عبد اللطيف محفوظ في

عبد اللطيف محفوظ في "رهاب متعدِّد".. سيرة الخوف والموت

شعيبية طلال/ المغرب

"رهاب متعدِّد"، بهذا العنوان، وضع عبد اللطيف محفوظ سيرة طفولته، فاتحًا باب التأويل المُسبق للنص، ومعه إمكانية التوجّه نحو مسارٍ تأويلي يبدو ملائمًا لمقاربته، ويتمثّل في التحليل النفسي المُنسجم مع الدليل، الرهاب، وذلك بالاستناد إلى إشارتين، تتعلق الإشارة الأولى بتعريف الرهاب نفسه، باعتباره شكلًا من أشكال الاضطراب النفسي، ناهيك عن أنّه مشتقّ من لفظٍ يونانيٍّ معناه "الخوف"، يُعبّر عن حالات الرعب والقلق المُرتبطة بأماكن أو أشخاص أو مواقف وتجارب محدّدة. أما الإشارة الثانية، فنستطيع التقاطها من العنوان الفرعي للكتاب "سيرة طفولة"، الذي يعني أنّ المرحلة التي سيسردها عبد اللطيف محفوظ، هي مرحلة الطفولة التي تُعدّ الأنسب للتحليل النفسيّ.

تجربة الفوبيا قابلة، بشكلٍ واقعي، لأن تستحضر وتقف شامخة كعملاق انفعالي لافت في ممارسات الحياة الصاعدة والهابطة يوميًا

هكذا، قد يكون الرهاب، بصفته اضطّرابًا، قد تشكّل خلال هذه المرحلة، لأنّ "تجربة الفوبيا قابلة، بشكلٍ واقعي، لأن تستحضر وتقف شامخة كعملاق انفعالي لافت في ممارسات الحياة الصاعدة والهابطة يوميًا". والرهاب هنا يدلّ على الطفولة أيضًا، لأنّ الخوف مرتبط بحدثٍ قديم، لكنّه تمكّن من الذات ليتحوّل إلى رهاب يُمكن التخلّص منه من خلال عقلتنه بفعلٍ ذاتيٍّ أو بمساعدة طبيبٍ مختص.

اقرأ/ي أيضًا: صعقة في جسد الأدب المغربي.. هكذا غادرنا محسن أخريف

وبالتالي، الرهاب هو الدليل الذي سنعتمده موجِّهًا لسيرورة التأويل، والسبب أن هناك أدلّة تدعمه، من بينها اللون الأحمر الذي كُتب به العنوان. ومما لا شكّ فيه أنّ اختيار هذا اللون لم يكن اعتباطيًا، لأنّ اللون الأحمر مُرتبط، في الذاكرة الجمعية، بالحب والدم، ناهيك عن الخطر الذي سنركّز عليه دون سواه، استنادًا إلى العرف القائل إنّ كلّ أمر خطير، هو مدعاة للذعر والخوف.

إذًا، العنوان استعارة للنص ككل، لأنّ سيرة الطفولة هنا بطبيعة الحال عودة إليها. ولأنّ محفوظ كذلك يحفر عميقًا في الذاكرة، مُحاولًا إزاحة الستارة عن طفولته. ومن الممكن القول إنّ هذه العملية تُرجمت من خلال صورة الغلاف التي جاءت ضبابية، تظهرُ فيها هامة امرأة مسنّة، كما يُخبرنا نتوء ظهرها، مُلتحفةً بلحافٍ يُخفي كلّ ملامحها، حتّى بدت، للوهلة الأولى، أقرب إلى شبح.

تُحيلنا ضبابية الصورة إلى الغُبار الذي يعلو أحداث الطفولة المخبأة في الذاكرة. وهو المسؤول أصلًا عن ضبابيّتها التي كادت أن تحجبها. ونستطيع القول هنا إنّ النسيان تحديدًا تمّ تشفيره في الصورة عبر الستارة المنسدلة على أحداثٍ مضت وانطفأت. وبذلك نفهم أنّ الستارة حاضرة في الصورة بهدف التضليل. تمامًا كما يفعل اللحاف الذي يُخفي هوية المرأة التي بدت شبحًا.

