عبد المجيد الزنداني.. أمير حرب على العقل

عبد المجيد الزنداني.. أمير حرب على العقل

عبد المجيد الزنداني (أ.ف.ب)

أعادت التصريحات الأخيرة للشيخ عبد المجيد الزنداني ونجله محمد عقب وصولهما إلى السعودية، الجدل المُثار حول شخصية رجل الدين اليمني الشهير إلى الواجهة، وما دام الأمر متعلقًا بواقع مثيرٍ للجدل جسدته الحرب في اليمن، فإن ظهور الشيخ، ونجله أيضًا، يعد متأخرًا عن المفترض.

لا يمكن قراءة شخصية الزنداني دون العودة إلى ظهوره كأحد عرّابي الجهاد الأفغاني

ورغم دفع أنصار الإخوان المسلمين في اليمن بكون الزنداني قد أصبَح من الماضي، في تعبير عن تململهم من عبء الزنداني على حركتهم، إلا أنّ التصريحات الأخيرة لنجله محمد حيث توعَّد من أسماهم بالعلمانيين والملحدين، قد عززت الصورة الأكثر رداءة وتطرفًا عن الزنداني في أذهان الكثيرين. لا يمكن قراءة شخصية الزنداني دون العودة إلى ظهوره كأحد عرابيّ الجهاد الأفغاني، وباللغة الأمريكية يوصف بأنه "الأب الروحيّ لأسامة بن لادن"، كما قالت وزارة الخزانة الأمريكية التي وضعته ضمن قائمة المطلوبين.

بدأ الرجل الذي يحمل لقب الزنداني، وهي كلمة فارسيَّة تعني السجين، مسيرته السياسية والدينية بانتمائه إلى "حركة القوميين العرب" إبان دراسته الصيدلة في مصر، وقد أدى فشله المتتالي في الدراسة وقربه من الإخوان المسلمين، إلى العودة إلى اليمن في مسيرة البحث عن الذات، فعيَّن مدرسًا في وزارة المعارف "التربية والتعليم". ولعل تدريسه لعدد من المواد العلميَّة دون امتلاكه للمؤهل العلميّ المناسب، قد شجَّعه في لعبِ دورٍ جديد، فيما يسمى بـ"الإعجاز العلمي في القرآن"، فتقمص شخصية عالم الفيزياء والفلك والجيولوجيا والأحياء، وبدأ يعلن عن اكتشافات علميّة، وحواراتٍ زعم أنه أجراها مع علماء غربيون أسلموا على يديه، ليؤسس في مكة مع عدد من رجال الدين "هيئة الإعجاز العلمي"، قبل أن يترك المملكة السعودية ويعود إلى اليمن.

في اليمن، حين كانت العلاقة بين النظام والإخوان المسلمين طيبة، تولى الزنداني تأليف كتاب العقيدة للمناهج الدراسية، أو ما كان يُسمى بكتاب "التوحيد"، وقد تضمن الكتاب وجهات نظره الروحية، وإعجازه العلمي في القرآن، وبالرغم من نفي عدد من الشخصيات والجهات لوجود علماء غربيين بالأسماء التي أوردها في كتاباته، إلا أنه استمرّ في حصد الكثير من المؤيدين.

لم يكتف الزنداني بأدواره "العلمية" و"العقائدية" بل لمع بمواقفه السياسية، حيثُ عارض، بإيحاءٍ من الرئيس السابق صالح، اتفاقية الوحدة بين الشمال والجنوب، وشنّ حملة شعواء ضد الدستور الجديد، قائلًا بمخالفته للشريعة، كما لعب دورًا في التحريض ضد الجنوب في الحرب، أو من كان يصفهم بالشيوعيين والعلمانيين والملحدين.

قبل اندلاع الحرب بشهورٍ قليلة، حدثت فضيحة مجلجلة، إذ عُثر على جثة لينا مصطفى عبد الخالق، ابنة وزير العدل عن الحزب الاشتراكي "جنوب"، مدفونة جوار منزل الزنداني، وإذ جرى التعتيم على القضية بكل ما أمكن، إلا أن التسريبات أفادت بأن آلة الجريمة هي مسدس تملكه ابنة الزنداني عائشة. ساهم اندلاع الحرب في التعتيم على القضية، وبعيد انتصار القوات الموالية لصالح في ذلك الحين، أشهر زواج السلطة السريّ بين الإخوان وصالح، أسّس الزنداني جامعته الشهيرة "جامعة الإيمان" والتي يعتبرها البعض إحدى الفقاسات الكُبرى للمتطرفين.

