بعد تعرض شركة "كلاود فلير" (Cloudflare)، إحدى أهم الشركات المشغّلة للبنية التحتية للإنترنت عالميًا، لخلل تقني أدى إلى تعطّل واسع في الخدمات الرقمية. وقد طالت الأزمة منصات استخدام واسعة مثل "شات جي بي تي" (ChatGPT) ولعبة (League of Legends)، إضافة إلى أنظمة نقل حيوية مثل " نيو جيرسي ترانزيت " (New Jersey Transit).
وبحسب بيان الشركة عند الساعة 10:40 صباحًا بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، فإن مهندسيها تمكنوا من "حل الجزء الأكبر من المشكلة"، لكنها حذرت من أن العملاء سيستمرون في مواجهة "معدلات أخطاء أعلى من المعتاد بينما نواصل جهود الإصلاح".
تأثيرات طالت منصات كبرى وخدمات حكومية
لم يقتصر الانقطاع على الخدمات التقنية، بل شمل منصات رقمية بارزة مثل منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، ومنصة خدمة بث الموسيقى والبودكاست "سبوتيفاي" (Shopify)، وخدمة التخزين السحابي (Dropbox)، ومحفظة العملات الرقمية(Coinbase Wallet)، إضافة إلى موقع وكالة التصنيف الائتماني "موديز" (Moody's)، الذي ظهر عليه رمز الخطأ (500).
وأعلنت هيئة النقل في نيوجيرسي أن جزءًا من خدماتها الإلكترونية، بما فيها الموقع الرسمي، أصبح "بطيئًا أو غير متاح مؤقتًا". كما أفادت إدارة الطوارئ في مدينة نيويورك عن تأثر بعض الخدمات البلدية بالخلل، مؤكدة أنها تتابع الأمر عن كثب.
أعلنت شركة "كلاود فلير" أنها نشرت إصلاحًا أوليًا للتعامل مع الخلل الذي تسبب في انقطاع واسع للإنترنت، إلا أن مهندسيها ما زالوا يعملون على تخفيف ما وصفوه بـ "المشكلات المتبقية" المرتبطة بالخلل الأصلي
ما الذي حدث؟ وكيف يمكن لشركة واحدة أن تُربك خدمة الإنترنت؟
تعمل "كلاود فلير"، ومقرها سان فرانسيسكو، كطبقة عازلة بين المستخدمين والمواقع الإلكترونية، بهدف تسريع وصول البيانات وحماية المواقع من الهجمات التي قد تُغرقها بنشاط زائد بالزيارات. ويصف خبراء الأمن السيبراني دور الشركة بأنه "العمود الفقري الخفي للإنترنت",
يقول خبير الأمن السيبراني مايك تشابل لوكالة "أسوشيتد برس" إن معظم المستخدمين يعتقدون أنّ اتصالهم بالمواقع يتم بشكل مباشر، لكن الواقع أن شركات مثل كلاود فلير تُدير هذه الاتصالات من خلف الكواليس".
تعمل الشركة كشبكة لتوصيل المحتوى (CDN)، حيث تعيد نسخ محتوى نحو 20% من مواقع الإنترنت العالمية على آلاف الخوادم المنتشرة حول العالم، ما يجعل أي خلل فيها قادرًا على شل جزء كبير من الإنترنت وإحداث "ازدحام رقمي هائل".
كيف تتعامل "كلاود فلير" مع الانقطاعات؟
أعلنت شركة "كلاود فلير" أنها نشرت إصلاحًا أوليًا للتعامل مع الخلل الذي تسبب في انقطاع واسع للإنترنت، إلا أن مهندسيها ما زالوا يعملون على تخفيف ما وصفوه بـ "المشكلات المتبقية" المرتبطة بالخلل الأصلي. وحتى الآن، لم تكشف الشركة عن السبب التقني الرئيسي وراء الانقطاع، لكن الخبراء يشيرون إلى أن الأعطال المشابهة في السنوات الماضية غالبًا ما ارتبطت بأخطاء في إعدادات الشبكة، أو خلل في نظام التوجيه المعروف باسم (BGP)، أو تغييرات داخلية في البنية التحتية. وتشير بعض التقارير التقنية إلى أن الانقطاع الحالي قد يكون ناجمًا عن تحديث أو تعديل في إعدادات الشبكة، لكن الشركة لم تصدر بعد بيانًا نهائيًا يوضح السبب بشكل رسمي.
ولا تعد هذه الحادثة الأولى من نوعها. ففي الشهر الماضي، اضطرت شركة "مايكروسوفت" إلى إصلاح خلل في بوابة (Azure) السحابية أدى إلى توقف خدمات مثل "Office 365" و"Minecraft " لساعات، نتيجة تغيير خاطئ في إعدادات البنية السحابية. كما شهدت شركة "أمازون" انقطاعًا واسعًا في خدمات (AWS)، ما تسبب في تعطّل عدد كبير من التطبيقات والمنصات المرتبطة بالتواصل الاجتماعي، والألعاب، والبث المباشر، وخدمات توصيل الطعام. وتوضح هذه الحوادث مجتمعة هشاشة البنية الرقمية العالمية، حيث يمكن لأي خلل بسيط في إعدادات شركة واحدة أن يؤدي إلى تعطّل ملايين المستخدمين حول العالم، مما يسلط الضوء على الاعتماد الكبير على عدد محدود من مزوّدي الخدمات الرقمية الأساسية.
انعكاسات أوسع على الأمن الرقمي العالمي
تشير هذه الحوادث المتكررة إلى قضية أعمق تتعلق بتركيز البنية التحتية للإنترنت العالمي في أيدي عدد محدود من الشركات، بحيث يؤدي أي عطل في شركة واحدة، مثل "كلاود فلير"، إلى تعطّل جزء كبير من الإنترنت حول العالم. ويشير محللون إلى أن هذا الوضع يطرح تحديات كبيرة، منها هشاشة النظام الرقمي العالمي، والاعتماد المفرط على عدد قليل من مزوّدي الخدمات، إضافة إلى احتمال تأثير الأعطال على قطاعات حيوية مثل النقل والطوارئ والخدمات الأساسية. كما قد يزيد هذا الواقع من الضغط على الحكومات والشركات لتطوير شبكات بديلة أو بنى احتياطية تقلل من احتمالية توقف الإنترنت على نطاق واسع، بما يحمي المستخدمين والخدمات الرقمية من انقطاعات مستقبلية.
عطلٌ كشف حجم اعتماد العالم على بنية غير مرئية
يُظهر هذا الانقطاع أن العالم الرقمي، رغم قوته الظاهرية، ما يزال هشًا أمام مشاكل تقنية قد تنشأ من تغيير بسيط في إعدادات شركة واحدة. وبينما تعمل "كلاود فلير" على معالجة الأزمة، يبقى السؤال الكبير مطروحًا: كيف يمكن حماية خدمة الإنترنت العالمي من الأعطال التي قد تشلّ جزءًا كبيرًا من حياتنا اليومية في دقائق؟







