عبد الكريم الجويطي.. في مغرب الأسرار

عبد الكريم الجويطي.. في مغرب الأسرار

(Getty) نقطة تفتيش مغربية في الصحراء الغربية

عند قراءتك للوهلة الأولى عنوان رواية "المغاربة" (المركز الثقافي العربي، 2016)، للكاتب والمترجم المغربي عبد الكريم الجويطي، سيلفت انتباهك هذا العنوان، وستراودك أسئلة عديدة، قد تتساءل عن هدف الكاتب من استخدام كلمة "المغاربة" عنوانًا لما تحمله من دلالات متعددة؟ فهل الرواية تاريخية تتحدث عن تاريخ شعب بالكامل؟ أم أن الكاتب سيتحدث عن قصص لشخصيات معينة جرت في تاريخ ومدن مغربية معينة؟ لكن في النهاية وبمجرد قراءتك لأحداث وتفاصيل الرواية ستجد أن العنوان كان في محله ولائقًا جدًا.

تتناول رواية "المغاربة" حقبات مختلفة من تاريخ المغرب من خلال أعمى ومعاق

تطرق "المغاربة"، من خلال 400 صفحة، إلى حقبات مختلفة من تاريخ المغرب، متناولة شخصيات عاشت في الماضي البعيد، منها من عاش فترة الاستعمار بكل معاناته، ومنها من عاش التاريخ المعاصر، كما تتحدث عن الإسلاميين أيضًا، وعن رجال السلطة، وعن الأغنياء والفقراء، وعن البادية والمدينة.. إلا أن الشخصيتين الرئيسيتن اللتين تلعبان أدوارًا رئيسية هما "السارد الأعمى" و"العسكري المعاق"، حيث تربط بينهما علاقة الأخوة، فلكل شخصية آلامها ومعانتها الخاصة.

اقرأ/ي أيضًا: زياد خدّاش.. اختراع أسباب رائعة للبكاء

كثيرًا ما يتطرق الكاتب إلى "العميان" في رواياته السابقة، لكن هذه المرة يبدأ روايته بالسارد الأعمى، فيحكي عن عائلته، وعن تفاصيل حياته، سيعيش هذا الأعمى الكثير من الأحداث المليئة بتفاصيل مؤلمة، ابتداء من إصابته بداء ضعف البصر، الذي سينال من بصره وسيلجه إلى عتمة الظلام وما يترتب عنها من شقاء. أو وفاة جده وهو طفل، والذي ترك ألمًا كبيرًا في حياته، سيما عند معرفته السبب الحقيقي لموته، والذي يكمن في انتزاع الدولة أرضه بقوة وبثمن بخس لتقيم فيها منشآت سكنية.

حاول كاتب الرواية أن يصل رسالة إلى القراء مفادها أن المغرب الحقيقي يظهر هنا من خلال المسحوقين والمحطمين والمصابين بعاهات جسدية أو نفسية، يتأملون في صمت وبغضب أيضًا، روحهم معطوبة جراء ما حدث وما يحدث لهم. فالعسكري شخصية مقهورة تعكس الخطاب التاريخي والاجتماعي المتعلّق بتاريخ المغرب الوسيط والمعاصر، فقد أُصيب العسكري في حرب الصحراء، ودخل المشفى ليخرج منها برجل واحدة، فكر في التخلص من معاناته عبر الانتحار لكنه لم يستطع.

عند قراءتنا وسماع صوت العسكري ذي النفسية العليلة التي لا تقوى على الحياة، سنفهم معاناته عندما أمسى عاجزًا، بسبب عاهة تسببت بها حرب يخوضها بنيابة عن الجميع، فأقصى ما يمكن أن يقدمه الآخر له نظرة شفقة بائسة تزيد من معاناته وغضبه. وجد العسكري ضالته في الكتب التي أصبحت ملجأه الوحيد، بعدما أمسى عاجزًا لا يقوى على رؤية نظارات الشفقة في عيون الآخرين.

المغرب الحقيقي هو مغرب البؤساء والفقراء، وليس المغرب الذي يسحر السياح

انتقد العسكري أيضًا حرب الصحراء كثيرًا، سنفهم من خلال قصته أن ضحايا الحروب هم رجال العسكر الرابضين في فضاء مليء بالرعب والموت، أما الجنرالات فهم يعيشون في أماكن آمنة، ينعمون بالرفاهية. تزخر الرواية بالكثير من الشخصيات، يبقى "الخراب" قاسمها المشترك.

اقرأ/ي أيضًا: عشرة كتب يجب أن تقرأها في 2017

ومن اللافت أن الرواية تتطرق إلى شخصية "الخبير"، التي ستروي للعسكري قصتها، هنا سيتحدث الكاتب عن ضحايا سنوات الجمر، وما تركته من ضحايا وما تسببت به من معاناة لا تنسى، لدى "المغاربة".

كان الكاتب جريئًا جدًا باستخدامه هذا العنوان اللافت والمحيّر في آن، فتحته جمع شخصيات من فترات تاريخية معينة، يوحدها التحطم الذي أصاب الجسد والروح، ربما ستشفق على هؤلاء لما عاشوه من قسوة وقهر، لكنك ستحبهم في النهاية، فهم تعبير عن عمق انكسار الكائن الإنساني.

لعل الكاتب أراد أن يقول، من بين الأشياء الكثيرة التي قالها، إن هذا هو المغرب الحقيقي ببؤسه وحزنه واندحاره، وليس المغرب الآخر الموجود في عيون السياح الأجانب المبهورين به بغرائبيته وجماليالته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"سليل الغيمة".. في أرض القتلى وسمائهم

صلاح باديس.. أخيرًا للجزائر العاصمة شعرها