عصر المخدرات الذهبي في مصر.. طرائف من بدايات القرن الماضي

عصر المخدرات الذهبي في مصر.. طرائف من بدايات القرن الماضي

تحدثت بعض المصادر عن الحشيش في مصر باعتباره نبتة المزاج الشعبية (cairoscene)

لا يتخلى المصريون أبدًا عن روح الدعابة حتى وهم يمارسون جرائمهم، أو على الأصح، لأنهم يمارسون الجرائم -أحيانًا- بغرض الحصول على وجبة شهية من المتعة والتخفف من ضغط الحياة اليومية. هذا ما سنطلع عليه خلال المقال الغريب الذي نشره الكاتب رافائيل كورماك على مدونة"onpaper" متحدثًا عن "تجارة المزاج" في ثلاثينات القرن الماضي.

نجيب الريحاني وبديعة مصابني تعاطيا المخدرات وغيرهم كثير من الفنانين والمثقفين المصريين في حقبة الثلاثينيات

حيث يعرب قائلًا: "قبل بضع سنوات، أتذكر أنني قد طالعت الملفات المصرية بخصوص تهريب المخدرات -والموجودة في المحفوظات الوطنية البريطانية- كانت تلك الملفات مليئة بالمخطوطات المضحكة التي توضح طريقة الحصول على المخدرات عبر الحدود والأماكن المشكوك فيها.

وكان من بين أكثر الخطط تميزًا، محاولة التهريب التي تمت عن طريق حشو ثمار جوز الهند بالحشيش وكانت تلك الشحنة القادمة من اسطنبول. بدت هذه المحاولة كطريقة معقدة جدًا للحصول باستماتة على الحشيش.

يكمل رفائيل حديثه قائلًا: "إنني أتذكر أن هذه الملفات كانت تضم -تقريبًا- قضايا تهريب الحشيش فقط بغض النظر عن أي نوع آخر من أنواع المخدرات.

الكوكايين يتربع على عرش السلطنة
أفردت بعض المصادر حديثها عن الحشيش باعتباره نبتة المزاج الشعبية، لكن مصادر أخرى لنفس الفترة الزمنية في مصر تجد أن "الكوكايين" هو النوع الذي أصبح أكثر شيوعًا من الأنواع المختلفة للمخدرات.

فقد ذاع صيته في تلك الفترة حتى أصبح الكوكايين وباء مصر في ثلاثينيات القرن الماضي كما يصرح الكاتب. ويبدو أن لنجوم مصر-وقتها- الحظ الأوفر من تعاطيه، فقد ذاع صيته وانتشر بين المطربين الشعبيين لسكان الأحياء الفقيرة حتى وصل إلى كل يد، حتى أنه ليبدو لنا أن الجميع قد قام بالفعل بتعاطي ذلك المخدر.

اقرأ/ي أيضًا: سوق الجمعة في مصر.. "ياما في الجراب يا حاوي"

ويقال أن "نجيب الريحاني وبديعة مصابني قد تعاطيا المخدرات كما فعل الكثيرون". وأيضًا المغني الكبير سيد درويش نفسه قد غنى أغنية خاصة عن المخدرات؛ الأغنية التي قامت "منيرة المهدية" (أشهر الفنانات في تلك الفترة) بغنائها من جديد باعتبارها واحدة من أكبر النجوم في ذلك الوقت.

المخدرات يعشقها المطربون ويكرهها المتدينون
ومن المؤكد أن تعاطي المخدرات لم يكن موضع ترحيب من قبل المجتمع في مصر، وكان تعاطي الكوكايين في فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي مقرونًا بفساد وتدني أخلاقي كبير. وهذا يتضح من تصريح جمعية بعثة الكنيسة التي قالت إن حي بولاق كان يُشار إليه باسم "مصنع الكوكايين".

 

ولهذا السبب يعتقد رفائيل أنه تم طباعة كتيب في عام 1930 فيقول: "هذه هي الطبعة الثانية، لا أعرف المزيد من التفاصيل عن الطبعة الأولى، لكنني أفترض أنها كانت قريبة جدًا"، ويسمى هذا الكتيب "الحرب العامة على المخدرات السامة".

