عزمي بشارة يقدم "أرابيكا".. مشروع عربي لتأسيس مرجع معرفي شامل
2 سبتمبر 2026
يطرح مشروع "الموسوعة العربية الشاملة: أرابيكا" نفسه بوصفه محاولة لإعادة بناء المرجعية المعرفية باللغة العربية، لا خارج العصر الرقمي، بل من داخله. المشروع الذي يعمل عليه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ويُنتظر إطلاق بوابته الرئيسة مطلع عام 2027، يأتي "متأخرًا قليلًا من الناحية الزمنية"، لكنه، في المقابل، "أكثر إلحاحًا اليوم من أي وقت مضى".
في مقابلة مع برنامج "ضفاف" على شاشة "العربي 2"، يقدّم المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المفكر العربي عزمي بشارة، المشروع لا بوصفه إنجازًا جاهزًا، بل كاستجابة لسؤال أعمق يتعلق بغياب مرجع عربي جامع. ويقول: "كانت هناك محاولات موسوعية عربية منذ القرن التاسع عشر، من بطرس البستاني إلى مشاريع لاحقة في مصر والمغرب وسوريا، لكنها لم تكن محاولة عربية شاملة". وبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر فقط بسدّ نقص معرفي، بل بإعادة تنظيم الفوضى التي تنتجها بيئة رقمية تتدفق فيها "نُتف المعلومات" غير الدقيقة، حيث تصل المعرفة إلى الأفراد عبر وسائل التواصل بلا تحقق، خصوصًا لدى الأجيال الشابة، ما يجعل المشروع ضرورة لا ترفًا ثقافيًا.
من الحاجة إلى الفكرة
ينطلق الدكتور بشارة من فكرة واضحة مفادها أن المسألة لم تعد مجرد قضية نظرية ونهضوية وتنويرية، بل باتت الحاجة ماسة إلى متن معرفي مفحوص وموثوق. ويضيف أن المشكلة لم تعد نخبوية، بل أصبحت تمسّ التعليم نفسه، حيث تصل المعلومات إلى الطلاب "غير دقيقة وغير مفحوصة". من هنا، جاء التفكير في "أرابيكا" كموسوعة تخاطب مستويين في آن واحد: القارئ العام الذي يحتاج إلى مدخل واضح، والباحث المتخصص الذي يبحث عن نقطة انطلاق.
يشرح بشارة هذه المعادلة بقوله إن المشروع يقوم على "توليفة ديمقراطية"، تتيح المعرفة للجميع، لكنها في الوقت نفسه "تلتزم بمنهج علمي يحارب التزوير والكذب والشائعات". وفي مرحلة "ما بعد الحقيقة"، كما يصفها، يصبح الانحياز الوحيد المقبول هو "الانحياز للحقيقة".
يؤكد بشارة أن المشروع لا يضع أي شروط تتعلق بالانتماء الفكري أو السياسي، بل يقوم أساسًا على الكفاءة العلمية. ويقول في هذا السياق إن "الموسوعة ليست حزبًا، بل مشروع معرفي" يقوم على معيار الخبرة والاختصاص قبل أي اعتبار آخر
بنية تحريرية لضبط المعرفة
لم يكن الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ مباشرًا. يقرّ المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بأن المشروع واجه "ترددًا استمر نحو ثلاث سنوات" قبل إطلاقه، نظرًا لضخامته وتعقيداته. ويقول: "نحن لا نتحدث عن مجال واحد، بل عن مجمل المعارف الإنسانية"، موضحًا أن بناء البنية التحتية للمشروع استغرق وقتًا طويلًا، شمل وضع السياسات التحريرية، وتحديد آليات الاستكتاب، وبناء شبكة من المتخصصين.
ويضيف أن "أرابيكا" تعتمد هيكلية غير مسبوقة عربيًا، تقوم على ثلاث دوائر: تحرير علمي، وتحرير موسوعي، وتحكيم مستقل. والهدف، كما يوضح، هو ضمان جودة المحتوى والحد من الانحيازات. ويشير إلى أن العمل لا يقتصر على الكتابة، بل يشمل "مراجعة أعمال الآخرين وتحريرها ومتابعتها"، ما يجعل العملية أقرب إلى إنتاج معرفي جماعي منضبط.
ويكشف الدكتور بشارة أنه، حتى الآن، أُنجزت أكثر من ثلاثين مليون كلمة حتى الآن، في المجالات المعرفية الأساسية كافة، من العلوم الدقيقة والطب والتقانة إلى العلوم الاجتماعية والعقائد والأديان والآداب واللغة والفنون والفلسفة والفكر العربي الحديث وتاريخ العلوم، بمساهمة نحو 1500 مؤلف وأكثر من 200 محرر علمي. ويقول إن هذا الحجم "يعادل أكثر من 300 كتاب"، لكنه يقرّ في الوقت نفسه بأن الطريق لا يزال طويلًا، خصوصًا مع وجود نحو 60 ألف مدخل ضمن "الشجرة المعرفية" التي يعمل عليها المشروع.
ويؤكد استمرارية مشروع الموسوعة، إذ يوجد "موقع تجريبي" يحتوي على نحو 1500 مدخل موثوق لدى محركات البحث والذكاء الاصطناعي، فيما يُتوقع أن يستغرق المشروع ما بين خمسة وعشرة أعوام لتغطية الشجرة المعرفية كاملة، وليس جميع تفاصيلها في فروعها.
