عبير اسبر في رواية

عبير اسبر في رواية "سقوط حر".. دمشق كمكان لأزهار الشر

الروائية عبير اسبر

عندما كتب شارل بودلير ديوانه الشعري "أزهار الشر" كانت روحه مفعمة بالاحتجاج والسخط، لا على حالة الطرد من جنة أمه الشابة التي قرّرت الزواج من الجنرال أوبك قائد المنطقة العسكرية في باريس، بعد فترة قصيرة من وفاة والده الأب بودلير، بل على مظاهر القبح التي أفرزتها باريس الرأسمالية المأخوذة بقيم الكسب السريع والجشع والأنانية، تلك المدينة التي أخذ عليها بودلير عدم مبالاتها بعذابات العجائز الوحيدات والعاهرات المُحتقرات، ناهيك عن لامبالاتها بكرامات الشحاذين والعميان وضعيفي الحال.

القبح المرصود جماليًا في رواية عبير إسبر هو الموت بطعومه المختلفة، أي تلك الدروب التي يسلكها إلى حيوات ضحاياه

من جماليات القبح في باريس عند بودلير إلى جماليات القبح عند عبير إسبر في دمشق في روايتها "سقوط حر" (دار نوفل، 2019) الخط واحد هو اكتناه مقدار القبح الذي يكتنه حياة البشر، سواء كان مصدره التحولات الاجتماعية القاسية من نظام الإقطاع إلى النظام الرأسمالي، أو كان مصدره الحكم المافيوي لإحدى العائلات على غرار حكم عائلة الأسد لسوريا.

اقرأ/ي أيضًا: "سقوط حرّ" لعبير اسبر.. صراع على الموتى والقبور

القبح المرصود جماليًا في رواية عبير إسبر هو الموت بطعومه المختلفة، أي تلك الدروب التي يسلكها إلى حيوات ضحاياه، سواء جاء عبر القذائف الطائشة التي يرميها أناس أحرار على أناس خائفيين لا ناقة لهم ولا جمل، أو عبر القتل الممنهج لأناس اعتقدوا أن سجون الأسد مكان لضبط خطواتهم نحو الحرية، ليكتشفوا أنها مكان لضبط خطواتهم نحو موت محقق يتمنون الحصول عليه ولا يصل.

في دمشق المأخوذة بحروب ثارتها مع طالبي التحرر من رقبة حكامها، يغيب الموت العادي المشتهى ويحضر القتل كأسلوب ناجز، فحين يعجز الموت عن وضع حد لحياة أب مصاب بمرض الزهايمر، الدكتور خليل داغر، عندها لا يترك الموت لابنته ياسمينا خيارًا سوى القيام بدورها اللعين والتحول من ابنة محبة إلى قاتلة مصابة بالأسى.

يتبدى الموت في أرض القتلة على نحو هزلي، حيث يتم التنازع بين المتخاصمين، ياسمينا وكريم داغر، أحد أبناء عمومة والدها، على تثبيت أحقية كل منهم في مقبرة العائلة. المقبرة بالنسبة لكريم هي محاولة سيريالية لتأكيد حق تاريخي لعائلة مسيحية سبق لها أن تملكت المكان وعاشت في جنباته، قبل أن يتم قذفها خارجه للبحث عن حياة كريمة شاءت الأقدار أن تكون موزعة بين لبنان وسويسرا، فيما تظل علاقته المتخيلة بدمشق تشبه بترقبها ترقب العاشق الذي يقتله الحنين، فلا هو قادر على العيش فيها ولا هو قادر على العودة إليها إلا عبر طقوس الموت. يشي إصرار كريم تواصله مع دمشق عبر مقبرة عائلته على اعتراف ضمني بأن دمشق تحت حكم الأسدين لم تكن سوى مقبرة تصلح لأن تكون محطة متوهمة لتحقيق القيامة الموعودة لا غير، أما المقيمون فيها، أولئك الذين عايشوا أدوات سفاحيها الرعويين، تارة عبر الأحذية المرفوعة في وجوههم، وتارة أخرى عبر رائحة فم أسنانهم المنخورة، فتراهم يواصلون الهرب من جحيمها بكل ما أوتوا من قوة الحياة.