جاء هذا الكتيب منشورًا من قبل "جمعية النساء القبطيات لحظر المواد السامة". ويعرب الكاتب مفصلًا: "إذا نظرتم إلى بعض التفاصيل الأخرى في الكتيب، يمكننا أن نرى أن الجمعية كانت ترأسها السيدة عازر جبران في أسيوط وأنهم طبعوا قرابة 20 ألف نسخة من هذا الكتاب الصغير، الذي كان عبارة عن نص خطابي قد ألقي على مجموعة من الشباب المسيحي في (مدينة طهطا بمحافظة سوهاج بمصر)"، ما يعني رفضًا مجتمعيًا أصيلًا لتعاطي المخدرات في مصر ومدى خطرها على الشباب.

إن مشكلة المخدرات التي واجهها العالم في مطلع القرن العشرين، تُعد أسوأ وأكثر خطرًا من الحرب العالمية الأولى

المخدرات مواقف وطرائف
وبدأ الخطاب بالقول: "إن مشكلة المخدرات التي يواجهها العالم في ذلك الوقت، تُعد أسوأ وأكثر خطرًا من الحرب العالمية الأولى". وأردف قائلًا إن "الكوكايين قد انتشر في كل مكان في هذا البلد. من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، وفي الأسواق وفي المحلات التجارية وفي الأزقة والمنازل".

كما قصّ -ذلك الخطاب - قصصًا كثيرة من بينها، قصة رجل سرق أبواب المقابر لبيعها كي يحصل على الأموال اللازمة لشراء المخدرات، وعن تلك المرأة التي باعت ملابسها، والرجل الذي تبادل مع آخر ما يملك من الدجاج والدقيق للحصول على الكوكايين.

اقرأ/ي أيضًا: كهف آل حاتم.. العالم السفلي لأمناء الشرطة في مصر

والرجل الذي قام بعرض ابنته لممارسة البغاء كي يتمكن من الحصول على المال الذي يحتاج لشراء المخدرات. ويسرد الخطاب قصة عجيبة، وهي قصة ضبط بعض المخدرات في "المنيا" في عام 1927، حيث انتقل الضابط إلى مكان وقوع الحادثة، ولمّا علمت المرأة التي تعيش هناك بذلك، قامت بتناول كل الكوكايين الذي كان لديها. وبعد ذلك بوقت قصير جدًا تُوفيت المرأة، إذ تم اكتشاف أنها كانت حاملًا في الشهر الثامن! ثم أنهى المتحدث القصة بهذه القصيدة من الشعر:

كم عدد ضحايا الكوكايين والحشيش
رغم تفتيش أتاه الباشجاويش
تركوا الأيتام في بؤس تعيش
فاتعظ بما رأيت من خبل

وبالنظر إلى خطاب الواعظ يتضح لنا، أن قضية تفشي المخدرات كانت قضية قومية، يعضد هذه الفكرة الاستشهاد بكلمات "رُسّيل باشا" (وهو رئيس الشرطة في القاهرة في ذلك الوقت) ذاكرًا أن مصر أكبر دولة مدمنة للمخدرات في العالم -ما يُعد مصدر عار كبير أمام المجتمع الدولي- فضلًا عن كونه استنزافًا لحيوية وطاقة الأمة.

تفشي المخدرات بمصر بداية القرن العشرين كان قضية قومية، فيؤكد رسيل باشا، رئيس الشرطة وقتها أن مصر كانت أكبر دولة مدمنة للمخدرات

وإن كان هذا الكتاب غير موثق بالشكل اللازم، إلا أن ذلك لا ينفي معالجته لمشكلة اجتماعية معروفة وضحتها مصادر أخرى. وأخيرًا ضمّ ذلك الكتيب هذه الرسمة التوضيحية -كنموذج كرتوني- يوضح تأثر المخدرات عبر "الرجل الممسك بسيف يحاول ذبح الشباب المصري المتمثل في النعامة منحنية الرأس، المقيدة في الأرض والممثلة للملذات والشهوات في ذلك العالم".

 

هذا المقال مترجم عن الرابط التالي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"ثورة الحشيش" في مصر.. دعوات إلكترونية لتقنين تجارة الكيف

إنفوغراف: المخدرات في مصر.. أرقام مرعبة