ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

عزمي بشارة: ترامب يدفع القوة لتحلّ مكان الشرعية

8 يناير 2026
عزمي بشارة
مدير المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة (التلفزيون العربي)
الترا صوت الترا صوت

أجرى "التلفزيون العربي" حوارًا مع مدير المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة، تناول فيه جملة من القضايا الإقليمية والدولية، في مقدّمها حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، وما تكشفه من تحولات عميقة في النظام الدولي، إلى جانب ملامح السياسة الخارجية لإدارة دونالد ترامب وانعكاساتها على فلسطين والمنطقة العربية.

المشهد الهوليوودي المقصود

ووصف الدكتور عزمي بشارة عملية اعتقال مادورو بـ"المشهد الهوليوودي المقصود"، معتبرًا أن الإخراج الاستعراضي للعملية، بما في ذلك تصوير الرئيس الفنزويلي مكبلًا من زوايا متعددة، وبثّ العملية مباشرة، يندرج في إطار التباهي بالقوة وردع الخصوم وتخويفهم، وليس مجرد إجراء أمني أو قضائي.

وأوضح أن العملية بحد ذاتها ليست جديدة في تاريخ التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية، مستشهدًا بحادثة اعتقال الرئيس البنمي الراحل مانويل نورييغا عام 1989، حيث استُخدمت آنذاك أيضًا تهمة المخدرات، وهي، بحسب الدكتور بشارة، "تهمة نمطية ذات طابع عنصري تُلصق بسكان أميركا اللاتينية".

الدافع الحقيقي خلف العملية.. النفط أولًا

لكن الجديد، وفق بشارة، يتمثل في الوضوح غير المسبوق في الدافع الحقيقي للعملية، والمتمثل في النفط. وقال إن إدارة ترامب لم تعد تحاول تغليف سياساتها بمسوغات قانونية أو أخلاقية، بل صرّحت علنًا بأن هدفها هو السيطرة على النفط الفنزويلي، في تجاهل كامل للقانون الدولي ولمفهوم سيادة الدول.

وأضاف أن استخدام القانون الأميركي لمحاكمة رئيس دولة ذات سيادة يكشف انهيار أي التزام بالقانون الدولي، مؤكدًا أن واشنطن "لا تريد حتى أن تبدو وكأنها تحترم هذا القانون".

وفي السياق ذاته، أشار بشارة إلى أن تصريحات ترامب بشأن القيادة الفنزويلية الجديدة، وتهديده بتكرار سيناريو مادورو في حال "عدم التعاون"، تُسقط كل الذرائع المتعلقة بالديمقراطية أو مكافحة المخدرات، وتؤكد أن المعيار الوحيد هو مدى الخضوع للسياسة الأميركية.

إحياء "عقيدة مونرو"

وعن الخلفية الفكرية لهذه السياسات، رأى بشارة أن ما يجري هو مزيج بين شخصية ترامب وسياسة قوة عارية، تقوم على منطق "الأقوى يحق له أن يأخذ ما يشاء"، إلى جانب إحياء فَجّ لـ"عقيدة مونرو" ومفهوم مناطق النفوذ الاستعمارية، في عالم يفترض أنه محكوم بمواثيق وسيادات دولية.

وحذّر بشارة من أن هذا التوجه يشكل جرس إنذار خطيرًا لدول أميركا اللاتينية والعالم، لافتًا إلى أن ترامب يتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق القوة المجردة، ويمنح الشرعية للأقوياء الآخرين، من روسيا إلى إسرائيل، طالما يفرضون وقائعهم بالقوة.

وأشار الدكتور بشارة إن هذه السياسة تنسف ما تبقى من النظام الدولي، وتدفع العالم نحو مرحلة أكثر فوضوية، تُستبدل فيها القواعد بالقوة، والسيادة بالإملاء.