بات من الواضح إذًا أنّ الكاتب إنّما ينفض الغبار عن أحداث طفولته، ويُميط اللثام عنها لأجل إضاءة الزوايا المُعتمة، لا الأشياء التي كانت سببًا في ولادة الرهاب عنده. وتأسيسًا على ذلك نستطيع أن نفترض أنّ المحور النصّي للسيرة ماثل في تلك الحوادث التي تعرّض إليها الطفل الذي يروي محفوظ سيرته. واللافت للانتباه هنا أنّنا لسنا أمام رهاب منفرد، وإنّما مُتعدّد. وبالتالي لسنا أمام خوفٍ مرتبط بموضوع مُحدّد، وإنّما بمواضيع متعدّدة.

يُميط عبد اللطيف محفوظ اللثام عن الطفولة لأجل إضاءة الزوايا المُعتمة، لا الأشياء التي كانت سببًا في ولادة الرهاب عنده

يدفعنا ما سبق للتساؤل حول ماهية هذه المواضيع؟ وهل هي واضحة في النص أم أنّها تحتاج إلى تأمّل مطوّل من أجل استخراجها؟ ولم الحديث عن الطفولة بالذات؟ ولم اخْتُزلت الأخيرة بالرهاب؟ وهل شُفيت الذات من رهابها؟ أم أنّها لجأت إلى الكتابة بُغية التطهير؟

اقرأ/ي أيضًا: عزيزي عبد اللطيف اللعبي.. لم يعد هنالك شيء أجمل من الصمت والحلم

تحتاج الإجابة عن هذه الأسئلة إلى مُطابقة ما يتداعى من أفكار عبد اللطيف محفوظ، وما ورد في النص أيضًا. وبما أنّ هذا الأمر غير مُتاح، فإننا سنقارب النص من زاوية القارئ الذي يعمل على ملء البياضات من خلال التأويل المحلّي لبعض مناطق النص فقط. وما سيجعلنا نقف على أجوبة تساؤلاتنا السابقة، هو تأمّل متن الحكاية وعوالمه الممكنة، ذلك أنّ الراوي، وإن كان هو الشخصية المحورية التي تدور حولها السيرة، لا يكتفي بسرد أحداثٍ تخصّه، وإنّما يسرد أحداثًا تهمّ أطفالًا آخرين، كان لبعضهم دور محوري فيها، بفعل مساهمتهم في ولادة حالات الرهاب التي توثّقها السيرة، سيرة السارد وأولئك الأطفال معًا.

حصر محفوظ حالات الرهاب المشار إليها في العنوان في ستِّ حالات، وأفرد لكلّ واحدة فصلًا خاصًّا، حيث نجد بعضها مُصنَّفًا حسب المُسبب، كـ"رهاب الماء"، و"رهاب أصص حافات النوافذ". بينما وُسم بعضها الآخر بالأمكنة "ملعب الحسن الثاني/ حامة مولاي يعقوب". وهناك أيضًا المعنونة بمواضيعها "كنت أريد أن أصير جنرالًا/ رهاب التحرّش". بينما يكون الخوف العقدة العليا التي تلتقي عندها حالات الرهاب جميعها، لا سيما الخوف من الموت.

باستثناء رهاب التحرّش، كان الخوف من الموت الهلع الأكبر المُشترك الذي يؤطّر جميع حالات الرهاب المذكورة في الكتاب. هكذا، نجد أنّ الرهاب إمّا مرتبط بتجربة كان الموت فيها أقرب إلى الكاتب من حبل الوريد، كما هو الحال في رهاب الماء وحامة مولاي يعقوب. أو حوادث أودت بحياة الغير، كما في رهاب أصص حافات النوافذ، وكنت أريد أن أصير جنرالًا. أو حدث نتجت عنه عاهة دائمة، كما في ملعب الحسن الثاني.

الخوف والموت موضوعان محوريّان في سيرة عبد اللطيف محفوظ. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ هناك رهابًا آخر لم يأت الكاتب على ذكره، وهو رهاب مرتبط بالخوف من المخزن الذي ألقى بظلاله البائسة على المغاربة إبّان سنوات الرصاص.

