عتبة الرواية.. كيف تفجرت حارة محفوظ وعزلة ماركيز؟

عتبة الرواية.. كيف تفجرت حارة محفوظ وعزلة ماركيز؟

 تتوفر مساحة معقولة للقول بأن العمل الأدبي إنما هو ابن لحظة، بما هي لحظة خلق ابتكاري عندما يقفز من ذهن/تجربة المبدع إلى مساحة البوح. لكن لا يُذهب إلى التعاطي مع اللحظة بمداها الوقتي، بقدر ما هي تكثيف لتجربة أو لحظة مكاشفة مع الذات الإبداعية أو تجاربها. لاحقًا، يتعرض العمل الأدبي، خصوصًا الروائي، أو يعرض سرديته للمحاكمة النقدية وفق كيفية تعاطيه مع لحظة خلقه وخروجه منها كما ترجمته للفواعل التي آلت به إليها. هنا مراجعة للحظة توفرت لدى كل من نجيب محفوظ وغابرييل غارسيا ماركيز، جعلت لهما أثرًا خالدًا في عالم الرواية والسرد، لكن قبل ذلك كله في عالم البوح والتقاط اللحظة الإبداعية أو الانطلاق منها.

مئة عام من العزلة

عندما استقرّت "مئة عام من العزلة" في رأس غابرييل غارسيا ماركيز، كان الأخير يأخذ نفسًا عميقًا داخل سيّارته التي نجت لتوّها من الاصطدام ببقرة كانت تعبر الطريق الذي سلكهُ باتّجاه مدينة أكابولكو. هناك، على شاطئ المُحيط الهادئ، حيث كان من المُفترض أن يقضي عطلة نهاية الأسبوع برفقة زوجته وابنيهما، لم ينل غابو لحظة راحة واحدة. شَعر حينها برجّة نفسية حادّة وجارفة تعبرهُ بين الحين والآخر، مُتحكِّمةً بمشاعره ووعيه، تمامًا كما لو أنّها تعزلهُ عمّا حولهُ.


غابرييل غارسيا ماركيز مطلع سنة 1981 (باكو خوانكيرا/Getty)

في البداية، أدار ماركيز ظهره لها، ثمّ استسلم مُدركًا أنّها تتمدّد في راسه بقدر محاولاته للفكاك منها. ما الحكاية؟ لا يعرف ولكنّه شَعر بشيء ما يدفعهُ لفعل شيء آخر لن يُدركه حتّى يعود إلى منزله في مكسيكو سيتي، حيث سيجلس لكتابة جُملة جالت طويلًا داخله، حتّى أدرك أنّه لن يقوى على حملها أكثر: "بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام، سيتذكّر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه فيه أبوه للتعرّف على الجليد".

منذ استهل ماركيز كتابة "مئة عام من العزلة" لم يتوقّف عن الكتابة يومًا واحدًا، ولم تعد  ممارسة الحياة لديه، بالشكل الذي كانت عليه قبل كتابة الجملة الاستهلالية، أمرًا مُمكنًا

إنّ الكيفية التي أوقعت بها جُملة استهلالية كهذه بماركيز في شراكها، غريبة حقًّا. كانت قد أدخلته في حلم مُدمّر، لم يتوقّف فيه عن الكتابة يومًا واحدًا، ولم تعد فيه ممارسة الحياة، بالشكل الذي كانت عليه قبل كتابة هذه الجملة، أمرًا مُمكنًا. حدث هذا التغيُّر في يوم واحد فقط، ثمّ أخذ يلوِّن حياة غابو بأكملها، ليُدرك الأخير بعد فترة قصيرة أنّ موارده المالية التي حافظ عليها، بدأت تقلّ وتشحّ، وتكاد تنضب.

اقرأ/ي أيضًا: العربيّ عند ماركيز.. مقيم ومقاوم

طلّت حياة جديدة كُلّيًا على غابرييل غارسيا ماركيز؛ حياة مُستحيلة، بمال شحيح إن توفّر، ووقتٍ لا يبدو كافٍ، ينصرف فيه إلى الكتابة بينما تبذل مرسيدس، زوجته، جهدًا كبيرًا لتأمين مستلزمات المنزل والحصول على المال لشراء ما يلزمهما للبقاء أحياء، وإمداد زوجها بالورق الذي كان مُفرطًا في استخدامه، وإتلافه أيضًا، فالكتابة آنذاك كانت كلّ ما بوسعه أن يفعلهُ.