يقال إن الحب يعربش في كل مكان حتى لو في جنبات المقابر، ذلك أن قوته وسحره تستمدان من فتنة الحياة ذاتها

يقال إن الحب يعربش في كل مكان حتى لو في جنبات المقابر، ذلك أن قوته وسحره تستمدان من فتنة الحياة ذاتها، إلا أنه مثله مثل أي تجلٍّ وجودي آخر غالبًا ما يكون عرضة للانحسار والتبدد والضياع. فالحب الذي غمر قلب مارلا الأستقراطية التي ظل قلبها معلقًا بالشرق وعقلها بالغرب، سرعان ما سياتي عليه زمن لا يتسطيع أن يواصل تألقه المعهود مع ابن العم الطبيب خليل داغر الذي صارت له زوجة، تلك الزوجة التي ستجد في طبائع روحه الريفية المحافظة الزاهدة بكل أنواع الجاه الاجتماعي والسلطوي سببًا للتخلي عنه، لا لأنها تعيسة معه بل لكونها راغبة في الحصول على أكبر قدر من السعادة التي ظل ابن خالها المغترب في فرنسا يغريها بها. فبين الشام التي ظلَّ حكامها الريفيون يسدون على ناسها رياح الانفتاح والحياة، هكذا اختارت مارلا العيش في باريس بعد أن صار قلبها مليئًا بكل أسباب الرحيل.  

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة عبير اسبر

لئن كان رحيل مارلا معطوفًا على حب لاحق ظل يطاردها ويدفعها للتخلي عن ابنة وزوج، فإن حب ياسيمنا الشابة لأسامة، ومن ثم رحيلها من الشام لا يمكن عطفه إلا على حكام مدينة القتلة، الذين فكوا عرى حبها المحموم معه، إثر رغبة طائشة من كليهما بالسخرية من رئيس مات ولم يرحل، دون أن يخطر على بالهما أن السخرية من رئيس ميت كما الضحك في حضرته، كلاهما يورثان الهلاك. ففي حضرة رجل أمن بأسنان منخورة وفم دبق لا يحتاج المرء سببًا ليصير واشيًا بحبيب، كان قبل برهة يتبادل معه السخرية من رئيس ميت يأبى أن يموت.

إذا كانت الثورة السورية بموجتها الجارفة سببًا لرتق جرح الحب الذي نزف بسبب وشاية صفراء بحبيب لا يستطيع أن يحب رئيسًا لا يبادله الحب، فإن شهوة السلطة الأسدية في الفتك بالناس الذين طالبوا بحريتهم كانت سببًا آخر للإطاحة بالحب، ففي المفاضلة بين لحظة الوقوع في تعنيف الحبيب الموشّى به، ولحظة السقوط بين يدي شخص آمن بفم دبق اختارت ياسمينا النجاة، أو قل التخلي عن رغبتها في الانخراط بالثورة إلى نهايتها، بعد أن صارت أكروبلًا دمويًا للموت يفح من كل حدب وصوب.

منذ اللحظة التي نهيئ بها أنفسنا للمضي في متاهة السرد الروائي التي تعدنا بها "سقوط حر"، سرعان ما تمضي بنا أحداثه لتضعنا وجهًا لوجه أمام وقائع جريمة قتل ابنة لأبيها، لا بدافع من الشعور بالعجز واللاجدوى تجاه آلام شخص مصاب بمرض الزهايمر، بل عقابًا له على فعل أخرق قام به دون وعي بنتائجه الضارة؛ بيع بيت العائلة لقريب تجهله الابنة.

على الرغم من استماتة ياسيمنا في سرد عشرات الأسباب التي تبرّر قتل أبيها، فإنها في العمق لا تدفعنا لنصدق، بل لنتساءل عن الدوافع التي تجعل شخصًا ما يقدم على إثم وقائع ارتكاب جريمة قتل ابن ضد أبيه. في الذهاب عميقًا مع شبكة النص السردي يتكشف لنا أن واقعة القتل لم تحدث أبدًا، بمقدار ما كانت الواقعة سقوطًا حرًّا من أب رأى في عملية موته خلاصًا لها من عبء الاعتناء بميت، الأمر الذي يفجر في داخلها كل أنواع اللوم وتبكيت الضمير لدرجة تبنيها فكرة قتل أبيها.  

