17-أبريل-2020

تمنحنا قراءة عبد الفتّاح كيليطو نوعًا من الاستنارة في الأدب وما يعنيه، من خلال كتبه النحيلة القادرة على أن تعلّمنا ما لا تعلّمنا إيّاه كتبٌ سمينة يحشوها أصحابها دون حساسية تجاه النوعيّة.

يسأل عبد الفتاح كيليطو عن المعنى الكامن في الجمال. إنه يدور حول الغرابة.. يُجيبنا

يكتب كيليطو عن الأدب العربي القديم بشكلٍ أساسي، وهو أدب صعبٌ عسيرُ التناول، لكنّ قدرته على الإحاطة به والإمساك بأسراره تجعله يُحييه بقراءاته الجديدة ونظراته الثاقبة.

اقرأ/ي أيضًا: عبد الفتاح كيليطو.. جاحظ يكمل الغناء

في "الأدب والغرابة.. دراسات بنيوية في الأدب العربي" (دار توبقال للنشر، الدار البيضاء 2015)، لدينا قسمان، يسعى الأول منهما إلى توضيح مفاهيم مثل: النص، السرد، تاريخ الأدب. أما الثاني فيهتم بتحليل بعض المؤلفات التراثية مثل: أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، مقامات الحريري، حكاية سندباد.. وغيرها.

يسأل كيليطو عن المعنى الكامن في الجمال. إنه يدور حول الغرابة؛ يُجيبنا. "الشعور بالغرابة هو علّة التأثير الذي ينتاب المتلقي" (ص 69)، لأنّ المتلقي المعتاد على تصوّرات معينة حين يصادف في الشِّعر أشياء لم يألفها أو تعوّد عليها، يأتيه شعورٌ غريب، وهذا سرّ التأثير. ولكي يشرح هذه الفكرة يمضي إلى الشمس، لأنها تمثّل بين شروقها وغروبها الإقامةَ والترحال، الألفةَ والغرابة، ولكي يُجدّد الإنسان نفسه عليه تقليد الشمس في الحياة، أما في الأدب فما من شيء يحاكي الشمس أو ينوب عنها سوى الاستعارة. هذا بعضٌ مما يخلُص إليه من محاوراته الجدلية لكتاب "أسرار البلاغة" للجرجاني.

غير أنّ حكاية السندباد تجسّد صيرورة الألفة والغرابة أيضًا، البعد والقرب، لأنّ السندباد تجّول في مغامراته بين عالمي الألفة القريب والغرابة البعيد، كما لو أنه تجوّل بين الحياة والموت. السندباد بالنسبة إلى كيليطو وسيط بين عالمين مختلفين، وحين لا يكتفي بهذه القراءة، يمضي بنا إلى استنباط سندبادات عديدة من شخصية السندباد نفسه، فحيث إن السندباد الذي نعرفه يُلقّب بالبحري لأنّه ركب البحر وغاض عبابَهُ فهذا يعني أن هناك سنابدةً آخرين فيه؛ إنه سندباد هوائيّ عندما ركب على ظهر طائر الرخّ وكذلك النسر، وسندباد تحتَ أرضيّ حينما دُفن حيًّا مع زوجته الميّتة.

يضع صاحب كتاب "أبو العلاء المعري أو متاهات القول" تلك القراءات كلها في السندباد ليرمي لنا باكتشافه الذهبي، وهو أن حكاية هذا البحّار المغامر التي ترويها شهرزاد لشهريار نوع من المقايضة. في حكايات "ألف ليلة وليلة" الراويةُ ضعيفةٌ والمستَمِع قوي، فشهرزاد سوف تنتهي مذبوحةً مع طلوع الصباح إن لم تترك تشويقًا، فخًّا سرديًّا، في ما ترويه لتعيش يومًا إضافيًّا. وهكذا تقايض حكاياتها برحمة المَلِك.

تلك غرابة قصّ القصة، أما الغرابة في داخلها فتأتي من لقاء السندباد البحري، الرجل الغني القوي، بحمّالٍ فقير ضعيف، وحينها يخبره بحكاياته، ولقاء الاستماع إلى كل قصةٍ يعطيه ذهبًا وطعامًا ومقامًا. يقول كيليطو: "عندما دخل الحمّال في علاقة تبادل مع السندباد انتقل من الفقر إلى الغنى: التبادل يؤدي إلى التبدّل" (ص 117). وبالطبع لدينا هنا سندباد جديد هو الحمّال الذي يصبح "السندباد البري".

يعلّق على أن "السندباد العربي"، كما يُعنون الفقرة الأخيرة، تاب عن السفر، لأنه تاب عن الوقوع في فتنة العالم الغريب، وعن الاستسلام إلى إغراءات الآخر والتنكر للأصل. السندباد عند كاتبنا جدلٌ بين الانفتاح والانغلاق، والسندبادية لم تنته بعد، وبكلماته: "بصفةٍ أو بأخرى، كلنا اليوم في العالم العربي سندباد" (ص 120)

ربما تخطر لبعض المؤرخين، حسب تودوروف، فكرة إعادة تسمية القارة، ولو حدث فمن الضروري تسمية آسيا "سندبادا"، وأوروبا "أوديسيا"

يذكّرنا ما أتينا عليه من قبل بفكرة تزفيتان تودوروف حين قال إنّ المتخيّل يستطيع الحلول محلّ الحقيقة، ولأجل ذلك قام بدراسة رسائل كولومبوس وأمريكو، ووجد أنه على الرغم من أن الحقائق التاريخية تشير إلى أنّ الأول هو الأسبق في الوصول إلى العالم الجديد إلاّ أنّ المكان سمّي أمريكا وليس كولومبيا. يعود ذلك، برأيه، إلى كون الرسائل التي كتبها أمريكو تتفوّق بلاغيًّا على رسائل كولومبوس. ربما تخطر لبعض المؤرخين، حسب تودوروف، فكرة إعادة تسمية القارة، ويضيف أنّ ذلك لو حدث فمن الضروري تسمية آسيا "سندبادا"، وأوروبا "أوديسيا"، كنوع من الاحترام للسندباد وأوديسيوس.

اقرأ/ي أيضًا: عبد السلام بنعبد العالي في "لا أملك إلَّا المسافات".. توليد الفكر واللغة

الكتابة رحلة في النصوص القديمة، لكن لكل رحلة طريقًا، والطريق هنا ملأى بمحطات من الغرابة والغريب. أما كيليطو الكاتب المرتحل بعقولنا فسندباد أدبيّ كامل الأوصاف، نصوصه رحلةٌ، وبين برّ النصوص ومائها يسرد علينا أفكاره الجوّالة التي تريد أن تجد مستقرها في النهاية، كما هو حال "الغرباء بين أهل المدينة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

أثر الناقد.. نموذج تودوروف

مأساة الأدب