كانت القصّة تلحُّ عليه، وتُطالبه بالمزيد من الوقت، فصرف لها شهورًا كاملة، يستعيدها برفقة الكلمات التي تراكمت آنذاك فوق أوراقه الخشنة والمُناسبة لوضعه الماليّ البائس، كما يستعيد أيضًا ديونه المُتراكمة عند دكّانة الحيّ، والجزّار، وصاحب البيت الذي قطعت لهُ مرسيدس وعدًا بأنّ تسدّد المبلغ كاملًا بعد ستّة شهور! في استعادته لتلك الفترة، يطيب لماركيز أن يعترف بأنّ هدايا أصدقائه آنذاك كانت بمثابة معجزات بالنسبة إليه ولمرسيدس، وأنّه لولاها، لما ظلّوا أحياء في ظلّ الهذيان الشديد الذي دخلوا فيه منذ أن جلس إلى الآلة الكاتبة واضعًا الكولونيل أمام فصيلة الإعدام، إلى أن غادرها بعد أن جرف العار ماكوندو في النهاية.

المسافة الفاصلة بين فصيلة الإعدام والعار، قطعها ماركيز بعد أنّ مرَّ بـ"جبل الرحمة"، حيث أودع/ رهن، ولمدّة عامٍ ونصف تقريبًا، أفضل ممتلكاتهما، هو وزوجته. كان المكان خلاصهما من أزماتهما المُتتالية، وعثراتهما اليومية التي رافقتهما طيلة تلك المدّة، مُحاولين تجنّب إغراءات العقود ذات الفوائد وإنهاء الرواية التي تجلّت لماركيز نهايتها عند منعطف أحد الشوارع، فأدرك أنّ عليه تبييض نسختها النهائية على ورقٍ نظيف، وهو ما تكفّلت به اسبرانسا أريسا التي تساهلت مع ماركيز كثيرًا بشأن مستحقّاتها المالية.

وصلت إلى ماركيز، قبل انتهائه من الرواية بفترة، رسالة من باكو بروا يطلب فيها أن يمنح دار "سود أمريكانا" نصًّا روائيًا من نصوصه. كانت كتبه حينها مُرتبطة بعقود طويلة الأمد، لا تسمح له بأن يمنح حقوقها لناشر آخر. لذا، أبلغهُ ماركيز بأنّه يعمل لتوّه على رواية جديدة بوسعه إرسالها له خلال الأيام القادمة، ليردّ باكو بالموافقة، ويُرسل لماركيز شيك بقيمة 500 دولار أمريكي فقط لا غير كانت كافية لتسديد إيجار المنزل المُتراكم منذ شهور طويلة.

سنة ونصف من الكتابة انتهت بوقوف ماركيز ومرسيدس بداية آب/ أغسطس سنة 1966 في مكتب بريد سان أنجل، ليبعثا إلى بوينس آيرس النصّ الأصليّ من الرواية الذي كان عبارة عن طرد يضمّ 590 ورقة نظيفة، أخبرهما الموظف بأنّ تكاليف شحنها 82 بيسوس. تفقّدت مرسيدس الأوراق النقدية في محفظتها، لتكتشف بأنّها تملك 53 بيسوس فقط. أزمة جديدة حُلِّت بتقسيم الطرد إلى قسمين مُتعادلين، وبإرسال النصف منه فقط.

عندما غادر ماركيز وزوجته مركز البريد، كانا محمّلين بسؤال: ماذا بشأن النصف الآخر؟ كيف سنحصل على المال؟ رأت مرسيدس في رهن خاتمي زواجهما هي وماركيز جوابًا عليه. ستودعهما في جبل الرحمة مقابل المال الذي ستحصلُ عليه هناك، وتُرسل عبرهُ النصف الآخر من الرواية التي أمضيا، ماركيز وهي، 18 شهرًا يُحاربان لإنهائها. هكذا، ولدت "مئة عام من العزلة".

أولاد حارتنا

بعد سنوات عديدة، سيجد نفسه مُنجذبًا إلى الأدب مُجدّدًا. هناك حكاية مُثيرة لمعت في ذهنه فجأة، فشعر بدبيب غريب جال في أوصاله، طاويًا صفحة خمس سنوات مضت على قراره بالتوقّف عن الكتابة نهائيًا. ما الذي يحدث؟ يسأل نجيب محفوظ نفسه، ثمّ ينصرف عن السؤال مُدركًا بأنّ الأديب الذي استشعر موتهُ، بُعث مرّة أخرى عبر حكاية ستُعرف فيما بعد بـ "أولاد حارتنا".