موسوعة في زمن الذكاء الاصطناعي
أحد أكثر الأسئلة التي يواجهها المشروع يتعلق بجدواه في عصر الذكاء الاصطناعي. هنا، يقدّم المفكر العربي الدتور عزمي بشارة إجابة حاسمة: "الذكاء الاصطناعي لا ينتج المعرفة، بل يعالج البيانات القائمة". لذلك، فإن السؤال الحقيقي، هو: "ما هي المعرفة العربية التي نغذّي بها هذه الأنظمة؟".
ويشير إلى أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل بالإحالة إلى محتوى "أرابيكا"، وهو ما يعدّه "مؤشرًا مهمًا" على نجاح المشروع في الحضور الرقمي. ويؤكد أن التحدي اليوم لم يعد الطباعة الورقية، التي "لم تعد خيارًا"، بل "التواجد على محركات البحث"، حيث تُعاد صياغة العلاقة بين المعرفة ومتلقيها.
لغة عربية ومنظور معرفي
على مستوى المحتوى، يولي المشروع أهمية خاصة للغة العربية، إذ تُكتب جميع المداخل بها، مع العمل على توحيد المصطلحات عبر مقارنتها بلغات أخرى. وفي هذا السياق، يشير بشارة إلى أن هذا الخيار ليس تقنيًا فقط، بل "إسهام حضاري" يعيد الاعتبار للغة العربية كأداة إنتاج معرفة، لا مجرد وسيط ترجمة.
وفي ما يتعلق بالمنهج، يوضح أن الموسوعة لا تدّعي الحياد المطلق، لأن "لا توجد موسوعة محايدة 100% في العالم"، لكنها تلتزم بالموضوعية العلمية. ويشرح ذلك بقوله: "نحن نكتب عن الاستعمار من منظور الشعوب التي خضعت له، لكننا نلتزم بالوقائع وتتبع المفاهيم تاريخيًا".
كما يشير إلى وجود تركيز خاص على القضايا العربية، عبر هيئة تُعنى بتوثيق تفاصيل البلدان العربية، ما يجعل "أرابيكا" مرجعًا حتى للباحثين الأجانب. وفي الوقت نفسه، يسعى المشروع إلى إبراز الإسهامات العربية في مختلف الحقول، "كما تفعل جميع الموسوعات العالمية"، على حد تعبيره.
بين الكاتب والمؤسسة
يتميّز مشروع "أرابيكا"، بحسب الدكتور عزمي بشارة، عن المنصات المفتوحة مثل ويكيبيديا في نقطتين أساسيتين: الأولى اعتماد توقيع المقال باسم كاتبه، لضمان المسؤولية العلمية وتعزيز موثوقية المحتوى، إضافة إلى منح التقدير المستحق للباحث المتخصص. والثانية اشتراط التخصص الأكاديمي في كتابة المداخل.
ويؤكد بشارة أن المشروع لا يضع أي شروط تتعلق بالانتماء الفكري أو السياسي، بل يقوم أساسًا على الكفاءة العلمية. ويقول في هذا السياق إن "الموسوعة ليست حزبًا، بل مشروع معرفي" يقوم على معيار الخبرة والاختصاص قبل أي اعتبار آخر.
وفي هذا السياق، يدافع الدكتور عزمي بشارة عن دور المؤسسة في إنتاج المعرفة، معتبرًا أن "وجود مؤسسة موجهة تقود العمل المعرفي في عالمنا العربي أمر ضروري، فهو يضمن كفاءة الكاتب، ومراجعة المقال وتحكيمه، ومتابعته مستقبلًا، بما يحقق الجودة والاستمرارية والمرجعية العلمية". لذا يجمع المشروع بين "ديمقراطية المعرفة" و"المركزية المنهجية".
الموسوعة كمشروع نهضوي
لا يفصل المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بين "أرابيكا" وسياقها السياسي والثقافي الأوسع. فهو يرى أن المنطقة تمرّ بمرحلة "انحطاط سياسي حقيقي"، ما يجعل الحديث عن النهضة يبدو مؤجلًا. لكنه يضيف: "مشاريع النهضة تأتي عادة بعد الأفول"، معربًا عن أمله في أن تكون هذه المرحلة "نهاية الغروب".
من هنا، يضع المشروع في إطار أوسع بوصفه "إسهامًا في نهضة ثقافية للأجيال القادمة". فالمعرفة، كما يقول، هي ما يبقى، وهي القادرة على إحداث أثر مستدام، حتى في ظل أوضاع سياسية غير مستقرة.
اختبار الاستمرارية
رغم الطموح الكبير، لا يغفل الدكتور بشارة التحديات. فالموسوعات، كما يوضح، تحتاج إلى دعم مؤسسي مستمر، سواء من سوق نشر قوية أو من الدولة. وفي العالم العربي، يعاني كلا المسارين من أزمات، ما يجعل استمرارية المشروع رهانًا بحد ذاته.
ومع ذلك، يبدو "أرابيكا" محاولة لتجاوز هذه القيود، عبر الاستفادة من الدعم المتاح، وبناء نموذج معرفي قابل للتوسع. وبين الطموح والواقع، يظل المشروع اختبارًا مفتوحًا: هل يمكن لموسوعة عربية أن تستعيد دورها في زمن يتغير فيه معنى المعرفة نفسها؟
وهنا يختصر الدكتور بشارة الرهان بجملة واحدة: "أقصى ما يمكننا تقديم في هذه الظروف العصيبة هو الإسهام في نهضة ثقافية متينة تؤسس للأجيال القادمة؛ فالمعرفة والمؤسسات العلمية هي التي تبقى وتحدث الأثر المستدام". في هذا المعنى، لا تبدو "أرابيكا" مجرد موسوعة، بل مشروعًا جديدًا للمعرفة العربية في عالم سريع التحول.