عبّاد يحيى.. صداقة تسوسها الكتب

عبّاد يحيى.. صداقة تسوسها الكتب

تجهيز من مجموعة "wilco artbooks"

تدين مكتبتي الحالية -التي لا تزال قيد التّأسيس وستظلّ كذلك حالها حال المكتبات في كل مكانٍ- في رفوفٍ كاملةٍ منها لعبّاد يحيى، وهذه حكاية آن لي أن أرويها.

يريد أن يقرأَ الكتاب وأن يُقرِئه لكي يفهم ما يفهمه هو ذاته مرّةً، وأن يفهم ما يفهمه الآخر مرّةً أخرى

تعرّفت إليه في سياق التحضير لإطلاق موقع "ألترا صوت" بوصفه رئيس التحرير، ومن سوء حظه أنني مسلّح بنظرةٍ سلبيّةٍ من تجربةٍ سابقةٍ علّمتني أن أسوأ تجارب العمل إطلاقًا هي تلك التي يكون فيها مديركَ كاتبًا، فمنذ سنواتٍ عملتُ في مجلة مديرها شاعر دمّر حياتي وحياة زملائي في قراءة نصوصه، حتى صرتُ مستعدًّا للبقاء عاطلًا عن العمل على أن أقضي ساعات الدوام في تلك الطبقة العليا من الجحيم.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبات الآخرين

تهيّبت الاحتكاك به متخيّلًا إياه ذلك المدير الذي كان يدعونا كل صباح إلى القهوة في مكتبه، لنجد أنفسنا في فخّ الاستماع إلى ما كتبه مساء اليوم السابق.

لم يطل الوقت بانهيار الصورة، فالرجل لم يتعامل على أساس أنه مدير على الإطلاق، بل كان مستعدًا على الدوام للقيام بعمل أيٍّ منا في حالات الضرورة، وبتلك المبادرة قلب الزمالة صداقة، لكنّ أهمّ ما حدث في هذه الصداقة هو الكتب.

هو قارئ شغوف. يقضي سحابة يومه في القراءة. في يده كتاب على الدوام، سواء كان ورقيًّا، أو نسخة منه للموبايل أو اللآيباد أو اللابتوب. كلما أنهى كتابًا نصح أصدقاءه به، مع شرحٍ مثير لطالما تمنيّت عليه أن يكتبه. ناهيك أن قراءاته التي تتنوّع كثيرًا بين الأدب والنقد والتاريخ السياسي وعلم الاجتماع... وغيرها، تجعل من مقارباته الشخصية تولّف توليفات تفتح الكتب على بعضها البعض كما لو أنّ كل ما بينها مجرد أبواب مغلقة.

حينما تعرّض للحملة المجنونة بسبب روايته "جريمة في رام الله"، جاء إلى ألمانيا في منحةٍ لم يطقها فقرّر الانسحاب منها بعد مدة قصيرة، لكنه خلال هذه المدة ملأ الشقة الذي سكنها بعشرات الكتب والمجلات، ولأنه يعرف صعوبة الحصول على كتب عربية في هذه البلاد منحني كل شيء طالما أنه يستطيع شراءه مرّة أخرى، آخذًا معه فقط المراجع التي يستند إليها في روايته الجديدة.

حين أزعل منه يهديني كتابًا. حينما يزعل مني يهديني كتابًا. كأنّ مناسباتنا مجرد ذرائع لبريد لا يرسل غير الكتب.

ألا يقولون إنَّ كثيرًا من أسرار الرواية قادم من علم الاجتماع؟ لماذا لا نضاعف هذا المعنى ونؤسّس علم اجتماع القراءة؟

أشعر أنه يشتري من كل كتاب نسختين، ومع الوقت صرتُ أدرك أن فيه نزوعًا غريبًا، إذ يريد أن يقرأَ الكتاب وأن يُقرِئه لكي يفهم ما يفهمه مرّةً، ولكي يفهم ما يفهمه الآخر مرّةً أخرى، فإذا كانت القراءة في العادة تأخذنا إلى محاولة فهم ما يريده الكاتب، فإن عبّاد يريد أن يفهم الكاتب والقارئ معًا. طموح كهذا جدير بأن يضيف صاحبه إلى قوائم المغامرين.

اقرأ/ي أيضًا:​ حديث عادي عن مجموعات أولى

قرأتُ كثيرًا من الأشياء بمزاجه، وعرفتُ كثيرًا من الأفكار بسبب سياسته كقارئ. وبين ذلك كله سألته مرةً عن سرّ هذه الهداية. ضحك قائلًا: "ألا يقولون إنَّ كثيرًا من أسرار الرواية قادم من علم الاجتماع؟ لماذا لا نضاعف هذا المعنى ونؤسّس علم اجتماع القراءة؟".

 

اقرأ/ي أيضًا:​

القراءة.. أعظم النعيم

كيف كانت القراءة الصامتة طريقًا إلى الحياة الفردية؟