عروس الرمال "الأُبَيِّض".. مسيرة مدينة سودانية مع الحروب
16 يونيو 2026
على الرغم من وداعتها وبساطتها، وهي تستلقي وسط تلالها الرملية التي زيّنتها عروسًا في بوادي كردفان منذ أمد طويل، إلا أن مدينة الأُبَيِّض عاشت عبر تاريخها قسوة الحرب والاقتتال والحصار أكثر من مرة. وليس بغريب على المدينة وسكانها، التي وضعها قدرها الجغرافي أن تكون الرابط بين غرب السودان وشرقه، أن تكون مسرحًا للصراعات الكبرى التي شهدها السودان.
شهدت المنطقة قبل الغزو التركي للسودان معارك مستمرة بين السلطنات والممالك التي كانت سائدة. ففي مرحلة كانت الحروب بين مملكة "المسبعات" التي أُنشئت في كردفان ومملكة "سنار" التي أرادت التوسع غربًا والسيطرة على الموارد وطرق التجارة. وانتقلت في مرحلة أخرى إلى أطماع سلطنة دارفور في أراضي كردفان في ذلك الوقت، وتمكنت من السيطرة عليها.
انتقل الصراع بعد دخول الجيوش التركية السودان وتوسعها غربًا إلى أن سيطرت على مدينة بارا شمال مدينة الأبيض، لكنها اتخذت من الأخيرة مركزًا عسكريًا وإداريًا لها.
الحصار الأول
اعتبر قادة الثورة المهدية، التي انطلقت ضد الحكم التركي، مدينة الأبيض هدفًا استراتيجيًا لهم في طريق تقدمهم العسكري لتحرير كافة أراضي السودان، حيث كانت المدينة تُعد من أقوى القلاع المحصنة عسكريًا في غرب السودان. وبعد فشل محاولاتهم المتكررة في اقتحام تلك القلاع والحصون والخنادق حول المدينة، إلى جانب السلاح والقوة النارية للأتراك، قرر المهدي استخدام تكتيك الحصار العسكري والاقتصادي لإسقاط المدينة بدلًا من الهجوم المباشر.
عاشت مدينة الأُبَيِّض عبر تاريخها قسوة الحروب والحصار أكثر من مرة، وبحكم موقعها الجغرافي الذي جعلها حلقة وصل بين غرب السودان وشرقه، تحولت مرارًا إلى مسرح للصراعات الكبرى في البلاد
أحاطت قوات المهدي المدينة بآلاف الجنود لقرابة خمسة أشهر، وقطعت عنها كافة خطوط الإمداد، ومنعت دخول المواد الغذائية وخروج أي فرد إلى خارج المدينة. كان الغرض هو تجويع السكان داخلها حتى تستسلم قيادة القوات التركية، وهو ما حدث بالفعل، إذ نفدت المؤن والمواد الغذائية التي كانت في المخازن مع نهاية الشهر الثاني للحصار، وأصبح الوضع الإنساني مزريًا، حيث اضطر المواطنون والجنود إلى ذبح البغال والخيول والحمير والجمال، ولجأوا إلى استخدام أوراق الشجر.
عند بلوغ نقطة اللاعودة، وإزاء ذلك الوضع، قرر حاكم المدينة محمد سعيد باشا وقادته العسكريون الاستسلام غير المشروط، وأصبحت الأبيض تحت سيطرة المهدي وجيوشه، واتخذها عاصمة مؤقتة له وهو يهيئ العدة للزحف نحو الخرطوم. وعندما حاول الأتراك استعادة المدينة بقيادة "هكس باشا"، نصبت قوات المهدي لهم كمينًا خارج المدينة في منطقة شيكان، واستطاعت أن تُحبط ما عُرف بـ"تكتيك الصندوق العسكري"، وهزيمة القوات التركية، وهو ما مثّل بداية انهيار الحكم التركي في السودان. وظلت المدينة خاضعة للدولة المهدية إلى أن سيطر عليها الإنجليز بعد غزو السودان، وأقاموا فيها الفرقة الخامسة مشاة "الهجانة"، إحدى أشهر الفرق العسكرية في الجيش السوداني.