هيبة القوة في الخارج وتصدعات الداخل

رأى الدكتور عزمي بشارة أن إدارة ترامب تراهن خارجيًا على هيبة القوة الأميركية والتهديدات الصريحة، لا سيما حين تكون مقرونة بإمكانية التنفيذ، كما حدث في المنطقة العربية وفنزويلا. ويشير إلى أن هذا النهج يهدف إلى إعادة إنتاج صورة "أميركا العظيمة" عبر التخويف وإعادة الاعتبار بالقوة.

لكن داخليًا، يلفت بشارة إلى أن الصورة مختلفة تمامًا، إذ لا نتائج اقتصادية سريعة لسياسات ترامب، بما في ذلك سياسات التهجير بحق المهاجرين غير النظاميين، الذين تعتمد عليهم قطاعات واسعة من الاقتصاد الأميركي، من الزراعة والبناء إلى الخدمات والمطاعم والفنادق. ويؤكد أن إخراج هؤلاء يضر فعليًا بقطاعات تشكل قاعدة اجتماعية داعمة لترامب نفسه.

تآكل القواعد الديمقراطية داخل الولايات المتحدة

ويحذر بشارة من أن قطاعات ديمقراطية واسعة في الولايات المتحدة باتت تشعر بأن قواعد اللعبة الديمقراطية تتآكل، سواء عبر تهميش دور الكونغرس، أو عبر التضييق على حرية التعبير، أو من خلال ملاحقات قضائية تطال خصوم سياسيين، في ما يشبه "صيد الساحرات".

ويضيف أن خطورة الأمر لا تقتصر على ذلك، بل تمتد إلى تضارب المصالح والإثراء العائلي داخل البيت الأبيض، في ممارسات باتت تُعرض بقدر من التباهي العلني، ما يفاقم القلق على مستقبل الديمقراطية الأميركية.

ردود فعل دولية: رفض بلا مواجهة

وعن ردود الفعل الدولية على ما جرى في فنزويلا، يشير بشارة إلى أن لا أحد "يهضم" هذا التصرف الأميركي، لا الحلفاء ولا الخصوم، لكن الخوف والحذر يمنعان المواجهة. ويلفت إلى أن المواقف الأوروبية كشفت قدرًا من قصر النظر والنفاق السياسي، باستثناء مواقف محدودة مثل فرنسا وإسبانيا، فيما فضّلت دول أخرى إرضاء واشنطن خشية فقدان المظلّة الأمنية لحلف الناتو.

عالم مناطق النفوذ: الرابحون والخاسرون

ويؤكد بشارة أن سياسة "مناطق النفوذ" التي يروّج لها ترامب تفتح المجال أمام قوى أخرى للاستفادة، مثل روسيا وإيران، بينما تجد الصين نفسها في موقع أكثر تعقيدًا، نظرًا لاعتمادها البنيوي على استقرار التجارة العالمية.

ويميز بشارة بين الصين وروسيا، معتبرًا أن بكين حريصة على تجنب الفوضى العالمية، لكنها شديدة الحزم داخل نطاق نفوذها، خصوصًا في ملف تايوان، الذي تعتبره قضية سيادة لا انفصالًا، بخلاف الحالة الفنزويلية.

الديمقراطية لم تعد أولوية أميركية

ويرى بشارة أن إدارة ترامب لا تعتبر تصدير الديمقراطية جزءًا من مشروعها، لا في فنزويلا ولا في أي مكان آخر، بل تتعامل مع العالم بمنطق "أميركا أولًا" القائم على الصفقات والقوة، حتى لو جاء ذلك على حساب حلفاء تقليديين أو مبادئ طالما رفعتها واشنطن.

أميركا اللاتينية بين الواقعية والخوف

وفي ما يخص ردود فعل دول أميركا اللاتينية، يفسر بشارة الخطاب التصالحي لبعض الحكومات المنتخبة ديمقراطيًا، مثل البرازيل وكولومبيا، بالخوف من العقوبات والضغوط الأميركية، والحرص على الاستقرار الاقتصادي وتجنب إفشال التجارب الديمقراطية الناشئة.

