عراق تائه بين السفارات وتلفوناتها

عراق تائه بين السفارات وتلفوناتها

أحمد فلاح/ العراق

أتذكر جيدًا كيف كانت العاصمة الأردنية عمان أرض الحياد التي يلتقي فيها منتخبنا الوطني العراقي مع نظيره السعودي قبل عام 2003، عندما كانت العلاقة متوترة، ولا زالت، بين الطرفين. المنتخبان كانا يرفضان الذهاب للعب إحدى مباريات تصفيات كأس العالم أو التصفيات الآسيوية في بلد الآخر. كانت عمان تحتضنهما.

قبلنا أن تكون الساحة العراقية ساحة "الحياد" التي تُدار عليها الصراعات بين الدول العظمى في المنطقة

ولأننا في العراق نستفيد من تجارب الأمم ونتبادل الخبرات معها، قررنا بعد عام 2003 رد الجميل إلى السعودية وإيران وأمريكا وروسيا، وعباد الله أجمع، وقبلنا أن تكون الساحة العراقية ساحة "الحياد" التي تُدار عليها الصراعات بين الدول العُظمى في المنطقة. باللاشعور أصبحنا هكذا، نستضيف الصراعات بين البلدان في بلدنا، إذا تخاصمت السعودية وإيران فلهما الملعب المذهبي، وإذا تخاصمت روسيا وأمريكا فلهما الملعب المذهبي لكن (VIP).

نحن لا نختلف عن بلدان المنطقة، هم يستضيفون محافل دولية، ونحن كذلك. مثلًا، قطر استضافت مسابقات رياضية كبيرة جدًا، خاصة عام 2006 عندما أقيمت على أرضها الأولمبياد الآسيوية، حينها كنا نستضيف نحن صراعًا سعوديًا – إيرانيًا، فكرته دعم كل دولة منهما جماعة مسلحة لتعزيز الاقتتال في البلاد. كنا نستضيف كذلك في كل منطقة العوائل التي هُجرت من منطقة لأخرى.

حتى الحرب العراقية – الإيرانية كانت حربًا بالنيابة، "علينا الرجال وعلى بعض العرب المال". نحن متفضلون على العالم أجمع، فمشاكلهم تبدأ وتنتهي على أرضنا، بينما هم غارقون في النعيم، متخمون بالسعادة، منهكون من الراحة.

على مستوى المجتمع نحن منقسمون. هذا يفخر بالتحالف الدولي لأن أمريكا ترأسه، ويسعى إلى "أمركة" المجتمع. الآخر يفخر بمحور "الممانعة" لأن إيران تقوده وتموله، ويحاول "أيرنة" المجتمع. هذا فرح حد البكاء بالتحالف الرُباعي، لأن الأشقاء الروس قرروا تشكيله، ويسعى إلى تقارب شيعي – روسي أكثر، بينما أولئك الذين يرون في أردوغان بطلًا إسلاميًا، مصرون حتى اللحظة على اتباع سياسته والثناء عليها.

في الجُمعة الأخيرة من الاحتجاجات التي تشهدها ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، تفاجأ الجميع بعلم كبير يجوب الساحة. تخيل أحدهم أنه علم حزب جديد أو تشكيل انبثق عن التظاهرات. آخرون اعتقدوا أن البعض أراد المزاح برفع علم متعدد الألوان، وقد ابتكره أحد المتظاهرين. لا.. إنه علم روسيا. رُفع العلم الروسي في بغداد بشكل كبير ولافت، قبل ذلك رُفع العلم الألماني، لكن بين رفع العلمين فارق كبير. من رفع العلم الألماني كان يشكر ألمانيا على مساعدتها للاجئين، لكن لا نعرف لماذا رُفع العلم الروسي؟ هل استقبلت روسيا لاجئين عراقيين؟ أم أنها ساعدت العراق في حربه ضد الإرهاب؟ أم ماذا؟

رُفع علم جديد في مظاهرات بغداد، البعض ظنه حزبًا جديدًا، آخرون اعتبروها مزحة، فيما بعد علم الجميع أنه علم روسيا

روسيا ليست منزهة، كما أمريكا وإيران والسعودية وغيرها ممن لعبوا دورًا سلبيًا في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان ودول أخرى، لكننا لم نفهم حتى الآن حقيقة هذا الأمر ونلهث وراءهم للحصول على رضاهم، ويسيل لعابنا بمجرد ذكر أسماء تلك الدول، وقد يحدث خلاف بيننا لأن الآخر انتقد دولة من اللاتي يتحكمن بمصائرنا. يُمكننا على الأقل في هذه الفترة تجاوز أي خلاف بيننا، وعدم الانصياع وراء سياسات تلك الدول، والتفكير جديًا بمستقبل بلاد تتمزق. العراق حائر الآن بين البقاء مع محور روسيا أو أمريكا؟ إذا بقي مع روسيا هل ستتخلى عنه أمريكا؟ وإذا ذهب إلى أمريكا هل سترضى إيران؟ نحن حتى اللحظة بلا هوية.

أتخيل المشهد في مكتب رؤوساء الجمهورية والوزراء والنواب العراقيين. اتصال من موظف في الخارجية الأمريكية يطلب منهم الثناء على دور التحالف الدولي. اتصال آخر من الكرملين يدعو للانضمام إلى حلف يقوده بوتين. على الجانب الآخر يطرق الباب ضابط في المخابرات السعودية ويساوم على قضية ما. في المساء يأتي الجنرال قاسم سُليماني ويضع سياسة خاصة لـ"عراقه"، بينما يبقى ساسة العراق ضائعين بين سفارة أمريكية وإيرانية، أو يقفون على الحياد، وكله على حساب العراق.

اقرأ/ي أيضًا:
وداعًا أبا حسين.. أهلًا أبا علي

بوتين وسورية.. أول الرقص حنجلة