ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

عبد الله سبيت: من الإنشاد لثورة اليمن والجزائر إلى المنفى الاختياري والتصوّف

13 ديسمبر 2025
tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png
الشاعر عبد الله سبيت (شبكات تواصل اجتماعي)
أحمد السلاميأحمد السلامي

في مقولة الثائر الفرنسي الشهير جورج جاك دانتون "الثورات تأكل أبناءها" الكثير من الصحة، فعادةً ما تُظلم التحوّلات السياسية في بعض المراحل قادة وشعراء وفنانين وأدباء يطالهم التهميش تحت مبررات واهية، لكنّها في النهاية تتجاوز الظلم من حيث نتائجها وتأثيرها إلى فرض قسوة يكون وقعها على المبدع شديدًا؛ إذ تطفئ جذوة الإبداع في روحه وتكسر شيئًا بداخله وتحرمه من استحقاق التمتع بحضور يليق بإبداعه وفنه وبما قدّمه لجمهوره، وبين هذه النماذج شاعر وملحن يمني من محافظة "لحج" الجنوبية؛ قضى حياته يحلم بوطن حُر، فلما جاء الاستقلال من الاحتلال البريطاني وجد نفسه غريبًا ومغضوبًا عليه في بلده. إنه الشاعر والملحن الراحل عبدالله هادي سبيت الذي نشأ في مدينة "الحُوطة" وكانت تحفل في النصف الأول من القرن الماضي بمجالس الشعر والطرب وتتأثر برياح التجديد القادمة من المراكز العربية البارزة مثل: مصر والشام، وفي كتاتيبها حفظ القرآن ثم انتقل إلى المدرسة "المحسنية"، وظهرت مواهبه في الشعر والخطابة والغناء والعزف على العود، وتدرج في الوظائف في عهد السلطنة اللحجية قبل الاستقلال من معلم إلى وكيل للمعارف ثم وكيل للزراعة، واقترب من السلطان علي عبدالكريم العبدلي، وحين بدأ الكفاح ضد الاستعمار البريطاني في الخمسينيات كان سبيت في طليعة النضال بالكلمة واللحن.

وقد أدرك أن الأغنية سلاح لا غنى عنه، فكتب ولحن "يا شاكي السلاح شوف الفجر لاح"، التي أهداها إلى ثوار الجزائر في دعوة صريحة لحمل السلاح وإعلان أن زمن الذل قد ولّى، وكتب أيضاً أنشودة "يا ظالم ليش الظلم ذا كله"، ويقال إن الإمام أحمد في صنعاء شعر أنه المقصود فطلب من عبد الناصر إيقاف ما تبثه إذاعة صوت العرب ضدّ نظام الإمام، إلا أن عبد الناصر رفض وظلت مصر السند الأكبر لثورة اليمن ولثورات أخرى ضد الاستعمار في إفريقيا وآسيا. وكانت أغاني سبيت مثل "يا ظالم" التي استمر بثها من إذاعة صوت العرب وغيرها شاهدة على قوة الكلمة والأغنية وتأثيرها في لحظات الكفاح.

وبعد أن زاد التضييق على عبد الله هادي سبيت وتعرضه لمحاولة اغتيال، هرب أولًا إلى شمال اليمن ثم إلى القاهرة حيث واصل نضاله الإعلامي عبر برنامج ثوري على أثير صوت العرب التي كانت حينها لسان حال الثورات ضد الاستعمار في دول المنطقة.

وعندما انسحب البريطانيون من جنوب اليمن ورحل الاستعمار من عدن في عام 1967، كان محبو أغاني سبيت يتوقعون تكريمه، لكن الرجل وجد نفسه بعد الاستقلال بين مشرد ومعتقل ومطارد، ليس على يد المستعمر، ولكن هذه المرة على يد النظام الثوري الجديد، وكان مبرر تجاهل العهد الجديد لسبيت بل واستهدافه والتضييق عليه أنه من مؤسسي رابطة أبناء الجنوب العربي، وهذا فصيل سياسي كانت له رؤية مختلفة لمستقبل جنوب اليمن تتناقض مع رؤية الجبهة القومية الحاكمة ذات التوجه الماركسي التي انتصرت في صراع القوى المتنافسة على الحكم بعد رحيل الاستعمار.