أما في فنزويلا، فيشير إلى أن القيادة الجديدة وجدت نفسها أمام واقع قاسٍ من الحصار والتهديد، ما دفعها إلى تبني خطاب براغماتي قائم على التعاون، بما في ذلك الاستعداد لبيع النفط للولايات المتحدة، في محاولة لتمرير المرحلة بأقل الخسائر.

الاستقرار السيئ أفضل من الفوضى الشاملة

ويعتبر بشارة إلى أن ما جرى في فنزويلا لا يحمل أي جانب إيجابي، لكنه يرى أن بقاء النظام، ولو مؤقتًا، قد يكون أقل كلفة من الانزلاق إلى فوضى شاملة، مستشهدًا بتجارب دول شهدت تدخلات خارجية وانتهت إلى حروب أهلية وصراعات طويلة الأمد.

لا يستبعد بشارة تكرار التهديدات الأميركية في مناطق أخرى، لكنه يرجّح أن التهديد بحد ذاته قد يكون أداة كافية لفرض الشروط، من دون الحاجة إلى تنفيذ عسكري مباشر، مؤكدًا أن ترامب يفضّل إخضاع الدول بالضغط ما أمكن، لا بالحرب.

نتنياهو وترامب: أيديولوجيا القوة قبل المصالح

يرى الدكتور عزمي بشارة أن العلاقة بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب تتجاوز حدود التحالف السياسي التقليدي، لتشكّل تحالفًا أيديولوجيًا واستراتيجيًا عميقًا، يقوم على الإيمان بسياسات القوة واستخدامها أداة رئيسية لإدارة الإقليم والعالم.

ويؤكد أن نتنياهو يسير منذ سنوات في هذا الاتجاه، معتمدًا على خطاب دعائي قائم على التخويف والتلويح الدائم بالقوة، وتكريس فكرة أن إسرائيل لا يمكنها الاعتماد على أي مسارات سلمية، بل على القوة وحدها، في انسجام واضح مع رؤية ترامب للعلاقات الدولية.

ولا يستبعد بشارة تشبيه نتنياهو بـ"ترامب الشرق الأوسط"، مع فارق جوهري يتمثل في ميزان القوة، إذ يقبل نتنياهو بأن يظهر ترامب بوصفه "الأخ الأكبر" في العلاقة، وأن يكون الطرف الأقوى رمزيًا، طالما يضمن في المقابل تحقيق الأهداف الإسرائيلية.

ويشير إلى أن نتنياهو مستعد للقبول بلعبة التوبيخ العلني أحيانًا من ترامب، طالما أن النتائج النهائية تصب في مصلحة إسرائيل، في علاقة تقوم على توزيع أدوار محسوب بدقة.

ويلفت بشارة إلى أن ترامب نفسه لم يعد يخفي تأثير اللوبي الإسرائيلي عليه، بل يصرّح علنًا بالدعم المالي والسياسي الذي تلقاه، وبالدور الذي لعبته شخصيات نافذة في دفعه للاعتراف بضم الجولان واتخاذ قرارات مفصلية لصالح إسرائيل.

ويرى أن هذه الصراحة غير المسبوقة أسقطت الحاجة إلى التحليل، إذ بات الرئيس الأميركي يقول ما كان يُقال سابقًا في الغرف المغلقة.

المرحلة الثانية… مسار معطّل

وبخصوص غزة، يؤكد بشارة أن الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار لم تتوقف، وسقوط الشهداء مستمر، في ظل غطاء أميركي واضح.

ويشير إلى أن تصريحات ترامب، التي قال فيها إن إسرائيل "ملتزمة بالاتفاق"، تشكل تشجيعًا مباشرًا على مواصلة الانتهاكات، لا كبحها.

ويرى بشارة أن ما يُسمى بـ"المرحلة الثانية" من الاتفاق، التي يفترض أن تنتهي بانسحاب إسرائيلي من غزة، تواجه مأزقًا حقيقيًا، إذ ترفض إسرائيل البدء بها ما لم يُنزع سلاح حماس، من دون وجود تصور عملي لكيفية تحقيق ذلك دون استئناف الحرب.

