ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

"عزلة وفرط تنبّه".. عن المعركة النفسية والتعليمية للطلاب العرب في فرنسا

6 سبتمبر 2026
فرنسا
مصدر الصورة: جيتي
هند مقصوص هند مقصوص

ذكرى دخول أي مكان أو مرحلة جديدة تبقى عالقة بالذاكرة، وتشكل جزءًا مهمًا من شخصياتنا وردات فعلنا وأماننا النفسي عند عيش أي تجربة تحتاج منا تكيفًا وانسجامًا وانتاجًا، خصوصًا في المراحل المبكرة من عمر الإنسان، عندما يكون محتاجًا لدعم وتشجيع عاليين، فكيف يكون الأمر إذا تحدثنا عن دخول صف دراسي جديد، في بلد جديد لا نعرف فيه أحد ولا نتحدث لغة أهله؟

تصل بعض التجارب إلى تغيير حياة إنسان بشكل كامل، من عمل ومكانة اجتماعية وغيرها، وهذا ما ينطبق أيضا على الطالب العربي الذي وصل فرنسا حديثًا، وانضم إلى صفوف الدراسة، بجانب زملاء لا يتكافأ معهم من ناحية معرفته اللغة ومفاهيم الدولة والنظام، أو تلقي الدعم الاجتماعي.

يناقش "الترا صوت" في هذا التقرير، كيف أثّر الدعم المدرسي للطلاب العرب في عامهم الأول بالمدارس الفرنسية، على أدائهم وتحصيلهم العلمي ومسارهم المهني مستقبلًا، وكيف كان يتناسب طردًا -بحسب الحالات- حجم التأثر مع اقتراب عمر الطالب من سن المراهقة، إذ تبرز اللغة والثقافة المجتمعية والمدنية والتحليلات الداخلية للطفل تجاه أي نظرة أو كلمة، كعوامل أساسية تدفع بالطلاب إلى مسارات غير متوقعة.

الأمان الاجتماعي في حرم المدرسة

منذ اللحظة الأولى التي يترك فيها الآباء أولادهم عند باب الصف لاختبار تجربة التعلم بعيدًا عن حضن والديه، يكون الأمان الذي يمنحه المعلمون وبقية الكادر التعليمي، الحاجة الأولى للطفل، والموجّه الأول لسلوكياته وطاقاته ومدركاته.

يعاني الطلاب العرب في فرنسا من انعدام اللغة والتواصل، إلا أن أعداد كبيرة منهم يتجاوزون التحديات وينجحون بالالتحاق بالجامعات الفرنسية، ومختلف مجالات العمل

في هذا الخصوص، تؤكد تقارير "PISA" الصادرة عن "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)"، أن التكيف العاطفي والشعور بالانتماء للمدرسة، يرفعان من أداء الطالب غير الناطق باللغة الوطنية، بما يعادل عامين دراسيين من التحصيل.

ويُعرف التحدي اللغوي والنفسي الذي يعيشه هؤلاء الأطفال في أدبيات علم النفس التربوي بـ "الصدمة اللغوية الثقافية" (Acculturative Stress)، حيث يبذل الطفل طاقة ذهنية مضاعفة طوال النهار الدراسي، فقط ليفهم الأوامر الأساسية ويتحاشى الشعور بالإحراج.

كما تشير التقارير أن الطلاب الوافدين الذين يفتقرون للبيئة النفسية المشجعة في المدرسة، والذين لا تتحدث أسرهم لغة البلد في المنزل، تزيد احتمالية وقوعهم في فئات التحصيل المتدني بنسبة ضعف، مقارنة بأقرانهم الذين يجدون اندماجًا ناعمًا.

عن ذلك، تقول سيدة سورية وصلت فرنسا قبل 3 أعوام، "منزلي يطل على باحة مدرسة طفلتي، كنت أراقبها في بداية الدوام بعامها الدراسي الأول في فرنسا، معظم الأطفال منخرطون باللعب وابنتي تجلس لوحدها أو تتجول بالساحة بمفردها".

تضيف، "بعد أشهر قليلة، أشاهد ابنتي تتحدث الفرنسية بطلاقة بين زملائها، اكتسبت أصدقاء، وانتقلت من سنة دراسية إلى أخرى خلال 5 أشهر، بفضل اندماجها السريع وتعلمها الفرنسية، واهتمام المدرسين بها".

