عشق الشرق الشرير.. أو الغرب المغرم بالإسلام السلبي

عشق الشرق الشرير.. أو الغرب المغرم بالإسلام السلبي

جياكومو كارديلي/ إيطاليا

هل أفتى ابن تيميةَ مسيحيٌّ كاثوليكيّ بتكفير العرب والمسلمين قبل ألف عام فانتهى أمرهم وترسخت صورة سلبية عنهم لا يمكن تغييرها؟

تحرص كل رؤى الغرب المتعددة شكلًا على النظر إلى الإسلام بمضمون واحد، على أنه جوهر شرير ولا يمكن التعايش معه كما هو، بل لا بد من تغييره أو مواجهته بالعنف، يظهر ذلك جليًا منذ حركة الاستشراق الأولى، وصولًا إلى وسائل الإعلام التي هي المربي الحقيقي لأجيال وأجيال من شعوب أوروبا.

تحرص كل رؤى الغرب المتعددة شكلًا على النظر إلى الإسلام بمضمون واحد، على أنه جوهر شرير ولا يمكن التعايش معه

تنطلق رؤية الإسلام الشرير أو الشرق القاصر غير المتمدن من الكتاب المقدس نفسه. لا يتحدث الكتاب المقدس بالطبع عن المسلمين الجيدين أو الأشرار، فحين كتب هذا الكتاب لم يكن هناك إسلام ولا مسلمون. لكن المرجعية الأساسية لمستشرقي القرن الثامن عشر والمكون الأساس لثقافتهم وأفكارهم هو الكتاب المقدس. أجيال متكاثرة من مفسري الكتاب المقدس والوعاظ خلقوا تراثًا ضخمًا من التأويلات السلبية عن الشرق، حتى صار الشرق ومن ثم الإسلام المصدر الأول للشر. لقد تجوهر الشرق على شكل مغارة الشيطان ولاحقًا تجوهر الإسلام بنفس الطريقة.

اقرأ/ي أيضًا: الاستشراق المعكوس

القول بأن القصور يكمن في النظرة الجوهرانية للعالم وقضاياه بحيث تحولت هذه النظرة إلى مصدر الخطر الأكبر على التعايش العالمي، بل خطر على وجود البشرية نفسها أمر لا يعدو الحقيقة، لكن الأكثر دقة هو أن الجوهرانية هي الشر نفسه، أو مولدة الشر في العالم، فالجوهرانية هي السبب الأساسي في الحروب ومعظم المشاكل، من أبسطها إلى أعقدها. وللأسف فان أقدم مصدر معروف للجوهرانية هو فيلسوف يوناني شهير يعرفه البشر جميعًا، إنه أرسطو.

هذا الفيلسوف الذي تنظر اليه بعص الطوائف الشرقية كنبيّ هو معلم الغرب لألف عام على الأقل، وقد ألقى بثقله على الفلسفة والتفكير في كل الثقافات المتوسطية، لاسيما على الاسلام الوسيط، وكذلك بالطبع على المسيحية. أرسطو مخترع الجوهرانية يقول إن الشيء إما أن يكون أسود أو أبيض. الشخص إما أن يكون سيئًا او يكون جيدًا. حسنًا وماذا في الأمر، أين الخطأ في اعتبار شخص جيد شخصًا غير سيئ والعكس؟ 

إن الأمر يبدو منطقيًا. لكنه للأسف يبدو منطقيًا وفقًا للقالب الذي وضعه أرسطو لعقولنا منذ ألفين وخمسمئة عام. إنه قالب مجرد فوقي أو قالب نظري أعمى. ففي الواقع لا يوجد شيء أسود أو أبيض، إلا اللون الأسود أو اللون الأبيض، كل الأشياء لها درجات متفاوتة مختلطة ممتزجة. يوجد الرمادي أيضًا كما توجد ألوان أخرى عديدة.

في عالم النفس، أو عالم الإنسان لا يوجد إنسان شرير مئة بالمئة، وإنسان خيّر مئة بالمئة، إنه أمر غير واقعي بالطبع فكل إنسان تختلط فيه نوازع الشر والخير، فحين تغلب نوازع الشر على شخص ما نقول عنه شرير، لكن هذا لا يعني أن تنعدم في هذا الشخص نوازع الخير والأمر عينه يقال بالنسبة للشخص الخير.