ويؤكد أن إسرائيل إما لن تبدأ هذه المرحلة قبل الانتخابات المقبلة، أو ستبدأها من دون إنهائها، متذرعة بذرائع أمنية لإبقاء وجودها العسكري.

هندسة التهجير بدل الإعمار

ويحذر بشارة من مخطط إسرائيلي–أميركي يجري تداوله، يقوم على البدء بإعادة إعمار انتقائي في جنوب غزة، مع الإبقاء على وسط القطاع وشماله تحت حصار خانق، لدفع السكان نحو الهجرة الداخلية، وربما الخارجية.

ويرى أن هذا المخطط يهدف إلى خلق "حياة ممكنة" في الجنوب فقط، مقابل خنق باقي القطاع، في محاولة لإفراغه تدريجيًا، وترك حماس محاصَرة في نطاق ضيق.

ويشير بشارة إلى أن دور الوسطاء لا يزال محدودًا، رغم تحركات قطر وتركيا ومصر، معتبرًا أن الضغوط الحالية على إسرائيل غير كافية، في ظل ردود أميركية تكتفي بالقول إنها "ستتحدث مع نتنياهو".

ويعتبر بشارة إلى أن الأفق في غزة غير مفتوح، في ظل غياب ضغط دولي وعربي حقيقي، محذرًا من أن ما يجري في غزة واليمن ولبنان يشير إلى مرحلة إقليمية جديدة، عنوانها فرض الوقائع بالقوة، لا التسويات السياسية.

فلسطين خارج النقاش

الخلافات بين ترامب ونتنياهو تفصيلية وليست جوهرية، خصوصًا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. فلا حديث عن عدم شرعية الاستيطان، ولا اعتبار له بأنه عائق أمام السلام، بل ثمة قبول ضمني بفصل غزة عن الضفة الغربية، وبإدارة منزوعة السيادة والسلاح، بما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية.

ويعتبر بشارة أن جوهر ما يُعرف بـ"الاتفاقات الإبراهيمية" يتمثل في تكريس إسرائيل بوصفها القوة الإقليمية القائدة، لا مجرد شريك. فالمعادلة واضحة: إسرائيل هي الطرف الأقوى عسكريًا واقتصاديًا وعلميًا، والمدعومة أميركيًا بلا حدود.

ويرى أن المطلوب عربيًا، وفق هذا المنطق، هو القبول بالقيادة الإسرائيلية للإقليم، وهو ما يشكّل تحولًا خطيرًا في طبيعة العلاقات.

العالم العربي.. قوة كامنة وعجز فعلي

أكد صاحب كتاب "مسألة الدولة" أن العالم العربي ليس عاجزًا من حيث الموارد أو القدرات، بل يعاني من التفكك، وضعف الثقة المتبادلة، وغياب التنسيق الاستراتيجي، وسعي كل طرف إلى إرضاء الولايات المتحدة منفردًا. ورأى أن غياب رؤية عربية مشتركة تجاه فلسطين والصراعات الإقليمية هو ما يسمح باستمرار الحروب في ليبيا واليمن والسودان والمشرق العربي عمومًا، محذرًا من أن هذا الفراغ هو ما يُمكّن قوى خارجية من فرض وقائعها بالقوة.

إسرائيل وتوسيع مناطق النفوذ من فلسطين إلى القرن الأفريقي

لا يقتصر التوجه الإسرائيلي الحالي على إدارة صراعات آنية، بل يندرج ضمن مشروع أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، يمتد من فلسطين ولبنان وسوريا، وصولًا إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

ويشير بشارة إلى أن هذا التوجه بات واضحًا وصريحًا، إلى حد لم تعد معه الحاجة إلى كثير من التحليل، إذ تجاهر إسرائيل بمساعيها للاستفادة من إنجازاتها العسكرية منذ 7 أكتوبر، وترجمتها سياسيًا على شكل توسيع مناطق نفوذ إقليمية.