أدرك أن الأغنية سلاح لا غنى عنه، فكتب ولحن "يا شاكي السلاح شوف الفجر لاح"، التي أهداها إلى ثوار الجزائر في دعوة صريحة لحمل السلاح وإعلان أن زمن الذل قد ولّى، وكتب أيضاً أنشودة "يا ظالم ليش الظلم ذا كله

تروي الوقائع والشهادات عن تجريد الشاعر عبد الله سبيت من منصبه وتعيينه عاملًا بسيطًا في إدارة الزراعة التي كان من قادتها الإداريين، فكان يجلس ليعمل على مكتب خشبي متهالك في زاوية مهملة، وتعرض للتهميش والاضطهاد معنويًا، فلم يكن أمامه من خيار إلا الرحيل عن مدينته، وانتقل إلى تعز في الشمال اليمني في منفى داخلي بعيدًا عن لحج التي أحبها وعن بساتينها ولم يعد إليها وعاش حياته في غُربة حتى توفي في "تعز" بعد أن ظل يكتب عمودًا في صحيفة 
"الجمهورية" وتفرغ للعبادة إمامًا وخطيبًا في أحد المساجد ليجد في التصوف ملاذًا روحيًا من خيبات السياسة والحياة وغدرها.

ومع ذلك ظلت أغنياته حيّة ومتداولة، لأنه كتب ولحن مجموعة أغانٍ لا تنسى ارتقت في الذاكرة اليمنية إلى مرتبة التراث الحي، ومن أشهر أغانيه "سألت العين" وهي من كلمات الأمير محسن صالح مهدي، بينما كتب سبيت ولحّن بنفسه أغنياتٍ شهيرة ومتداولة بغزارة مثل: "خلّي قد هجرني" و "يا حاكم زمانه"، و"با حبك" و"يا باهي الجبين" و"القمر كم يذكرني جبينك"، و"تذكرته مع النسمة" التي غناها الفنان السعودي طلال مداح، وجميعها أغانٍ عاطفية رقيقة غناها له مطربون من الأسماء البارزة في مشهد الغناء والفن في اليمن، وتضاف إلى أعماله الشعرية المنشورة التي يغلب عليها التصوف، فمنحه الاستمرار في كتابة الأغاني وقصائد التصوف العزاء والسكينة، برغم معاناته من الإقصاء الذي تعرض له وإن لم يمنع الجمهور من ترديد ألحانه، لأن الفن الجميل يحيا ويتغلب على أيديولوجيا القمع.

وفي قصة سبيت ما يكشف الكثير عن إشكاليات وآليات المحو والبناء للذاكرة الوطنية في مجتمعات ما بعد الاستعمار، حيث تتجه السلطات الناشئة إلى تكريس تمجيد أسماء أدبية وفنية بعينها في مقابل طمس أخرى، بينما الذاكرة الشعبية تنتصر في النهاية لتخليد الرموز الفنية والشعراء والمطربين الذين ينجحون في التعبير عن وجدان المجتمع وأفراحه وعواطفه. وبعد أن تغيّرت الموازين عاد لسبيت بريق اسمه ومنجزه الذي يتوازى مع ذيوع أغانيه واستمرار حضورها، وتم تكريمه والاحتفاء به أكثر من مرة قبل رحيله، وأُعيد إليه الاعتبار كملحن وشاعر بارز، لكن حفلات التكريم لم تعوضه عن سنوات المنفى الداخلي التي قضاها بعيدًا عن مدينته وبيئته التي تشكل فيها وعيه الفنّي والغنائي. وُلد سبيت في مطلع العشرينيات في "لحج" وتوفي في تعز يوم 22 نسيان/إبريل من عام 2007 ودفن فيها، وجسدت العقود الأخيرة من حياته رحلة النزوح والاغتراب، فرحل غريبًا عن مسقط رأسه الذي لم يعد إليه حيًا، لكنه عاد إليه لحنًا وتراثًا عصيًا على الموت.