وفي هذا الخصوص، تحدث "الترا صوت" إلى السيدة فاطمة موظفة في إحدى مدارس مدينة شاتورو الفرنسية، تروي تجربتها بالتعامل والاهتمام بالطلاب خلال عامهم الأول.

"أعمل في المدرسة كمساعدة وبمراكز اجتماعية لاحتضان الطفل بفترة ما بعد المدرسة، خلال عملي أحرص على تعليم الأطفال العرب الجدد، أسماء الأشياء والأكلات والألعاب بالفرنسية والعربية معًا، حتى تعلق في أذهانهم".

وتؤكد فاطمة على الاستجابة السريعة للأطفال، في حفظ واستخدام اللغة الفرنسية، "يحتاج الطفل لبعض الاهتمام والدعم، وسيندمج سريعًا مع زملائه"، على حد تعبيرها.

وهذا الأمر تشير إليه تقارير مؤشر المناخ المدرسي (Climat scolaire)، والتي تؤكد على أن عدم إتقان لغة التواصل، يزيد بنسبة تصل إلى 40% من احتمال شعور الطفل بالعزلة، أو تعرضه للمضايقات في الفسحة مقارنة بأقرانه.

من جانبها، تروي سيدة فلسطينية لـ"الترا صوت" عن معاناتها مع مدرسة ابنها (14 عامًا)، "رغم وجودنا منذ 6 سنوات في فرنسا، إلا أن ابني لم يتأقلم إلى الآن مع بقية زملائه بسبب عائق اللغة، كما أن تحصيله العلمي كان أقل من المستوى المطلوب لسنه المدرسي، لذلك يعيد هذا العام السنة الدراسية لضعف قدراته اللغوية والتحصيلية مقارنة ببقية زملائه".

وتشير إلى أن ابنها يراجع معالجة نفسية منذ عامين، لأنه يحتاج لدعم لم توفره المدرسة، ويبدو أن المنزل كذلك عجز عن توفيره، مشيرة إلى المشكلات العديدة التي وقع فيها ابنها مع زملاء المدرسة، وتحيّز الأساتذة لأبناء البلد، وفق قولها.

وبينما يُصنف 69% من أطفال الابتدائي على أنهم في مستواهم العمري المناسب (à l'heure)، ينقلب الوضع في المرحلة المتوسطة حيث يعاني 53% من الطلاب الوافدين من تأخر دراسي، نتيجة التعقد المفاجئ للمناهج واللغة الأكاديمية.

ففي الثانويات، يوضع نحو 10% من الطلاب الوافدين مباشرة في فصول عادية دون أي دعم لغوي متخصص (FLS). وتزداد العزلة في الثانويات حيث يوفر 14% منها فقط فصول تمكين لغوي (UPE2A)، مما يترك المراهقين لمواجهة الفصول العادية بمفردهم.

وتوضح تقارير أن الانكفاء على الذات وتآكل الثقة عندما يعجز الطالب عن التعبير عن ذكائه بلغة الفصل، يسبب شعورًا تدريجيًا بـ "العجز المكتسب"، ويفسر الطالب عائق اللغة على أنه "ضعف قدرات"، فيتوقف عن المشاركة، ويرفض المبادرة تجنبًا للسخرية أو الشعور بالإحراج.

مسارات حتمية

في وقت يعمل الدعم النفسي والأمان الاجتماعي على اكتساب الطفل الوافد في المدارس الفرنسية ثقة وإنتاج، أو العكس غيابهما قد يؤخر من القدرة على التعلّم، فإن ذلك أيضًا تظهر نتائجه في مرحلة الثانوية بشكل أوضح، عندما يقرر الطالب أو أهله، أو يقترح المدرسون التوجه نحو المسارات المهنية.

وتشير تقارير إلى أن الاستسلام للتقييم المتدني تكرار الحصول على درجات متدنية (بسبب صياغة الأسئلة بالفرنسية وليس لعدم فهم المادة)، يدفع الطالب نفسيًا للتخلي عن طموحه الأكاديمي والقبول بأقصر الطرق للتخلص من ضغط المدرسة.

ظاهرة دفع الطلاب غير الناطقين بالفرنسية نحو المسارات المهنية (Lycée professionnel) في سن مبكرة، يحدث هذا غالبًا بسبب تعثرهم اللغوي المؤقت، وليس لضعف قدراتهم العقلية، مما قد يقتل طموحهم الأكاديمي ويحصرهم في وظائف معينة.