ويلفت بشارة إلى أن إسرائيل تتحرك بوضوح في القرن الأفريقي، مستفيدة من تعاون عربي في بعض الحالات، خصوصًا في الصومال، التي ما كان لها أن تصمد خلال المرحلة الماضية من دون دعم عربي، تقوده بالأساس الإمارات، رغم غياب الاعتراف الرسمي.

ويؤكد أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في التحكم بموانئ البحر الأحمر، وصولًا إلى مضيق باب المندب، وهو مضيق بالغ الأهمية، لا يؤثر فقط على دول الخليج، بل على الأمن القومي العربي والتجارة العالمية ككل.

ويصف بشارة هذا المسار بأنه جزء من منظومة عناصر قوة تسعى إسرائيل من خلالها إلى فرض شروطها، وتحويل أجزاء متزايدة من العالم العربي إلى مناطق نفوذ إسرائيلية.

التنسيق العربي كخيار وحيد

أكد مؤلف كتاب "الانتقال الديمقراطي وإشكالياته" أن الرد الوحيد الممكن على هذا المشروع يتمثل في تنسيق عربي حقيقي، وإقامة نظام إقليمي جديد، بغض النظر عن طبيعة الأنظمة السياسية، إذ لم يعد ملف الديمقراطية مطروحًا في هذه المرحلة.

وأضاف أن المطلوب هو بناء نظام أمني إقليمي يضم دولًا عربية مركزية، إلى جانب تركيا وإيران، بما يفضي إلى إنهاء فكرة الحاجة إلى “الحماية” الإسرائيلية أو الأميركية.

ويشير إلى أن لحظة الضعف الإيرانية الحالية تتيح فرض شروط عربية واضحة تتعلق بعدم التدخل في السيادة العربية، ضمن إطار إقليمي تشارك فيه مصر والسعودية بوصفهما الدولتين الإقليميتين الأهم.

دولة غير متماسكة وتعدد مراكز السيطرة

يرى الدكتور عزمي بشارة أن اليمن لا يمكن توصيفه اليوم كدولة متماسكة، في ظل تعدد مراكز السلطة والسيطرة. فالـحوثيون يحكمون أجزاء واسعة من الشمال، في حين تسيطر قوات أخرى، بينها الجيش الوطني، على مناطق مختلفة، بينما يشهد الجنوب بدوره تباينًا في القوى المسيطرة على المحافظات.

ومع ذلك، يشير إلى أن هذه القوى الجنوبية، على اختلافها، تدين بالاعتراف للحكومة الشرعية، حتى وإن كانت مواقفها السياسية متباينة.

ويعتقد بشارة أن مشروع انفصال الجنوب تراجع إلى حد بعيد، موضحًا أن القوة التي كان يظهر بها المجلس الانتقالي الجنوبي كانت أكبر من قوته الحقيقية على الأرض، ولولا الدعم الخارجي القوي لما تمكن من الظهور بهذا الشكل.

ولا يعود ذلك، بحسبه، إلى غياب الرغبة الصادقة لدى بعض الجنوبيين بالاستقلال، بل لأن الجنوب نفسه ليس كتلة واحدة متجانسة؛ فحضرموت لها تطلعاتها الخاصة، وكذلك المهرة، إضافة إلى قوى عشائرية ومحلية أخرى، لكل منها امتدادات وعلاقات إقليمية مختلفة، مع عُمان أو السعودية وغيرها.

ويحذر من أن فتح باب الانفصال لا يؤدي بالضرورة إلى دولتين، بل قد يفضي إلى تفكك اليمن إلى أربع أو خمس دول، ما يجعل هذه المشاريع بالغة الخطورة.

ثورة 2011 أنبل الثورات وأشدها تعقيدًا

وصف بشارة ثورة اليمن عام 2011 بأنها كانت من "أعدل وأصدق الثورات العربية"، وأكثرها بساطة ونقاءً، إذ شارك فيها أبناء الشمال والجنوب، والحوثيون، وشرائح اجتماعية واسعة.