له مجموعة دواوين شعرية تجمع قصائدها بين الثورة والغزل والتصوف، الديوان الأول بعنوان "الدموع الضاحكة" الذي صدر عام 1953 يليه ديوان "مع الفجر" وطبع سنة 1965، مرورًا بأعماله الشعرية التي صدرت تباعًا وهي "الظامئون إلى الحياة"، ثم "الفلاح والأرض"، و "أناشيد الحياة"، وأخيرًا ديوان "رجوع إلى الله" الذي عكست قصائده انعطاف صاحبها نحو التصوف دون أن يتنكر لماضيه في التلحين وكتابة الشعر الغنائي، فكان يحضر حفلات تكريمه ويستمع إلى أداء الآخرين لأغانيه حتى بعد أن صار إمامًا لأحد المساجد في تعز.

للشاعر الراحل مسرحية شعرية وبرنامج إذاعي عن الشاعر الشهير الأمير أحمد فضل القمندان، فضلًا عن سلسلة مقالات صحفية. وتبقى مسيرته وقصة حياته في جانب منها معبّرة عن حالة الخذلان التي ترمي بها الثورات البعض لأسبابٍ سياسية، بينما في رصيدهم خارج السياسة ما يفترض أن يدفع إلى الفخر بهم وتخليدهم، وعزاء مُحبي أغانيه وألحانه أنها لا تزال حيّة في مقابل انحسار الأيديولوجيا التي اضطهدته، ولم تنجح في طمس مكانته ونجوميته وإرثه في الأغنية اليمنية الحديثة.

كلمات مفتاحية
إذاعة جيش الاحتلال

إغلاق إذاعة جيش الاحتلال: الواقع الإسرائيلي من "الخطابة الى صوت الرجل الواحد"

لم يكن قرار إغلاق إذاعة الجيش الإسرائيلي "غالي تساهل" إشارةً إلى انتهاء دورها الحيوي في المجتمع الإسرائيلي، بل تأكيدًا على إنجاز وظيفتها في لحظة تاريخية محددة

طهران

عن الاعتبارات الإسرائيلية الكامنة خلف تأجيج مناخ الحرب على إيران

منذ عدة أسابيع، تشهد المنطقة تصعيدًا متصاعد الحدّة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تشهد فيه الأخيرة احتجاجات داخلية عنيفة

مجلة النيويوركر

"النيويوركر": مئة عام من الصحافة مئة عام من الثقافة

حضرت "النيويوركر" كمجلة تقيم في الأدب أكثر مما تقيم في الصحافة، وتشتبك مع السياسة بوصفها سؤالًا، لا مع الإعلام بوصفه جهازًا

غارة إسرائيلية
سياق متصل

إنذارات إسرائيلية تتوسّع في جنوب لبنان وغارات تُوقِع إصابات وتدمّر مباني

هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء اليوم قرى قناريت والكفور وجرجوع والخرايب وأنصار في جنوب لبنان

ترامب وكاروني
سياق متصل

الجيش الكندي يحاكي سيناريو اجتياح أميركي محتمل

كشفت تقارير صحفية أن القوات المسلحة الكندية أجرت عمليات محاكاة وتدريبات على سيناريو اجتياح أميركي محتمل

غزة
سياق متصل

شهداء بينهم صحفيون في تصعيد إسرائيلي على غزة

استشهد 11 فلسطينيًا على الأقل، بينهم ثلاثة صحفيين، جراء سلسلة استهدافات شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مناطق متفرقة في قطاع غزة

صورة تعبيرية
علوم

ذكاء اصطناعي يقيّم الألم: خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية

في خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية، ابتكر فريق من الباحثين نظامًا يجمع بين الكاميرا وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتقييم شدة الألم لدى المرضى أثناء العمليات الجراحية