يُسجّل سنويًا في المدارس الفرنسية، أكثر من 60,000 طفل وافد جديد يستحقون دعمًا لغويًا خاصًا (UPE2A)، ما يثبت أن حالة "الطفل العربي" ليست فردية بل جزء من شريحة واسعة تعيش التحدي ذاته.

وتذكر الإحصائيات أن واحدة من كل 4 مؤسسات تعليمية في فرنسا، تستقبل طلابًا غير ناطقين بالفرنسية، (تتوزع بين 20% من المدارس الابتدائية، و46% من المتوسطات، و42% من الثانويات)، 80% من الطلاب الوافدين سبق لهم الدراسة في بلدانهم الأصلية قبل الوصول إلى فرنسا، (و87% منهم درسوا بلغتهم الأم).

الأمر لا يقتصر على الطلاب فقط، حتى البالغين ممن يحملون شهادات أكاديمية قد يعزفون عن العمل بشهاداتهم، بسبب صعوبة رحلة تعلم اللغة الفرنسية لمستوى متقدم والاندماج في المجتمع وطول مدة هذه الرحلة، تدفع هذه المعاناة بعض الأهالي إلى مغادرة الأراضي الفرنسية بلا عودة.

بدوره، يوضح الشاب السوري محمود المنجد لـ"الترا صوت"، أن عامه الأول بالمدارس الفرنسية كان في المرحلة المتوسطة، بدأ مباشرة بأخذ دروس في مختلف المواد كبقية زملائه، لم يكن هناك أي اهتمام إضافي به أو حرص من قبل أساتذته على شرح المعلومة كونه لا يتحدث اللغة الفرنسية ويتلقى طريقة تعليم لم يختبرها من قبل.

"عندما يسأل الأستاذ في نهاية الشرح، هل ذلك مفهوم؟ يجيب الجميع بنعم، أما أنا فلم أكن قد فهمت شيئًا، رغم فرط تنبّهي لكلام الأستاذ، ولم أشر إلى ذلك بسبب لغتي".

يتابع المنجد بالقول: "بقيت طوال فترة دراستي منعزل عن بقية زملائي بسبب عائق اللغة باستثناء دروس الرياضة التي كانت بمثابة فسحة للاحتكاك ببقية الزملاء، مع ذلك كنت أتجنب الحديث معهم خوفًا من تعثر فهمي لهم والحرج في ذلك".

في ختام حديثه يضيف، "كنت آخذ دروس تقوية للغة الفرنسية للطلاب غير الناطقين بها ضمن ساعات دوام المدرسة، المعلمة كانت مهتمة جدًا بنا، ولها الفضل بتحسن مستواي ونجاحي بالسنوات الدراسية، لكن رغم ذلك، اخترت المسار المهني في الثانوية، إنه الأفضل لمن هم بوضعي".

حديث الشاب محمود مع "الترا صوت" يتماثل مع نظرية انكفاء الطالب أحيانًا عن التعليم العام والتوجه إلى مسار مهني، يراه الطالب أو من حوله كمسار حتمي عليه الانخراط به، بدلًا من متابعة الدراسة باتجاه مسارات أكاديمية.

جدار لغوي يغيّب الأهل

تطور الطفل لا يقتصر على جهود المدرسة وجهود الطالب الشخصية، للعائلة أيضًا دور مهم في ذلك، لكن المشكلة المنبثقة في مثل هذه الحالات، أن أهالي الطلاب يعانون ذات الأمية باللغة والثقافة الفرنسية.

وفق دراسة "المسارات والأصول Trajectoires et Origines" الصادرة عن "INSEE"، فإن نحو 29% من المهاجرين البالغين يصلون إلى فرنسا دون أي معرفة سابقة شفهية باللغة الفرنسية، بينما ترتفع نسبة من لا يجيدون قراءتها وكتابتها، مما يجعل متابعة المنصات الرقمية المدرسيّة (PRONOTE)، أو المشاركة في مجالس الأهل عملًا شبه معقد للوالدين.

دراسات المتابعة التربوية، تظهر أن أكثر من 50% من عائلات المهاجرين الجدد، يواجهون صعوبة بالغة في استخدام منصات التواصل الرقمية الرسمية مع المدرسة، بسبب العائق اللغوي والتكنولوجي.