لكن، ومع سقوط نظام علي عبد الله صالح، تبيّن أن الأجندات كانت متعددة، وأن هدف إقامة نظام ديمقراطي لم يكن جامعًا للجميع، بل اقتصر على شريحة من الشباب والقوى المدنية، في حين اندفع آخرون لتحقيق مطالب قبلية أو مناطقية أو اقتصادية، أو لطرح مشاريع انفصالية أو سلطوية.

الحوار الوطني فرصة تاريخية أُهدرت

يتوقف بشارة عند تجربة الحوار الوطني اليمني، واصفًا إياها بأنها تجربة تستحق الدراسة والتأمل. ويشير إلى أن اليمن، خلافًا للصورة النمطية المتداولة عنه، خاض أطول وأعمق حوار وطني في العالم العربي، بإشراف أممي، وبمستوى راقٍ من النقاش.

ويؤكد بشارة أن مخرجات هذا الحوار كانت متقدمة وشاملة، حيث حافظت على وحدة اليمن، وعالجت مظالم الحوثيين في صعدة، وطرحت حلولًا لقضية الجنوب، إضافة إلى نموذج إدارة ذاتية موسعة ضمن إطار دولة يمنية موحدة.

إلا أن هذه المخرجات، بحسب بشارة، واجهت تحديات كبيرة، فقد انقلب عليها الحوثيون أولًا، وتلتها لاحقًا مشاريع انفصالية أخرى هدفت إلى تقويض ما تم التوصل إليه.

المجلس الانتقالي والمجلس الرئاسي.. تناقضات بنيوية

ينتقد بشارة ضمّ المجلس الانتقالي الجنوبي إلى المجلس الرئاسي اليمني، معتبرًا أنه خطأ بنيوي، إذ لا يمكن إشراك أطراف في مجلس رئاسي لدولة، بينما تعلن هذه الأطراف صراحة أنها لا تعترف بسيادة هذه الدولة وتسعى إلى الانفصال عنها.

ويشير إلى أن أعضاء المجلس الانتقالي لم يغيّروا موقفهم بعد انضمامهم، بل واصلوا إعلان رغبتهم في انفصال الجنوب، ما جعل المجلس الرئاسي يحمل في داخله تناقضًا جوهريًا.

ويرى أن تصحيح هذا المسار جاء متأخرًا، بعد تمردات وأزمات، لكنه لا يعني أن أزمة اليمن قد حُلّت.

ويؤكد بشارة أن الطريق الوحيد القابل للحياة في اليمن يتمثل في العودة إلى مخرجات الحوار الوطني، بوصفها الإطار الوحيد الذي حظي بتوافق يمني واسع.

وشدّد على ضرورة إشراك جميع القوى، بما فيها الحوثيون، ومعالجة قضايا الشمال والجنوب معًا، فضلًا عن إنهاء الحرب من خلال تسوية سياسية شاملة، والحفاظ على وحدة اليمن ضمن نظام لامركزي عادل.

يرى بشارة أن غالبية الجنوب اليوم تقف، عمليًا، مع الحكومة الشرعية، ليس عن قناعة أيديولوجية كاملة، بل بدافع الواقعية السياسية، والخوف من التفكك، وإدراك كلفة المشاريع الانفصالية.

لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن هذا التأييد لا يعني حسم المسألة نهائيًا، ما لم تُطرح تسوية وطنية شاملة تعيد بناء الدولة اليمنية على أسس عادلة ومتفق عليها.

سوريا.. الحاجة إلى مشروع وحدوي

أكد مؤلف كتاب "سوريا.. درب الآلام نحو الحرية" على أن سوريا بحاجة إلى توجه وطني شامل يعتمد على الانتماء إلى الدولة السورية والمواطنة، وليس على خلفيات دينية أو أيديولوجية معينة.