ما بين الأمس واليوم
استهدفت قوات الدعم السريع مدينة الأبيض منذ الشهور الأولى للحرب، لكنها واجهت صعوبات كبيرة في السيطرة عليها حتى الآن. ولجأت إلى فرض حصار بري بقطع طرق الإمداد عن المدينة وعن قيادة الفرقة العسكرية فيها وألويتها المنتشرة في مناطق مختلفة من شمال كردفان. وأصبحت المدينة خلال الحرب الدائرة ملاذًا لمئات الآلاف من النازحين من المناطق الأخرى لكونها أكثر استقرارًا، لكنها شهدت في الوقت نفسه أزمة إنسانية نتيجة صعوبة وصول المواد الغذائية إليها في بعض الأحيان.
وعلى عكس ما حدث للقوات التركية في المدينة قبل أكثر من قرن ونصف، فشلت قوات الدعم السريع في فرض حصار شامل على المدينة، واتخذت من مدن سيطرت عليها حولها، مثل بارا، نقاطًا للهجوم المتقطع. وشنت القوات عدة هجمات في أوقات متفرقة منذ اندلاع الحرب على المدينة، واستهدفتها بالمدفعية الثقيلة وبالطائرات المسيّرة لزعزعة الاستقرار ودفع المواطنين إلى مغادرتها.
حرب المسيّرات
شهد العام الجاري تحولًا تكتيكيًا في استخدام الأسلحة النوعية في التعامل مع الوضع في كردفان عمومًا، إذ اتجه الطرفان إلى استخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف المواقع العسكرية والمدنية في مناطق سيطرة كل منهما. وشهدت الأبيض في الأسبوع الأول من شهر حزيران/يونيو الجاري تصعيدًا لافتًا في استخدام الطائرات المسيّرة، التي استهدفت أحياء سكنية ومحطات وقود، ما أوقع خسائر فادحة وسط المدنيين.
وفي الأسبوع الأخير، كثفت قوات الدعم السريع من استخدام أسراب الطائرات المسيّرة الانقضاضية والاستطلاعية لضرب مراكز الإمداد العسكري، ومستودعات الوقود، والمواقع اللوجستية للجيش داخل الأحياء، بينما يرصد الجيش السوداني ويستهدف الأرتال العسكرية وتعزيزات الدعم السريع في المناطق المحيطة بالمدينة مثل سودري والرهد، باستخدام طيرانه المسيّر لإبعاد خطر الهجمات البرية.
لم يعد الحصار الحالي يقتل صمتًا بالجوع كما في عهد المهدية، بل أصبح الخطر يأتي من السماء؛ حيث يتسبب القصف المدفعي والطائرات المسيّرة في سقوط ضحايا وسط المدنيين في الأحياء السكنية والأسواق التاريخية. ورصدت تقارير المنظمات الحقوقية تعرض منشآت مدنية ومحطات وقود، بل وحتى تجمعات مدنية، لضربات جوية بمسيّرات انقضاضية، ما أسفر عن تدمير منازل على رؤوس ساكنيها.
وبحسب كلمة للمفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف هذا الأسبوع، فقد وثّق المجلس مقتل أكثر من ألف مدني جراء الطائرات المسيّرة منذ مطلع العام وحتى أيار/مايو.
وعلى العكس من حصار المهدي لمدينة الأُبَيِّض الذي تضاءل فيه عدد السكان نتيجة الهروب والموت، تحولت الأبيض حاليًا إلى ملاذ آمن ومكتظ يضم قرابة مليون نازح فروا من مناطق القتال في دارفور وبقية أجزاء كردفان، ما يضاعف الكارثة الإنسانية في حال حدوث أي اختراق أمني، خاصة بعد تجارب مماثلة في مدن مثل الفاشر التي شهدت انتهاكات موثقة لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.