عزيزي المثقف المُهمّ

عزيزي المثقف المُهمّ

كاريكاتير لـ فادي أبو حسن

حسنًا، أنت مثقّف مهم، شاعر مهم، روائي مهم، ناقد مهم، فنّان مهم، فيلسوف مهم، مفكّر مهم. كلّ هذا حسن، لكنّك عندما تتحدّث في السّياسة فإن عليك أن تقبل الأخذ والرّد، ولا بأس بأن تتواضع قليلًا، فحديثك في السّياسة حديث عن مصائرنا، عن خبزنا، عن دمنا، عن كرامتنا وحرّيّتنا، وهي أشياء نتساوى فيها معك. "قداستك" الفنِّيّة، تلك التي أوهمتَ نفسك بها وكرّسها في نفسك زملاؤك المُهمّون، هذه القداسة، لن تكون حاضرة عندما تتحدّث في السّياسة.

من حقّ الناس، أن يحاكموك على اللّحظة السّياسيّة، ما دمتَ قد اخترتَ أن يكون لك فيها رأي

من حقّ الناس، أن يحاكموك على اللّحظة السّياسيّة، ما دمتَ قد اخترتَ أن يكون لك فيها رأي. ثمّ لا تنسَ أن الزّمان قد تغيّر. الزّمان تغيّر كثيرًا، وكثيرًا جدًّا، يا سيّدي، في ما مضى، كنتَ قادرًا على صنع هالَتكَ الشّعريّة/الثّقافيّة، وكنتَ قادرًا على صونها من اختراق المُتلَقِّي. كنت قادرًا على إبقاء تلك المسافة، الكافية لنجوميتك، البعيدة عن الإمساك بها، وتقليبها بين يدَي مُتلَقٍ لا يتمتّع "بحكمتكَ" وأَناتِكَ.

اقرأ/ي أيضًا: "بير غويط".. هل اقترب الفرج؟

ربّما أيضا كان لديك حزب، وجريدة، ومنابر، يصنعونك، ويلمِّعونك، ويسوِّقونك، ويحافظون على صورتك، نقيّة، وساطعة، ومحفوظة في إطارها، وزجاجها، وغير معرّضة لأنفلونزا القُرّاء، وهي أنفلونزا شديدة الفتك والانتشار. كان بإمكانك فصل صورتك تلك عن النّاس، بوصفكَ رَبًّا ثقافيًّا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

اليوم، يا سيّدي، لم يعد هنالك قُدسيّة لأيِّ شيء، ولا قدسيّة لأيِّ أحد (تذكّر أنّك كنتَ تُروّج لفكرة نزع القداسة عن كل شيء، نعم، عن كلّ شيء). اليوم، باستطاعة أيّ متلقِّ أن يذهب إلى العَمّ "جوجل" كي يقوِّض كلّ ما تَدّعيه من قُدسيّة.. صار بإمكان هذا المتلّقي أن يجمعك كلّك (على بعضك) على شاشة كمبيوتره، وأن يراك كما أنت، كما أنتَ تمامًا، بكلّ ما فيك من إيجابيّات وسلبيّات، وبكلّ ما تتوفَّر عليه من قِيَمٍ وسفالات...لم يعُدْ ممكنًا لك أن تضحك على المُتلقِّي، فلا تواصل الضحك على نفسك.

حين نذهبُ إلى لحظتك الشّعريّة/الفنّيّة، ستكون أنت سيّد الميكرفون وسيكون علينا ان نستمع إليك، فتلك هي لعبة المبدع والمتلقِّي، ستقول ما تشاء، كما تشاء، وفي الوقت الذي تشاء.. وسنقول إنّك أحسنت في فنِّك أو إنك لم تُحسن وسيبقى حكمنا هذا قابلًا للرفض من قبلك، حين لا يعجبك، فهذه منطقة لا يقين فيها، وتستطيع أن تراهن على شكّنا بأنفسنا أمام ما تبدعه، بل حتى أنك تستطيع أن تضلّلنا، فهذه منطقة ليس فيها طريق معبّد واحد، هي منطقة تراب بكر، قابلة لأن تتحرك بيننا وبينك باستمرار، ولكنّكَ حين تأتي إلى لحظة الدّم وتمسك بميكرفونها فإن عليك أن تخضع لشروط هذه اللحظة الصارمة. لحظةُ الدّم قاسية يا سيّدي، ولحظة الدّم لا قيمة فيها لكلّ ما اجترحتَه - سابقًا - من مجازات ومنجزات.