وأضاف أن النظام السابق كان دكتاتوريًا ووحشيًا، لكن التعامل مع الشعب السوري بعد سقوطه يجب أن يكون بمنظور أن كل الشعب ضحية، وليس أن بعض الفئات وحدها مظلومة، كما حدث في العراق سابقًا. وأشار إلى أن ولاءات الجيش وأجهزة الأمن كانت ريفية وعملية، لا طائفية بشكل صارم، ويجب إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أسس وطنية شاملة.

واقترح تأسيس جمعية وطنية تأسيسية تمثل جميع المناطق والفئات السورية، والعمل على بناء الجيش وأجهزة الأمن على أساس شامل وطني.

وأشار إلى ضرورة إدخال عناصر جديدة من خارج النواة القديمة للفصائل المسلحة، لضمان ذوبان الفصائل داخل الشعب السوري، وعدم اقتصار التشكيلات على صفقات بين الفصائل الحالية، وبناء جيش يمثل كل الطوائف والفئات دون أيديولوجيا حزبية أو دينية.

وأكد أن قوة الدولة السورية داخليًا هي ما يمكنها من التفاهم مع الأطراف الخارجية، بما في ذلك إسرائيل والدول الأخرى المعنية بالشأن السوري.

واعتبر أن أي تراجع داخلي أو اعتماد على التهدئة بمبررات غير مدروسة سيضعف قدرة سوريا على حماية مصالحها، وأن لغة التفاوض يجب أن تراعي ميزان القوى الحالي، مع مراعاة مصالح الطرفين دون المساس بالوحدة الوطنية.

كلمات مفتاحية
الزاوية

هجمات مسيّرة تهدد قلب النفط في الزاوية.. واغتيال بنغازي يعمّق الانقسام

تتسارع وتيرة الانفلات الأمني في ليبيا على وقع استهدافات متكررة لمنشآت الطاقة واغتيالات تطال قيادات عسكرية

هرمز

أزمة تراوح مكانها.. تصعيد أميركي وشروط إيرانية تعرقل التسوية

تراوح الأزمة الإقليمية الناجمة عن المواجهة الأميركية الإيرانية مكانها. ففي وقت تؤكد فيه واشنطن سيطرتها الكاملة على هرمز، تتمسك طهران بإبقائه مغلقًا ما لم تُلبَّ شروطها

عاطف نجيب

بسبب جرائمهم في درعا.. أحكام بالإعدام بحق بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب

تكتسب الأحكام أهمية خاصة باعتبارها من أولى القضايا القضائية التي تطال رأس النظام السابق وعددًا من أبرز رموزه في محكمة سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد

الإسماعلية
مجتمع

خرجوا بحثًا عن الرزق فعادوا جثامين.. حادث الدواويس يفتح ملف عمالة الأطفال في مصر

من بين أكثر مشاهد الحادث قسوةً وإيلامًا، أن الموت لم يطرق باب أسرة واحدة مرةً أو مرتين، بل اقتحمها دفعةً واحدة

ميتا
تكنولوجيا

1.4 تريليون دولار على المحك.. ميتا تواجه أخطر معاركها القضائية

تكتسب القضية أهمية خاصة بسبب حجم التداعيات المحتملة؛ إذ قالت "ميتا" في ملفات قضائية إن الأضرار التي قد تواجهها يمكن أن تصل إلى 1.4 تريليون دولار

السوبر الأوروبي
رياضة

باريس سان جيرمان وأستون فيلا.. صراع أوروبي على أول ألقاب الموسم

تحولت المباراة إلى حدث يحمل أبعادًا تتجاوز المستطيل الأخضر، بعدما اختار اليويفا الحكم الصومالي عمر آرتان لإدارتها

الصومال
مجتمع

أزمة جوع في الصومال.. أموال الإغاثة تتبخر والأطفال يدفعون الثمن

تعيد الظروف الحالية إلى الأذهان أزمة الجفاف التي دفعت الصومال عام 2022 إلى حافة المجاعة