نستطيع لمس هذا الخوف من خلال مقاطع متفرّقة: "كان يستمع إليه مفتعلًا عدم أهمية ما يسمع وفق سلوك جبل عليه أعوان السلطة في تلك الحقبة السوداء المطبوعة في ذاكرة الأجيال تحت اسم سنوات الرصاص" (ص 47). أو "الشيء الوحيد الذي لم أسمعه هو الاحتجاج على تأخر الدرك وسيارة الإسعاف، إذ لم يكن أحد حينئذ يجرؤ على انتقاد الأجهزة أو التعليق العلني على قضايا الشأن العام، فقد كان بمكنة أبسط رجل في السلطة إرسالك إلى ما وراء الشمس بفضل شهادة منه على تهمة ملفقة" (ص 54).

يتناول "رهاب متعدّد" محطّات متنوّعة من طفولة محفوظ، باعتبار أنّ الأخيرة هي المرجع الأساس للحكي. ويُمكن القول إنّه اعتمد في سرده على التقطيع، وقصّ من طفولته الأحداث المناسبة، وأنواع الرهاب موضوعًا لسيرته، مُتّخذًا من الرهاب الذي سيتناوله في كلّ فصلٍ مُحدّدًا للتقطيع. هكذا، قام بـ"تجميع عناصر حياته الشخصية المتفرّقة وترتيبها في خطاطة جامعة".

وبما أنّ السيرة الذاتية كانت "تستند إلى الاستبطان الداخلي للشخصية في علاقتها بالواقع الموضوعي"، فإنّ سيرة الطفولة هنا قد توزّعت بين الذاتي والجمعي، حيث يتجاوز السرد عالم الطفولة، لينفتح على أحداثٍ شكّل بعضها علاماتٍ فارقة في الساحة السياسية آنذاك، كمحاولة انقلاب الصخيرات، أو قضية الزيوت المسمومة، أو التفاوت الطبقي الذي لا يزال المجتمع المغربيّ يعاني منه.

الخوف والموت موضوعان محوريّان في سيرة عبد اللطيف محفوظ "رهاب متعدّد"

يغيب موضوع الموت في فصل رهاب التحرّش ليحلّ محلها بالمقابل موضوع التحرّش، إلّا أنّه تحرّش فاشل في ظل مجتمع الستينيات والسبعينيات المحافظ الحريص على رسم حدود تعزل بين الجنسين: "كنّا جميعًا نشعر بصعوبة ربط علاقات بالبنات خوفًا من رفضهنّ واتهامهنّ لنا بالإغواء، وأيضًا مراعاة لحفظ شرفهنّ الذي يبدأ من عدم الكلام مع الذكور. لذلك كنّا جميعًا نقمع أنفسنا ونصنع من التقاليد سياجًا يحول حتى دون الصداقات البريئة" (ص 113). ولذلك "ربّما كان معادل الشعور بالذكورة وبالسياج الأخلاقي بتلك المدينة الأصيلة يدعو العديدين إلى الانحراف من أجل تلطيف الشعور بالحرمان" (ص 114).

اقرأ/ي أيضًا: فاس.. سيكولوجيا المعمار وطبائع التطرف

إذًا، كان التحرّش، باعتباره تمظهر الانحراف المذكور، الوسيلة الوحيدة لتصريف تلك الرغبات المتأججة، إذ إنّ الرغبة أو الشهوة هي المرسل الأساس لتجارب رهاب التحرّش الثلاثة: تجربة درب المتر، والحامية، وشق بذنجلة. ولكنّها جميعها كانت تجارب قوبلت بالمقع والعقاب، ليفشل بذلك برنامج للذات اللاهثة وراء المتعة الحسّية، تحت رقابة مجتمع صارم، فقد كانت ضربة فردة حذاء الأب التي أسالت دم رأس الابن، كفيلة بأن تنقش عليه أنّ "جزاء الإيماء للبنات جسيم، وأن الوشاية به أكثر جسامة من اقترافه" (ص 104).

ليست "رهاب مُتعدّد" سيرة طفولة وحسب، وإنّما سيرة مكان أيضًا؛ سيرة فاس القديمة تحديدًا دون غيرها، والمحفوظة داخل ذاكرة عبد اللطيف محفوظ التي لا تفارقه، وإن غادرها. ولعلّ الدليل على ذلك هو افتتاحية الفصل الأوّل من الكتاب، إذ يذكر فيها أنّ المدينة معشوقته "وإن كره الكارهون وتقوّل العنصريون" (ص 13). حضور المدينة قوّي في كلّ الفصول، بكلّ تفاصيلها، ساحاتها وأبوابها وأزقّتها. كما أنّها حاضرة بوصفها "محرك الجهاد والنضال التاريخيين بالمملكة" (ص 22). ناهيك عن أنّها تبدو في السيرة معقل الحشمة والأصالة في مواجهة الدار البيضاء المتحرّرة حد الانحلال، لنصير بذلك أمام ثنائية المادّة والروح: فاس راعية القيم مقابل الدار البيضاء، أو "الدار الكحلة " بحسب وصف إحدى الشخصيات.