رُغم فشله المتكرر في الصيدلة، أصبح الزنداني أحد كبار المختصين في شؤون الإعجاز العلمي، والطب البديل، بل وعلاج الأمراض المستعصية كالإيدز، واختراع عقاقير لمشاكل اجتماعيّة كالفقر. لكن قبل ذلك، كان الزنداني قد أثار ضجة كبيرة مطلع الألفية، بفتواه الشهيرة المُسماه "زواج فريند"، وهي تغليفٌ إسلامويّ للصداقات الجنسية بين الشباب والفتيات في الغرب، كما أثار استهجان كثيرين بتسجيلات نشرها باعتبارها أصواتا لموتى يعذبون في القبور، قبل أن يتضح أن تلك الأصوات مأخوذة من فيلم رعبٍ أميركي.

 ما زال الزنداني قادرًا على إنتاج حضوره المتطرف، إما بشخصه، أو بمن يضمنون له البقاء

في عام 2002 اغتال أحد المتطرفين، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني، جار الله عمر، خلال التحقيقات عاد اسم الزنداني للواجهة، باعتباره من المُرشدين الدينيين للشاب الذي كان يدرُس في جامعته، وزعمت الصحافة، أن الزنداني قال بكُفر جار الله عُمر. بعد أيام، عاد الزنداني وزعم أنه رأى جار الله عُمر يصلي في المسجد المجاور.

تالياً، أعلن الزنداني عن علاج عدد من الحالات المُصابة بالإيدز. العقيد مُعمر القذافي، أرسل الأموال واثنين من المصابين بالإيدز في قضية الممرضات البلغاريات، أعلن الزنداني عن شفاء عدد من مرضاه، تقارير طبية أعلنت عن وفاة "مستعجلة" لعدد من مرضى الزنداني الذين كان تدهورت حالتهم بسبب علاجه لهم بشكل غير متوقع، تقارير صحفية استقصائية كشفت عن أن من قام بعلاجهم الزنداني ساءت حالتهم أكثر، بينما لقي الباقون حتفهم.

في الانتخابات الرئاسية عام 2006، انضم الزنداني للحملة الانتخابية للرئيس السابق، وخطب في مريديه قائلًا بأن عليهم أن ينتخبوا صالح لأنه هو القويّ الأمين، سبب موقف الزنداني صدمةً لقطاعٍ من الإخوان الذين كانوا قد أصبحوا ضمن المُعارضة، لكن الزنداني عاد بعد عامين وقال بأن تأييده لصالح كان لتخوفه من قيام الأخير بإغلاق "جامعة الإيمان".

في العام 2011 خرج الزنداني إلى ساحة التغيير بصنعاء معلنًا تأييده لثورة الشباب ومبشرًا بقدوم الخلافة في 2020، بعدها بأسابيع، رفض في تسجيلٍ صوتي ما أسماه "حكم الشعب نفسه بنفسه" معتبرًا بأنه من الكُفر، وأن الحاكمية لله وليست للشعب. بعدها بعامين، عاد وصرّح بأنه اكتشف علاجًا للفقر، وأنه سيكشف عنه في وقتٍ لاحق، وهو ما لم يحدث.

حينما بدأ انتعاش الظاهرة الحوثية، أفتى الزنداني بدفع الخُمس لـ "الهاشميين"، ومنهم الحوثيون، لأنهم من "آل البيت". بتمدد الحوثيين وسيطرتهم على عمران قرب صنعاء، قال الزنداني في تصريحاتٍ لاحقة له، بأنه لا يوجد بينه وبين صالح أي خلافٍ على الإطلاق، مشيدًا بصالح الذي اعتبره أحد أفضل من حكموا اليمن. عند دخول الحوثيين إلى صنعاء، اختفى الزنداني تمامًا من المشهد، لكنه ظهر بعد شهور طويلة في المملكة السعودية، بعد أن تم تهريبه، مهاجمًا صالح والحوثيين ومشيدًا بالسعودية التي يبحث من خلالها عن دورٍ جديد.

بالرغم من تناقضات الزنداني وأدواره العدائية، وبالرغم من وجود كثيرين لا يحتفظون له بمواقف وديّة، إلا أن الرجل وكما يبدو ما زال قادرًا على إنتاج حضوره المتطرف، إما بشخصه، أو بمن يضمنون له البقاء، وعلى رأسهم نجله، الذي يرأس قسم الفقه في جامعة والده بمؤهل علميّ متواضع، ويطلق الوعيد، ليس باتجاه "حمار الحوثيين" الذين شردوا أسرته، وإنما باتجاه "بردعة" النشطاء والمدنيين، من لا حول لهم ولا قوَّة.