عدسات تبحث عن مدن لا مرئية

عدسات تبحث عن مدن لا مرئية

من أعمال نادي الفوتوغرافيين

يُقال إن فنّ التصوير هو فن ينظم ما هو مبعثر. وقد أدرك عمر شنافي صاحب مبادرة "نادي الفوتوغرافيين" هذه القاعدة وذهب باتجاه تأسيس النادي من قلب المدينة العتيقة بفاس المغربية يتحدث عن تاريخ الحضارة والمستقبل الذي يستشرف المدينة.

البحث عن فاس، المدينة الضائعة، تلك هي الغاية المثلى لنادي المصورين 

ثمة مدينة لا مرئية تتضيع في الدروب وبين ثنايا الزخارف الإسلامية الأندلسية، يحاول شنافي من خلال تجربة النادي مع أعضائه أن ينفضوا عنها الغبار، ويظهروها فوتوغرافيًا من أجل تشكيل حالة من الوعي والالتفاف حولها. يقول شنافي لـ"ألترا صوت": "تصعب علينا المهمة في سياق بناء الوعي. أن تخلق مدينة من خلال فن فوتوغرافي له بعد فني واجتماعي وإنساني ينقل حالة المدن؛ يعني أن تلتزم بنوع من المسؤولية والصدق أمام الصورة".
 
إذن البحث عن المدينة الضائعة هو الغاية المثلى للنادي، وغاية أخرى نبيلة تتمثل بإتاحة متنفس للفوتوغرافيين الهواة من فئات عمرية مختلفة وممن ليس لديهم مؤسسات تسوق منتوجهم الصوري أن ينضموا إلى النادي ويشاركوا في أنشطته، معارض وندوات ثقافية وموسيقية ومهرجانات متنوعة. 

ولد شنافي في أزقة المدينة العتيقة وعاش فيها، بين أهلها وعاداتهم وطقوسهم ويومياتهم. المدينة الإدريسية التي بناها الأدارسة على فترتين، مرة سنة 789م حيث بناها إدريس الأول على الضفة اليمنى من واد فاس بحي الأندلسيين، ثم أتمها إدريس الثاني سنة 808 على الضفة اليسرى من نفس الواد بحي القيراونيين، ثم تعرضت من بعدهم لتحولات عمرانية وديمغرافية بعد سقوطها بيد يوسف ابن تاشفين وما جاء بعده. قصة التأسيس طويلة، وشرحت تفاصيلها من المسلمين والمستشرقين نجدها في كتب ومخطوطات عدة، والغوص فيها يحتاج للتفرغ. 

عندما سألنا شنافي لماذا اخترت المدينة العتيقة (تخضع حاليًا لترميم يطول كافة معالمها التاريخية البارزة فيها بعد اعتراف اليونسكو بها على أنها تراث عالمي) على تعقيداتها وتراثها الضارب في القدم، أجابنا "الافتخار بها"، مردفًا: "كما ما زالت المدينة قطب للصناعية التقليدية وقلب الحضارة في المغرب. ونحن كمغاربة يجب علينا المساهمة في صنع مستقبل فاس خاصة الفئات التي تعمل داخل أسوارها. فنسبة الشباب والحرفيين فيها تبلغ 70% إلى 80% تقريبًا".

يوثق عمر شنافي بعدسته تراث المدينة اللامرئي وعلاقة الناس به وكيفية الحفاظ عليه

شنافي الذي دمغ بروح المدينة بعد أن عاش حياته، التسعة وعشرين سنة، فيها وبين أهلها وعاداتهم وطقوسهم يقول لـ"ألترا صوت": "نطمح أن ننقل صورة إيجابية عن فاس في حين الواقع يفرض الإيجابي والسلبي"، ويتخوف في هذا السياق من التلفيق على الواقع أو الكذب الذي ربما سيلوح في الصورة بطريقة ما، ولكنه يعزم على أن فاس "الإيجابية" هي رؤيته وسيستمر فيها، وأضاف: "أراها مدينة فريدة. لا أراها كأجنبي أو مستثمر. فيها موروث بشري وطاقات هائلة. أما من ناحية المعمار يخصنا التنظيم والاهتمام والتخصص". 

يقوم نادي المصورين الذي يعتبره شنافي "قيمة" مضافة للمدينة، على أساس حالة من التنافس الثقافي مع مؤسسات أخرى تعمل من أجل فاس. وما يميزه هو الصورة البصرية التي لا تحتاج لكثير من التواصل أو الدراسات الأكاديمية ولكنها توصل الرسالة مباشرة وللجميع. توسع النادي من كونه محلي إلى نادي يلمّ فوتوغرافيين عالميين إلى باحته، يقول شنافي: "نحن بصدد تنظيم أول مهرجان للصورة في فاس بطابع دولي وبمسمى "الصورة المقدسة"، أي الصورة التي لها دلالة على روح فاس وحقيقتها".

إلى جانب هذا كله، يساهم النادي بطريقة مباشرة وغير مباشرة بتوثيق المراحل والإرهاصات التي تمر بها المدينة اقتصاديًا واجتماعيًا، ففاس اليوم ببعدين، بعد بهوية مغربية- تقليدية مطلوب منه الحفاظ ما أمكن على العادات والتقاليد الفاسية، وبعد دولي- سياحي استثماري يمكنه أن يشتري البيوت القديمة ويستثمرها لصالحه ويصبح فيها أهل المدينة أجيرين لدى هذا البعد. 

يوثق شنافي بعدسته تراث المدينة اللامرئي وعلاقة الناس به وكيفية الحفاظ عليه وعلى البصمات التاريخية، التي تظلل المدينة من باب "بوجلود" إلى ساحة "للايدونة" والمدارس والمساجد والزوايا التي تملأ خبايا المدينة. ويزيح حالة من قلة الثقة التي يعيشوها أهل مدينة فاس تجاه المدينة العتيقة بالذات بفعل أنها أصبحت بؤرة للفساد، ولكن شنافي ورغم صعوبة الأمر إلّا أنه يحاول أن يعطي انعكاس ضوئي آخر وإيجابي للمدينة. يقول: "يؤلمني أن تستعير الناس من المدينة القديمة. على الجميع أن يساهم للرقي والافتخار بها. هناك أشخاص يملكون دكاكين برأس مال يصل يوروها واحدا ولكن لا يودون مغادرة أماكنهم، ومعا يمكننا النهوض وإزالة الستائر غير المرغوب بها عن المدينة". 

اقرأ/ي أيضًا:

عمر محفوظي.. درس في الاحتجاج

الموسيقى الأندلسية.. وقت مع أحفاد زرياب