نقف في كتاب محفوظ أمام زمين: الحاضر، وهو زمن الحكاية. والماضي، يسترجعه الكاتب استنادًا إلى الذاكرة، وهو زمن القصّة. يجعل هذا الأمر السرد يندرج في إطار السرد اللاحق إن صحّ القول. ومن المفارقات الزمنية في نظام الترتيب القصصي، هناك الاسترجاع، حيث ينتقل بنا الراوي من حاضر الحكاية إلى ماضيها، سدًا لبعض الثغرات التي أغفلها السرد. يقول: "في السابع عشر من أغسطس 1969، زارتنا خالتي "رحمة" رفقة ابنيها بوشتى والمانع (...) كان المانع مراهقًا وسيمًا وأنيقًا (...) عرف باندفاعه وعنفه خصوصًا قبل فصله من الدراسة من قبل اللجنة التأديبية بعد أن ضرب بسلسلة دراجته النارية زميلين له بالغا في السخرية من اسمه الغريب (...) وألحق بهما أضرارًا لا تزول. فصل من الدراسة وهو في الصف الرابع الإعدادي، وخلّف ذلك حزنًا عظيمًا في نفوس أسرته التي تبخّرت آمالها في أن تستدرك من خلاله ما فاتها من جاه يحققه العلم لدعم وضعها المادي الممتاز. وحين فصل ونجا من السجن بفضل الرشاوي والتدخّلات، اضطر إلى الالتحاق بمصنع أخويه ليتعلّم فن تصميم النماذج". (ص 100).

إنّ قصة المانع المشار إليها أعلاه، قد استغرقت في الواقع سنوات، مما يكشف عن الإيقاع السريع للسرد، من خلال اعتماد السارد على التلخيص والحذف، إذ إنّه قد أسقط مراحل زمنية متّصلة بالقصّة، فجاء الحذف حذفًا صريحًا تارةً: "بعد أسبوع استطعت أن أقف وأمشي" (ص 61). وضمنيًا طورًا: "علمت بعد سنين أنّني كابدت لحظتها بعض آلام من يتماهون مع العالم الممكن للتراجيديا" (ص 40).

ليست "رهاب مُتعدّد" سيرة طفولة وحسب، وإنّما سيرة مكان أيضًا؛ سيرة فاس القديمة تحديدًا دون غيرها

لكن تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّه رغم سرعة الإيقاع السردي، إلّا أّن السارد كان يعمد في الكثير من الأحيان إلى إبطاء هذا الإيقاع، ويعطّل السرد من خلال تلك الوقفات المتكرّرة المخصّصة للوصف؛ وصف الأمكنة أو وصف الشخصيات بدقّة جعلتها تتمثّل أمام القارئ بأدقّ تفاصيلها.

اقرأ/ي أيضًا: أحمد بوزفور.. تحرير خيول القصّة من السقف

نُلاحظ أيضًا أنّنا أمام سارد مشارك في الأحداث، تتساوى معرفته ومعرفة شخصيات العمل، باستثناء بداية فصل "حامة مولاي يعقوب"، الذي نقف فيه أمام سارد عليم يعرف كل ما تفكّر فيه الشخصيات. وأيضًا، نُلاحظ أنّ هناك تطابقًا بين الشخصية الرئيسية في السيرة، وبين المؤلّف نفسه، عبد اللطيف محفوظ، والذي يحكي قصّته بنوعٍ من التخييل الفنّي، مُنفردًا بسرد حكايته من بدايتها إلى نهايتها. أخيرًا، "رهاب مُتعدِّد" إذًا سيرة توثّق مرحلة طفولة عبد اللطيف محفوظ، أو الأحداث التي كانت سببًا في ولادة الرهاب عنده.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أدباء مغاربة.. متاهات اللذة الفنية

الأعمال القصصية الكاملة لأنيس الرّافعي.. رهان التّكثيف