إذا كانت ياسمينة لم تشترك في حادثة قتل أبيها، فلماذا ظلت طيلة الوقت تتمنى قتله في تلميح متعمد منها على استحقاقه للقتل، الأمر الذي يضعنا أمام حقيقة أن القتل أو الرغبة به تجاه الأب لم يكن في حقيقته سوى رغبة بالتخلص والتبرؤ من قيم الثقافة الذكورية التي ظل الأب المهزوم يتدثر به؟

في "سقوط حر"، لا تعدنا عبير اسبر في روايتها ببطولات وهمية عن ذواتنا، ولا عن ذوات شخوصه

ما عابته ياسمينة على والدها من قيم ذكورية كالعجز والنكوص كان في صدارتها الاستلاب، الاستلاب أمام والدتها، كما الشعور بالنقص والدونية من رجل ريفي إزاء امرأة متمدنة، والأهم من ذلك كله شعوره الغامر بالسعادة إزاء الإذلال التي يحيق به وتصويره كحالة من حالات التضحية من أجل الآخرين، وهو في وضعيته هذه لا يختلف عن وضعية أي عبد أو تابع من رعايا الدولة الأسدية، التي تقوم بإذلال رعاياها الذين بدلًا من أن يثأروا لكرامتهم المهدورة يكيلون لها المديح بالصاع الوافي.

اقرأ/ي أيضًا: عن الأماكن وبروتكولات الفقد

لا تعدنا اسبر في روايتها ببطولات وهمية عن ذواتنا، ولا عن ذوات شخوصها، فياسيمنا لم تقتل والدها، أي لم تكن قادرة على تخليص نفسها من مجموعة القيم الذكورية الشرقية التي يمثلها، فكل ما في الأمر أنها تركته يسقط، أو بالأحرى كانت شاهدة على سقوطه، فإن يسقط الأب بالمعنى المجازي فيعني ذلك أننا نجتافه، نرث جميع الصفات التي كان عليها، الأمر الذي يفسر لنا تخلي ياسيمنا الدائم عن الناس الذي يكونون بحاجة إليها، ففي موقف معايشتها لرائحة رجل منخور الأسنان في مقابل الوشاية بحبيها اختارت طريق النجاة التي يجعل منها ناجية موفورة الصحة مقابل لقب حبيبة معدومة الحال.

في علاقة ياسمينا مع المدن، تأخذنا اسبر لنتعرف على الحد الفاصل الذي يجعل من بعض المدن أوطانًا ومن بعضها الآخر منافيًا. ما الذي يجعل دمشق وطنًا ويجعل بيروت منفى رغم الهالة المقدسة التي أحطنا بها بيروت لتكون جنتنا المفقودة حين زلت أقدامنا يومًا نحو الرحيل؟ إذا كان من السهل على المرء أن يتفهم الحالة الهلامية والرجراجة التي يجد المرء نفسه فيها في مدينة مثل دبي تتنفس علاقات عابرة وجني مال سريع، فكيف له أن يفهم أن تصير مونتريال الكندية الحامية لحقوق الإنسان منفى لا لشيء سوى لكونها مكانًا شاءت الأقدار أن يقع على حافة صقيع العالم؟ أيعقل أن تفسد رائحة المكان الأول، دمشق، الذي تلبسناه أو تلبسنا، علاقتنا مع جميع الأمكنة التي قد تطأها أقدامنا يومًا، لا لشيء سوى لأننا غير قادرين على ترويض قلوبنا على تقبلها؟

لا يمكن للمرء أن يحكي رواية "سقوط حر" دون أن يفسد مذاقها، ذلك أن نكهة النص ليست بخطوط حكايته الرئيسة التي تنهض على خلفية نزاع عائلي على ملكية مقبرة، بل بذلك الكم الوارف من الحكايات الصغيرة الذي تظل ترفع عبق الحكاية إلى أعلى الغيم.

في رواية "سقوط حر"، نسائل سيرتنا الذاتية ذاتها بكل ما فيها من انكسارات وهزائم ورؤى وأوهام.

كنز "سقوط حر" المخبوء ليس في حكايتها البسيطة كالماء، بل في ذلك الدفق الغامر من المشاعروالرؤى والأحاسيس التي تسري في قلب قارئها وهو يهم بها.

اقرأ/ي أيضًا: الروائية روزا ياسين حسن: لا نجاة لنا بغير الفنّ

في "سقوط حر"، لا نأتي لنتعرف على نتف أو شذرات من سيرة ذاتية لكاتبتها، بل لنسائل سيرتنا الذاتية ذاتها بكل ما فيها من انكسارات وهزائم ورؤى وأوهام.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مها حسن: لا أكتب سيرتي الشخصية في رواياتي

نغم حيدر.. غزال يعدو في الساحة