في لحظة الدّم نقف جميعا عرايا، لحظة الدّم لا تحتمل أن يراجع المُتلقّي منجزاتك "العظيمة"، إنّها لحظة قصيرة جدّا، كقِصَر المسافة بين رصاصة الشَّبّيح الأرعن، ورأس المتظاهر المكشوف، لا مجال في هذه اللّحظة لمجاملة غرورك السّرطانيّ المُستفحل.

في صورتك الشّعريّة/ الفنّيّة، أخذتَ كثيرًا من الحبّ، والتّقدير، والتّصفيق، والجوائز، والأوسمة. في لحظة الدّم لا نريد منك شيئًا. فقط، سنُذَكِّرُكَ بكلِّ ما كنتَ تقوله عن المثقّف العضويّ، وعن ارتباط الخطاب السِّياسيّ بالخطاب الثقافيّ، وسنسألك، نعم، سنسألك بكلّ "وقاحة" الرأس الذي يتلقّى رصاصة الشبّيح الأرعن، سنسألك لماذا تريد مِنّا- الآن، وفي لحظة الدّم- أن نفصِلَ السيّاسيّ فيك عن الثّقافيّ الّذي فيك؟ لماذا تُسلِّط علينا سيفَ قدسيّة ثقافتك، فيما أنتَ تتمرّغ في "وحل" السّياسة؟

سيّدي المثقّف المُهم: انتهى زمن قدسيّتك، وأصبحتَ بشرًا قابلًا -حتّى- لأن يشتمك بعضنا إذا شتمته، وعليك أن تُصدِّقَ أن ذلك يحدث.

لماذا تُسلِّط علينا سيفَ قدسيّة ثقافتك، فيما أنتَ تتمرّغ في "وحل" السّياسة؟

فلا تضحك على نفسك، أنتَ مكشوف تمامًا، ودم النّاس في الشّوارع.. فكن جديرًا ببشريّتك، وتذكّر أن الشَّبيِّح لا يقرأ لك، وأن قصائدك / مقولاتك/ أغنياتك محفوظة في تلك الرؤوس التي يتصيّدها هذا الشَّبّيح. رصاص الشّبِّيح -يا سيّدي- لا يحتفي بالشّعر، فهل عليّ أنْ أُذكِّرك بلوركا، أم هل عليّ أنْ أُذكِّرك بناجي العلي، مثلًا؟

اقرأ/ي أيضًا: ماركس المغبون بسوء تأويل "أفيون الشعوب"

وأخيرًا، لك الحقّ في أن تقول ما تشاء، لك الحقّ في أن يكون لك وجهة نظر، فلا جدال في هذا فقط، تواضع قليلًا، وصدّق أنّك لم تعُد مُقدّسًا.

واسمح لي بملاحظة: إذا كنت في صفوف المعارضة فأنت مقصود أيضًا، فمن يحملون صفة المُهِمّ موجودون هنا، وهناك، وتذكّر أنت بالذات أن لا قدسية لأحد، بصراحة "مش ناقصنا" تشبيحك، وليس على رأسك ريشة...كل ما في الأمر أن في يدك ريشة فأحْسِن استخدامها، ولا تؤجّرها للغرب وأمريكا... واحترم نفسك.

 

اقرأ/ي أيضًا:​

معضلات النُخب.. مداخل للتحليل

التكنولوجيا عندما تتحوّل إلى أداة ابتزاز