عصام العامري في كتابه

عصام العامري في كتابه "المأزق العالمي للديمقراطية".. الشرعية التي تتآكل

كتاب المأزق العالمي للديمقراطية (ألترا صوت)

يستعرض الصحفي العراقي عصام العامري مشكلات الديمقراطية في هذا العالم المُعولم، في كتابه "المأزق العالمي للديمقراطية" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2016 )، ويقدم ملاحظات وبيانات يجدر التوقف عندها، بالإضافة إلى اطلاعه الواسع على العديد من الأدبيات النقدية لكبار منظري الديمقراطية. ينطلق الكتاب في النصف الأول منه من سؤال "هل تستحق محاولة تحقيق الديمقراطية كل هذه التضحيات؟" وهو ذات السؤال الذي طرحه غيورغ سورنسن في كتابه "الديمقراطية والتحول الديمقراطي".

في حلول عام 2014 أصبح 35% من سكان العالم يعيشون تحت أنظمة غير حرة حسب تقرير "بيت الحرية"

في النصف الثاني يحاول الكاتب الاقتراب من المنعطف الكبير الذي أصاب الديمقراطيات الراسخة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

عن المفهوم والتوسع الديمقراطي

ينقب الكاتب عن مفهوم الديمقراطية في إرث الفلاسفة والمفكرين الغربيين من روسو ومِل وفيليب غرين وديفيد هيلد وآلان تورين وروبرت دال، وليس انتهاء بكارل بوبر الذي يقول في محاضرة ألقاها عام 1987م: إن المبدأ الأخلاقي للديمقراطية هو "الشكل الذي يسمح بإقالة حكومة من دون إراقة الدماء"، ويقدم العامري مادة توصيفية مُطولة عن المنظمات ومراكز الأبحاث التي تعمل على قياس درجات الديمقراطية في العالم، بالإضافة إلى سرده عن المعايير المتبعة من قبل تلك المنظمات في عملية القياس كمنظمة "فريدوم هاوس" الشهيرة التي تتلقى دعمًا أمريكيًا، وعمل فيها سابقًا أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفرد صمويل هنتنغتون، مرورًا بوحدة "إيكونوميست إنتلجنس"، وبارومترات تُجري مسحًا دوريًا للأوضاع الديمقراطية.

اقرأ/ي أيضًا: "الجندي والدولة والثورات العربية": من النظرية إلى آلية الوقاية من الانقلاب

ينتقل العامري إلى ظاهرة توسع الديمقراطية في العالم، ففي حلول عام 2014 أصبح 35% من سكان العالم يعيشون تحت أنظمة غير حرة حسب تقرير "بيت الحرية"، ويعود هذا التوسع أو التنامي إلى جاذبية فكرة الديمقراطية التي لا يمكن رفضها وانتصارها على سواها من الأفكار المتعلقة بأنظمة الحكم، وإلى مشروعيتها كأفضل شكل من أشكال الحكم. أما الظروف المجتمعية لهذا التوسّع فهي انخفاض معدل الفقر وتحسين نوعية صحة الإنسان، إضافة إلى التعليم والإنترنت، التي تزيد من قدرات الأفراد في المجتمعات، وبالتالي يتعزز تمكّن الشعوب، فيجعلها أكثر قدرة على المطالبة بالحقوق المدنية والحريات وتقويم الحاكمين، ويزيد في أعداد المطالبين بالديمقراطية.

كما يعرج الكاتب على أدوار الجيوش في تعزيز العملية الديمقراطية فهي تساهم أيما مساهمة في إنشاء الديمقراطية أو حمايتها، لكنه لم يفلح في تحليل ظاهرة توقف الانقلابات العسكرية التي سادت العالم في القرن الماضي، وتحديدًا العالم العربي، فهو يرد أسباب التوقف إلى أمرين: الأول فكرة التداول السلمي للسلطة، وعدم قدرة بعض الأنظمة على التحايل بوسائل قانونية للتشبث بالحكم، خشية الضغط الداخلي والخارجي. الثاني ترتبط بفكرة حدوث تحول نوعي في تسليح الجيوش النظامية، ما جعل الجيوش تعمل بصورة أكثر احترافية.

