عدنية شبلي في روايتها

عدنية شبلي في روايتها "تفصيل ثانوي".. الحكاية من هوامشها

الروائية عدنية شبلي (Hartwig Klappert)

في حكاية لم تنته منذ 72عامًا، طال فيها الغياب عن الأرض والمكان، ونمت أجيال عديدة بعيدة عن مطارحها الأولى، تُطلّ علينا عدنية شبلي في روايتها "تفصيل ثانوي" (دار الآداب، بيروت 2017) لتحيي من جديد ما في الوجدان من قهر عن اغتصاب الأرض والإنسان، في سردية مفعمة بالبساطة أحيانًا، وبالتكرار أحيانًا أخرى، خصوصًا في الفصل الأول حيث تقوم بالتصوير الدقيق لإقدام قائد كتيبة إسرائيلية وجنوده باغتصاب فتاة عربية وقتلها رميًّا بالرصاص عام 1949 تحديدًا في 13 آب/أغسطس، في الجنوب الغربي من صحراء النقب.

في روايتها "تفصيل ثانوي" تحيي عدنية شبلي من جديد ما في الوجدان من قهر عن اغتصاب الأرض والإنسان، في سردية مفعمة بالبساطة 

مرَّ هذا التفصيل بعد أحداث مهمة لم تقم الكاتبة بسردها، وهي أحداث حرب عام 1948 بين العرب وقوات الحركة الصهيونية آنذاك، ونكبة الأرض والبشر واغتصاب شعب وتهجيره وتدمير قرى وحرق أخرى.. لكننا هنا أمام تفصيل صغير، يركّز على اغتصاب فتاة عربية لا نعرف شيئًا عن ملامحها أو اسمها، أو حتى هويتها، في رمزية تمتد لتطال اغتصاب الأرض والإنسان معًا.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "الجزائر عاصمة الثورة.. من فانون إلى الفهود السوداء": وثيقة هويّة

حادثة الاغتصاب هذه تُكتب في جريدة إسرائيلية بعد خمسة عقود من الزمن، لتتصادف قراءتها من قبل كاتبة فلسطينية مقيمة في رام الله، لها تاريخ ميلاد هو تاريخ اغتصاب الفتاة وقتلها مفسها، 13 آب/أغسطس. هذا التاريخ، أو التفصيل الثانوي من عملية القتل، هو ما يثير عند البطلة في الجزء الثاني من الرواية الفضول لمعرفة المزيد عن ملابسات الجريمة، ما يدفعها إلى التوجه إلى مكان القتل في صحراء النقب.

تأخذنا الكاتبة عبر بطلتها، التي لا نعرف اسمها أيضًا، إلى فضاء مكاني يبدأ من رام الله حتى مناطق فلسطين المحتلة مند عام 1948، وتقسيماته: أ وب وج. تأخدنا عبر جدار الفصل العنصري، عبر الحواجز، عبر القرى التي اندثرت وأصبحت مستوطنات. إنها جولة تصورية للمكان الذي لا يشبه المكان الأول، في الخارطة الفلسطينية التي لا تشبه الواقع، من لافتات الطرق التي أصبحت بالعبرية والعربية والإنجليزية، إلى الخارطة الإسرائيلية الجديدة، إلى المتاحف التي أنشئت بعد الحرب لتمجيد دور الجيش آنذاك وعن الهفوات التي ارتكبت من قبله، كاغتصاب الفتاة وقتلها.

للآخر صوت سردي

للآخر، وهو المحتل والمنتصر، صوت يقوم بسرد وقائع التخييم في المعسكر المقام جنوبي غربي صحراء النقب لترسيم الحدود مع مصر عام 1948 خلال الهدنة المقامة بين العرب والصهاينة، ولمنع "المتسللين" (التعبير الصهيوني عمن حاولوا العودة إلى بلادهم) العرب من اختراق الحدود، وأيضًا للقيام بالتدريبات العسكرية في الصحراء (ص 7).

هذا السرد البسيط والمكرّر يجعلنا نرى عن قرب ما فعلوه أثناء القيام بجولة عسكرية روتينة في الصحراء، وكيفة إيجاد مجموعة من العرب وقتلهم بدم بارد عدا فتاة واحدة، لا نعرف من خلال الرواية شيئًا عن ملامحها، تُؤخذ معهم بالقوة وهناك يتناوب على اغتصابها كلٌّ من قائد الكتيبة وجنوده إلى أن تُطلق عليها النار ويتم طمرها في حفرة بطول مترين وبعرض نصف متر (ص 59) بعد يومين من إيجادها.

نجحت عدنية شبلي في رواية "تفصيل ثانوي" في جعل الآخر يقول حكايته بحيادية تامة من قبلها، ولم تُسقط على السرد أي من عواطفها

نجحت عدنية شبلي في جعل الآخر يقول حكايته بحيادية تامة من قبلها، ولم تُسقط على السرد أي من عواطفها. وبتفاصيل دقيقة يصبح لدينا تصور مسبق عما جاء في المقال حول عملية الاغتصاب في الصحف الإسرائيلية بعد عقد من الزمن.

محاولة

"هذه الحادثة أو الأصح تاريخ حدوثها هو التفصيل الذي أثار انتباهي بالتحديد، قد يعود إلى أنه فعلًا ليس هناك ما هو خارق للعادة في تفاصيلها الرئيسية، إن تمت مقارنتها مع الأحداث اليومية في مكان يطغى عليه صخب الاحتلال والقتل الدائم" (ص 71).

اقرأ/ي أيضًا: أسرار عن همنغواي بعد 59 سنة على رحيله

من هذا التفصيل تبدأ محاولة البحث عن هوية الفتاة المقتولة في 13 آب/أغسطس 1949، في نفس المكان وهو صحراء النقب، لتبدأ متاهة المكان وغربة الانتقال، وتبدأ مرحلة الخوف من الحواجز، من الطرقات، من الآخر الذي امتلك المكان وفرض واقعًا جديدًا، إلى الخوف من الهوية المستعارة لأجل التمكن من السفر إلى الصحراء، وغيرها من تفاصيل الكبيرة والكثيرة التي أصبحت اعتيادية كتفجير إحدى العمارات أو فرض حظر ما.. كله ليكون الثانوي، الجانبيّ، الهامشي، في قلب السرد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الطغيان.. أثر الشعر

رواية "ثلاثة أيّام في كازابلانكا" لإسماعيل غزالي.. نزع حجاب المدينة