كيف نتبين الجوهرانية في هذا الشرح المقتضب لفكرة أرسطو الأساسية؟ 

تتضح جوهرانية الموضوع في اعتبار أن النوازع الشريرة الغالبة تعطي صورة وشكلًا نهائيًا للشخص، بحيث يصبح شخصًا شريرًا وفقط، لا يمكن أن يفعل الخير إطلاقًا، بل تنعدم أي إمكانية لهذا الأمر.

هكذا يصبح جوهر هذا الشخص الشر، فلا يمكن للجوهراني أن ينظر إليه إلا على أنه شرير، بل إنه الشر، ولو فعل عملًا حسنًا أو خيرًا لكذب العقل الجوهراني الامر ولقال وهل يأتي من فلان عمل صالح؟ 

هذه الجوهرانية الأقرب إلى الطفولية، انتقلت الى مجالات الثقافة والحياة في الغرب والشرق ووصلت إلى الأديان يهودية مسيحية كاثوليكية وإسلام وحكمتها حتى هذه اللحظة فيما يبدو. فصارت كل منها تنظر الى المختلف سواء كان خارجها أو داخلها على أنه شرير، والشر هنا صار له معنى مطلق طالما هو متجوهر على الشر أو أن الشر عنده أمر جوهري.

من الغريب أن هناك محاولة دائمة لتصعيب فهم الشرق والإسلام. سنتلمس ذلك في الأبحاث والكتب الصادرة في الغرب في هذا المجال. كأنما هناك لذة في تصعيب أو تعقيد موضوع البحث الأثير في كليات وجامعات ومراكز أبحاث، فالعقل الحديث الغربي الذي هو حيوية وتشابكات وامتدادات كثيرة معقدة، تخضع لمؤسسات ومصالح لا تستطيع أن تستوعب بساطة الإسلام كمنتج ثقافي شرقي عند لحظة الخروج من البداوة إلى الحضارة، وتبحث دائمًا عما هو إشكالي داخل هذه البيئة فتنبش في صراعات وانشقاقات وطوائف محاولة ليس نسبها إلى حيوية الإسلام، ولكن تخرجها من الإسلام بحيث يبقى في نظر الغرب الحديث هو الإسلام السني، وإلى درجة أقل الإسلام الشيعي.

هكذا ترخي المؤسسة والحداثة المعقدة المحكومة من روحية الأتمتة ثقلها على موضوع دراستها وبحثها لتحول كل بسيط الى معقد وكل واضح إلى غامض وكل سهل إلى شائك.

لماذا التصعيب أو التعقيد؟ 

بالطبع إن الجواب هو من أجل مزيد من الأبحاث وجذب مزيد من الباحثين المتخصصين، ومزيد من تضخيم مجال البحث وخلق فروع جديدة، وبالتالي ربما مزيد من المال والضجة الإعلامية.

استمرت الصورة الشريرة التي يرويها العقل الغربي عن العربي والمسلم لأنها صورة أبعد من أن تكون حصيلة أو نتيجة بحث علمي، بل هي تصور ديني

هذه الأبحاث تؤدي بالتالي ليس إلى مزيد من فهم الموضوع كما هو متوقع، لكن إجمالًا إلى مزيد من الأفكار المعقدة والتصورات الشائكة.

اقرأ/ي أيضًا: عنصرية ضد لون العيون

في كل الحالات لم تؤد عشرات الكتب والندوات والمؤتمرات حول الإسلام والشرق والعالم العربي إلى تحسن في صورة الاسلام والمسلمين في وسائل الإعلام، إنما على العكس فقد نشأت في السنوات الخمس أو العشر الأخيرة خرافة جديدة عن المسلمين في الغرب هي خرافة الإرهاب. فقد صار الإرهاب مرتبطًا بأي فعل جرمي يرتكبه شخص مسلم يعيش في أوروبا، في وقت لا يوصف هذا الفعل نفسه بالإرهاب لو ارتكبه شخص غير مسلم.

لم تؤد الدراسات والمؤتمرات الخاصة بالعالم الإسلامي إلى تحسين صورة الإسلام والعرب عند جمهور الغربيين ووسائل الإعلام، ولا حتى في المدارس الثانوية ومناهج التعليم، بل استمرت الصورة الاستشراقية تلقي بثقلها على عقل الغرب.

استمرت الصورة الشريرة التي يرويها العقل الغربي عن العربي والمسلم لأنها صورة أبعد من أن تكون حصيلة أو نتيجة بحث علمي، لكنها للأسف تصور ديني له بعد قدسي أو إيماني.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الفاشية الإيطالية المتجددة.. باقية وتتمدد!

"نهاية نهاية التاريخ".. الديمقراطية الغربية في مهب الريح