الكاتب الصحفي بحديثه عن الضغط الداخلي والخارجي يتجاهل أن العسكر لا يحتاج إلى مسوغ  قانوني لانقلابه، ولا يعجز عن إعادة كتابة الدستور ذاته عندما تكون هناك حاجة لذلك، فضلًا عن الانتخابات الهزلية لإعطاء صورة مدنية للحكم، وهو ما شهده العالم في عشرات الدول، أما العامل الخارجي في رفض الانقلابات، فكذلك غاب عنه أنَّ أكثر الانقلابات العسكرية التي حصلت في العالم كانت بدعم دولي، وأن أغلب الأنظمة الدكتاتورية في العالم مدعومة دوليًا، وبالتحديد من بين 49 دولة مصنفة "كدول استبداد مطلق هناك 36 دولة تلقت دعمًا أمريكيًا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا".

العسكر لا يحتاج إلى مسوغ قانوني لانقلابه، ولا يعجز عن إعادة كتابة الدستور عندما تكون هناك حاجة لذلك

أما على صعيد عمل الجيش باحترافية أكثر، فالأمر يتحول في هذه الحالة من جيش يحكم في الواجهة إلى حاكمٍ في الظل، حيث يجبر المدني على طاعة القوات المسلحة بالابتزاز، فيحقق الجيش مصالحه دون قلق من القانون أو المجتمع ويضع المدني في رأس السلطة لتحمل أعباء الحكم، ويمكننا أن نجد في نظرية صمويل فاينر ما يؤكّد قولنا هذا، حيث يشير إلى أنَّ الجيش في كثير من الظروف يمكن أن يستبدل حكومة مدنية بأخرى، لتكون أكثر انسجامًا وتفهمًا لتطلعات الجيش، فضلًا عن قلب نظام الحكم المدني إلى عسكري عند تعطيل مصالحه أو في حالة الأزمات.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "فجر العرب".. الشباب هم أبطال الاحتجاج وعدم الاستقرار والإصلاح والثورة

موجات التحول الديمقراطي

يستعرض الكاتب موجات التحوّل استنادًا إلى صمويل هنتنغتون، حيث يعود تاريخ الموجة الأولى من التحول الديمقراطي إلى عام 1828، حين توسع حق الاقتراع في الولايات المتحدة، واستمرت حتى أوائل عشرينات القرن الماضي مع وصول موسوليني إلى السلطة في إيطاليا. وانطلقت الموجة الثانية مع انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ودامت حتى عام 1962، وطالت بعض بلدان أمريكا اللاتينية ومستعمرات بريطانيا السابقة في الأساس. أما الموجة الثالثة، فبدأت في أواسط السبعينيات وما زالت مستمرة (أي في وقت تأليف كتاب هنتنغتون عام 1991). ويتعرض العامري باقتضاب إلى تجارب بلدان التحول الديمقراطي في الموجة الثالثة من إسبانيا والأرجنتين والبرازيل ودول أوروبا الشرقية. ويأتي الكاتب على ذكر الربيع العربي سريعًا فيقول: "إن ميزة الربيع العربي هي المتغيرات التي أحدثها في عقول الناس لجهة أن التعايش مع الدكتاتوريات صار جزءًا من الماضي".

حال الديمقراطية اليوم

يرسم الكاتب العامري مشهدًا قاتمًا لحال الديمقراطية اليوم، فينقل عن جون آر برادلي أن "إخفاق" الربيع العربي وتبدد الأمل الديمقراطي فيه يعودان في جانب كبير منهما إلى أنه يجب أن تهب رياح التغيير الديمقراطي على الغرب نفسه قبل أن تنتقل إلى المناطق الأخرى، ومنها المنطقة العربية".

فقد بدأت فكرة الديمقراطية تتحول إلى مجرّد عملية انتخابية، مع تركيز الدول على هذا الجانب، وإهمالها الميزات الأساسية مثل تُفحص السياسة الاجتماعية بما يُمَكّن الدول من ضمان توزيع الموارد بشكل عادل. فقد أشار توماس بيكتي إلى نهاية الديمقراطية كنظام سياسي استنادًا إلى تصاعد ظاهرة "عدم المساواة" بمعدلات غير مسبوقة، حيث إن عُشر السكان الذين يمثّلون أصحاب رؤوس الأموال يحصلون على عوائد تفوق الأجور التي يحصل عليها العاملون بفئاتهم المختلفة. وترتب عن ذلك أن أصحاب رؤوس الأموال (بهذه الصورة) سيمتلكون الثروة والسلطة أيضًا، على أساس أن النظام الديمقراطي تحول إلى نظام "أوليغاركي"، أي إلى حكم القلة، فانتهى النظام الديمقراطي كنظام سياسي.