نجيب محفوظ سنة 1999 (رافائيل غالباردي/Getty)

توقّف محفوظ طويلًا أمام الحكاية، وتذكّر أنّه خلال السنوات الخمسة، 1952-1958، لم يحدث أن جذبه نحو الأدب شيئًا فما الذي تغيَّر؟ ينتبه إلى أنّ السؤال يلحُّ عليه، فينصرف عنه مُجدّدًا، دون نيّة بالعودة إليه. رأى حينها أنّ تمضية الوقت في كتابة الحكاية المُستقرّة في ذهنه، خيرٌ له من البحث دون جدوى عمّا يسدّ به جوع أسئلةٍ حاصرتهُ فجأة. سأكتب... سأكتب فقط دمدم في سرّه وانكبّ على الحكاية التي ستُصبح بعد وقتٍ قصير حديث الصحافة المصرية.

لم يكن من السهل على نجيب محفوظ أن ينجو برواية أولاد حارتنا وسط التجاذبات الأيدولوجية والحسابات السياسية التي استهدفت العمل كما استهدفته شخصيًا

انفردت آنذاك صحيفة "الأخبار" بأوّل حديث عن رواية نجيب محفوظ الجديدة، بعد أن جاء أنيس منصور على ذكرها للمرّة الأولى في حواره مع محفوظ (4 تشرين الثاني/ نوفمبر، 1958): "يتطلّع نجيب محفوظ حوله، فأفهم أنّ جرس المحطّة دق وأنّ القطار في طريقه إلى البيت ليأكل وينام ويصحو ويبدأ في كتابة الصفحة الأولى من قصّة طويلة سيفرغ منها بعد سنتين بالضبط، واسمها: أولاد حارتنا".

اقرأ/ي أيضًا: اعترافات نجيب محفوظ في حوار مجهول

انتبه محفوظ آنذاك إلى أنّ الصحافة المصرية وقعت، بعد محاورة أنيس له، على كنز ثمين ووجبة دسمة: عودته إلى الكتابة فجأة والحكاية التي عادت به إلى أحضانها بعد خمس سنوات مضت دونها. أدرك وقتها أنّ الفكاك من الصحافة لن يكون سهلًا، فاستسلم لأسئلة صحيفة "الأهرام" في البداية، لتكون أوّل صحيفة تحظى بحديثٍ لمحفوظ نفسه حول روايته الجديدة التي نشرت مجلّة "البوليس" تقريرًا موسّعًا عنها بعد أربعة أيام من سؤال الأهرام: ما أمنيتك؟ ليُجيب آنذاك: "أمنيتي أن أواصل كتابة رواية "أولاد حارتنا" التي بدأت فيها".

في يوم 22  أيلول/ سبتمبر عام 1959، أخذ نجيب محفوظ بين يديه صحيفة "الأهرام" وفردها أمامه يقلّب صفحاتها صفحةً بعد صفحة، إلى أن وصل إلى الصفحة العاشرة، حيث نُشرت الحلقة الأولى من روايته الجديدة. أعاد الصحيفة إلى مكانها، واستعاد الحادثة التي وصلت بـ "أولاد حارتنا" إلى الأهرام دون غيرها. يذكر أنّ الأمر حدث في منزل إحسان عبد القدوس، صديقه الذي أعدّ له حفلًا صغيرًا بمناسبة نيله جائزة "الدولة".

هناك، اقترب منه عليّ حمدي الجمالي الذي كان مُديرًا لتحرير الأهرام، وأبلغهُ بأنّ رئيس تحريرها محمد حسنين هيكل يرغب بأن ينشر، محفوظ، نصًّا من نصوصه الأدبية في الصحيفة. لم يكن محفوظ في تلك الأثناء قد بدأ بكتابة "أولاد حارتنا"، ولكنّه وعد الجمالي بأنّ يبعث إليه بأوّل رواية سيكتبها. سيتذكّر نجيب هذا الوعد ما إن يفرغ من الكتابة، فيبعث بالرواية إلى الجمالي الذي سلّمها إلى هيكل، ليُبلغه الأخير، بعد أن قرأها في ليلة واحدة، بضرورة نشرها في الصحيفة.

الهدوء الذي صاحب نشر "أولاد حارتنا" في البداية، زال بعد الحلقة السابعة عشرة، وحلّت مكانه مطالب يومية بوقف النشر. تجاهلت الصحيفة تلك المطالب التي وصلت إلى الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر، فأوضح له هيكل ما حدث ويحدث بالتفصيل، فسمح له بمواصلة نشرها. راقب نجيب محفوظ ما يحدث بدهشة، وحاول أن يُحصي مصادر النيران التي فُتحت عليه من كلّ صوب وحدب. فاجأه آنذاك دخول "مشيخة الأزهر" على خطّ الأزمة، بالإضافة إلى عددٍ من الشخصيات الأدبية والثقافية، ليتعقّد المشهد أكثر، ويصل إلى عبد الناصر مُجدّدًا.