وفي سياق متصل، تقول أمينة، سيدة مغربية، لـ"الترا صوت"، "كنت أحضر مجالس الأهل التي تعقدها المدارس، وأجد الجميع يشارك ويطرح أسئلته ومشاكله على الإدارة والمستشارين التربويين، لكنني لم أتمكن أنا من ذلك، استخدمت بارتباك شديد المترجم في كل مرة اضطررت فيها للتواصل والسؤال المقتضب عن أولادي، قبل أن أحسن لغتي الفرنسية فيما بعد".

بينما يقول أبو حمزة من الصومال، إن التواصل في بداية الأمر بين المدرسين وطفله كانت عبر اللغة الإنجليزية، إذ أن مدرسيه ولحسن الحظ كانوا يتحدثون القليل من الإنجليزية، في وقت كان يعاني الأب من رفض طفله ذو ال3 أعوام الدوام الإلزامي في المدرسة.

على الرغم من أن الوافدين العرب مع أطفالهم، يعانون في بداية قدومهم إلى فرنسا من انعدام اللغة والتواصل، إلا أن الأعداد الكبيرة للطلاب العرب في المدارس والجامعات الفرنسية، ووجود المهاجرين بمختلف مجالات العمل، يؤكد نجاح العديد منهم بالاندماج وتجاوز كل عوائق النجاح.

ويشكل الطلاب العرب النسبة الأكبر بين الطلاب الدوليين في فرنسا، حيث يمثل طلاب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 27% من إجمالي الطلاب الأجانب، في مؤسسات التعليم العالي الفرنسية، (من بين أكثر من 440,000 طالب دولي)، وفقًا لإحصاءات "Campus France" ووزارة التعليم العالي الفرنسية.

أكثر من 85% من الطلاب العرب في فرنسا، هم من دول المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس)، تستقطب مجالات العلوم والهندسة نحو 35% إلى 50% منهم، ما يستدعي ملاحظة أن وجود طلاب هذه البلدان (المغرب العربي) بالمقدمة، مقارنة ببقية طلاب المشرق العربي، يرتبط باحتكاك المغاربة أصلًا باللغة الفرنسية في بلدانهم مسبقًا.

كلمات مفتاحية
تهديد بقاء البشرية

من الحرب النووية إلى الذكاء الاصطناعي.. ما أخطر 17 تهديدًا يواجه البشرية؟

حذّرت لجنة دولية تابعة لمجلة "لانسيت" من مخاطر تهدد صحة البشر ومستقبلهم خلال العقود المقبلة، بينها احتمال انقراض البشرية بفعل حرب نووية أو الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي

الاكتئاب المبتسم

الاكتئاب المبتسم: سبع علامات خفية قد تكشف معاناتك خلف ابتسامتك

قد يخفي بعض الأشخاص أعراض الاكتئاب خلف ابتسامة ومظهر اجتماعي طبيعي

غزة

ثلاث سنوات من الحرب.. كيف تغيّرت الحياة اليومية في غزة؟

بعد ثلاث سنوات من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لم يقتصر الدمار على المنازل والبنية التحتية، بل أعاد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية لنحو مليوني فلسطيني

كأس أمم أفريقيا
رياضة

نهائي أمم أفريقيا أمام "كاس".. هل يبقى اللقب في المغرب أم يعود إلى السنغال؟

النتيجة النهائية ستحدد ما إذا كان لقب أمم أفريقيا سيبقى للمغرب استنادًا إلى قرار "كاف"، أم أن "كاس" ستلغي القرار وتعيد الاعتبار إلى النتيجة التي انتهى إليها النهائي على أرض الملعب

النفط
أعمال

هامش الأمان يتقلّص.. العالم يقترب من استنزاف مخزونه النفطي الاحتياطي

أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية النفطية لا تزال موجودة عالميًا، والجزء الأكبر منها غير متاح عمليًا للاستخدام الفوري

نوبل
علوم

جائزة نوبل للكيمياء.. عالمان يحلان لغزًا عمره أكثر من قرن

فاز العالمان الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2026، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتناظر

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

تصاعد مقلق.. الذكاء الاصطناعي يوسّع إنتاج مواد الاعتداء على الأطفال

لا تكمن المشكلة في كمية المحتوى وحدها، بل في سهولة إنتاجه وتعديله باستخدام أدوات أصبحت متاحة على نطاق أوسع