بالإضافة إلى أن الحكومات أضحت تظهر تدخلًا أكبر في آليات الاقتصاد وحرية الأسواق في كثير من الديمقراطيات الراسخة، فمثلًا عمليات تأميم جزء كبير من الصناعة المصرفية، كما في الولايات المتحدة وبريطانيا، أصبحت تثير مخاوف تجاوزها القطاع المصرفي باعتبار عدم وجود اشتراكية قطاع واحد، الأمر الذي يمنح الحكومات سلطات واسعة و"أنيابًا أطول".

في غَمرة هذا التحول الكبير، بدأت تتراجع نسب المشاركة السياسية من المجتمع في الديمقراطيات العتيدة، ويتم التضيق على الحريات المدنية بحجة مكافحة الإرهاب كما في الولايات المتحدة. ويطرح المؤلف فكرة تحول الدول الديمقراطية إلى قيصريات، وبدأ التحول المتسارع إلى القيصرية في وقت مبكر من القرن الحادي والعشرين؛ إذ جاءت أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 على طبقٍ من ذهب لتتيح لمؤسسة الرئاسة الأمريكية أن تقفز بيسر قفزات واسعة في مسيرة الاتجاه نحو القيصرية، بعد أن كانت تلك المسيرة بطيئة، ومتعثرة أحيانًا. فبذريعة مسؤوليات الرئيس المتعلقة بالدفاع عن الولايات المتحدة ضد هجوم أجنبي، اتخذت إدارة الرئيس بوش الابن عددًا كبيرًا من القرارات الاستثنائية التي يُتوقع مع التراكم الزمني، أن تتحول إلى قرارات "معمّرة" أقل ما يمكن أن توصف به هو أنها تعبر عن معتقدات الرئاسة وإيمانها بالقيصرية.

وفي الفصل الخامس والأخير، يدرس الكاتب بعناية شديدة التحول في جمهورية التشيك والأوروغواي والاختلاف بين الديمقراطية الاسكندنافية والديمقراطية الأمريكية.

يختتم المؤلف كتابه بناءً على ما ذكرناه سابقًا، أن الديمقراطية بلغت نقطة التحول فإما أن تنحدر أكثر وتخسر ميزة التفضيل التي تتمتع بها على باقي أشكال الحكم الأخرى، وإما أن يجري تطويرها وتجديدها؛ إذ من غير المعقول -بحسب الكاتب- أن نبقى مستعينين بالبنى والمؤسسات الأساسية للديمقراطية التي اُقرت في القرن الثامن عشر، في الوقت الذي عصفت فيه متغيرات عصر ما بعد الصناعة بمفاصل الحياة الإنسانية وأبعادها كلها. ويرى العامري أن شرعية الديمقراطية تتآكل على نحو متواصل بسبب عدم قدرة الديمقراطيات على توفير حياة اقتصادية جيدة، فمن المفترض أن تحقق الديمقراطية كرامة الإنسان وسعادته.

من بين 49 دولة مصنفة "كدول استبداد مطلق هناك 36 دولة تلقت دعمًا أمريكيًا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا

على الرغم من وجاهة هذا الطرح في الوهلة الأولى، فإن الدراسات المعمقة في معنى الديمقراطية وحقيقتها، بعيدًا عن "الهالة الإعلامية" التي قدمتها الدول الغربية والتيارات المعارضة في العالم الثالث للديمقراطية بوصفها "الحل الأكمل" لكل مشاكل العالم، فإنَّ الديمقراطية أداة لإدارة العملية السياسية ولها شروط نجاح معقّدة حتى ضمن هذا الإطار وحده، أمّا تقديم الحلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية فهذا يتبع للسياسات والبرامج التي يفترض أن تقدمها الأحزاب المختلفة لتطوير بلدانها.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "الديمقراطية والتحول الديمقراطي".. هل تستحق الديمقراطية كل هذا العناء؟

لا شك أنَّ هناك مشاكل ترتبط بمدى قدرة الأحزاب ذات الرؤى الفعّالة اقتصاديًا على الوصول إلى الناخبين والوصول إلى تشكيل الحكومات في ظل سطوة الإعلام المعولم والحملات الانتخابية مرتفعة التكاليف، وهذه هي الزوايا التي تمثل "مأزق الديمقراطية الحقيقي" وحلولها أبسط من حل مشكلة التنمية العالمية بكثير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في نقد الديمقراطية

الجيش.. من السياسة إلى الثكنة