كان عبد الناصر آنذاك مُمتعضًا، هذا بالضبط ما استنجتهُ هيكل، ليُسارع بتقديم اقتراحه: "خليهم يعملوا لجنة من رجال الأزهر ويفحصوا الرواية". أومأ الريّس برأسه موافقًا، وأُبلغت "مشيخة الأزهر" بأمر اللجنة، فأدرك هيكف بأنّه كسب المزيد من الوقت لنشر ما تبقّى من الرواية الملعونة! كان هيكل يعرف، كما محفوظ، بأنّ قرار المنع آتٍ لا محالة، فحاول استغلال الوقت لإنهاء نشرها حتّى آخر كلمة.

في العودة إلى أزمنةٍ مضت، يكتشف محفوظ أنّ الأزمة اشتعلت بعد أن نشرت صحيفة "الجمهورية" خبرًا ادّعت فيه بأنّ روايته تتعرّض للأنبياء، فكان بمثابة الفتيلة التي أضرمت النيران حوله وحول "الأهرام". راقب حينها الكيفية التي وضعت بها روايته في صلب الصراع السياسيّ والأيديولوجيّ القائم في البلد، والمُحاولات المبذولة لتوظيفها لمصالح خاصّة واستغلالها لتحقيق أهداف سياسية معيّنة. شَعر حينها أنّه بات مُنقسمًا إلى نصفين، أوّل يعدّ الجهات التي فتحت عليه النيران وآخر يسأل: لماذا؟

لسنواتٍ طويلة، بقيت "أولاد حارتنا" قابعة في صفحات صحيفة "الأهرام" فقط. ألمَ نجيب محفوظ بشدّة المصير الذي آلت إليه روايته، وألمه أكثر ما أُكيل له من اتّهامات ستجدّد بين وقتٍ وآخر، ليجد نفسه مُضطّرًا، بعد سبعة سنوات مضت دون إطلاق سراح الرواية، بالمغامرة في نشرها في "دار الآداب" في العاصمة اللبنانية بيروت، ليُسارع مجتمّع البحوث الإسلامية برئاسة محمود حبّ الله لإصدار تقرير رسميّ يمنع ويحرّم تداول "أولاد حارتنا".

كانت "أولاد حارتنا" في الثامنة والعشرين من عمرها حينما نال "نوبل للآداب"؛ يستعيد محفوظ هذه التفاصيل في الوقت الذي يستعيد فيه الهجمات التي تعرّض لها بسبب الجائزة السويدية، والاتّهامات التي أشارت إليه بالعمالة والخيانة، وقالت إنّه نال الجائزة بسبب مواقفه من "كامب ديفيد"، وتساهله مع اليهود. كما يستعيد ما أُشيع على الطرف المُقابل الذي رأى أنّ الجائزة جاءت تتويجًا لمواقفه من الإسلام.

اعتدل محفوظ في جلسته وضحك: "أزمة الرواية الملعونة دي أصلها أزمة قراءة"، يقول مُدافعًا في وجه حملة جديدة وجدل آخر فجّرته فتوى الخميني بإهدار دمّ سلمان رشدي نهاية الثمانينيات بسبب روايته "آيات شيطانية". كان أخطر ما جاء في تلك الحملة هو موقف مفتي الجماعة الإسلامية عمر عبد الرحمن: "لو أنّ الحكم بالقتل نُفِّذ في نجيب محفوظ حيث كتب "أولاد حارتنا"، لكان ذلك بمثابة درس بليغ لسلمان"، ثمّ عاد وأضاف بعد فترة قصيرة: "لو قتلنا نجيب محفوظ من 38 سنة مكنش طلع سلمان رشدي".

يستعيد محفوظ موقف مفتي الجماعة الإسلامية، فيستعيد في الوقت نفسه رأيه بما ورد على لسانه آنذاك، إذ كان يرى حينها أنّ كلامه ليس فتوى بالقتل، وإنّما مجرّد جُملة شرطية. فاته في ذلك الوقت أن يكون موقف عمر رسالة لقتله، ولن يدرك ذلك إلّا بعد أن يغرس محمد ناجي مطواة قرن الغزال في عنقه، دون أن يتمكّن من قتله كما يليق بـ "كافر" تعرّض للأنبياء في رواية ملعونة تحملُ عنوان "أولاد حارتنا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

رواية "1900" ألساندرو باريكو.. حين يأتي العالمُ إليك

جنس وكَذب ويأس.. الغارديان تنشر مكاشفات مونيكا جونز وفيليب لاركن الغرامية