عبد الفتاح كيليطو.. فن الاستطراد والخطأ

عبد الفتاح كيليطو.. فن الاستطراد والخطأ

كتاب "في جو من الندم الفكري" (ألترا صوت)

يبحث عبد الفتاح كيليطو في الكتب عن إجاباتٍ للأسئلة التي تصادفه أثناء الكتابة. وغالبًا أثناء الكتابة عن الكتب التي قرأها تحديدًا، إذ إنه يصل إلى الكتابة محملًا بما تثيره القراءة من أسئلةٍ لا تنضب، ويعود من جديد إلى ممارستها بحثًا عن إجاباتٍ لأسئلةٍ أخرى تظهر وتتشكل أمامه بينما يكتب. وعبر هذا التنقل المستمر واللانهائي بينهما، ذهابًا وإيابًا، تتمدد القراءة ويصير من الصعب إغلاقها والكف عن التردد إليها بين وقتٍ وآخر.

ليس بمستطاع كيليطو أن يكتب بطريقة أخرى، ويرى أن هذا هو تعريف الأسلوب، أن يظل المرء حبيس طريقة في الكتابة

لذا، ليس غريبًا أن يتناول الكاتب المغربي الموضوع نفسه أكثر من مرة، لا سيما أنه يفعل ذلك بشكلٍ يختلف تمامًا عما سبقه، ولغاياتٍ ليس بالضرورة أن تتشابه، ذلك أنه لا يروي في كتبه، وبحسب تعبيره، إلا لقاءاته المتجددة مع هذا المؤلف أو ذاك. وإذا ما تساءلنا عما يدفعه إلى تجديد اللقاء بهم، يكون الجواب، غالبًا، وبمعزلٍ عن أي أسبابٍ أخرى، هو البحث عن إجابةٍ لسؤالٍ ما تشكل أثناء الكتابة أو عنها.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "بحبر خفي".. أفكار عبد الفتاح كيليطو المتجولة

في بحثه عن ماهية الأسلوب ومعناه في كتابه "في جو من الندم الفكري" (منشورات المتوسط، 2020)، يُجدد عبد الفتاح كيليطو لقاه بعددٍ من المؤلفين العرب القُدامى، إذ إن سؤاله عن أسلوبه في الكتابة دفع به نحو العودة إلى "مقامات الحريري"، أو الأسلوب الذي كُتبت به تحديدًا، وهو أسلوبٌ كان ليجعل منها، لو أن مؤلفها بناها وفق ترتيبٍ زمني محكم يربطها ببعضها البعض، عملًا روائيًا بالمعنى الأوروبي للرواية، وذلك بحسب باحثٍ لا يتذكر كيليطو اسمه هنا.

ولكن المقامات التي هي في الأصل وحدات مكتفية بذاتها ومنفصلة عن بعضها البعض، خرجت عن هذا المسار لأسبابٍ مختلفة، منها أسلوب الحريري الذي لم يكن بوسعه تجاوزه، وربما لم تكن لديه النية لفعل ذلك أيضًا، دون أن يكون الأمر مرتبطًا بالعجز، وإنما بطبيعة الأسلوب وماهيته. يقول كيليطو: "ليست طريقتي في الكتابة من اختياري، ما هو شبه مؤكد أن ليس بمستطاعي أن أكتب بطريقة أخرى، ولعل هذا هو تعريف الأسلوب، أن تظل حبيس طريقة في الكتابة".

أدرك مؤلف "الأدب والارتياب"، هذه الحقيقة بعد قلقٍ طويل صاحبه شعورٌ بالنقص، بسبب عدم قدرته على كتابه دراسة رصينة وفق المعايير الجامعية المعهودة، أو تأليف بحثٍ حول موضوعٍ ما في فصول متراصة البناء. واستدل عليها بعد إدراكه أن الجاحظ، لم يكن يستطيع أو يرغب في إنجاز كتابٍ حول موضوعٍ محدد، وضمن مسارات محددة أيضًا، ليؤسس بذلك أسلوبه الخاص القائم على الاستطراد والانتقال المفاجئ من موضوعٍ إلى آخر بشكلٍ متواصل.

إنه، وبجملةٍ أخرى، أسلوبٌ يعتمد الكتابة بالقفز والوثب بحسب الكاتب المغربي، الذي يرى أن سبب انشغاله بدراسة المقامات هو أن مؤلفيها المتشبعين بفكر الجاحظ نهجوا هذا الأسلوب الذي سيتأثر به بدوره، لتأتي كتاباته على شكل: "فصول قائمة بذاتها. إنها استطرادات، مجالس، أو إذا فضلنا مقامات بكل معاني الكلمة".

الملفت للانتباه في حديث عبد الفتاح كيليطو، هو أن ما ظنه عجزًا أول الأمر اتضح له فيما بعد أنه أسلوبه، أي أنه كان يسعى خلف شيء هو في متناول يده، الأمر الذي يحيل، ضمنيًا، إلى فكرة أن "من نبحث عنه بعيدًا، يقطن بقربنا"، وهي فكرة سبق وأن تناولها في كتبه السابقة، ولكنه يعاود الحديث عنها في كتابه هذا بعد أن جدد، على ما يبدو، لقاؤه بالأرجنتيني خورخي لويس بورخيس وقصته الشهيرة "بحث ابن رشد".

يتشارك بورخيس وابن رشد الاهتمام بفكرٍ وأدبٍ يجهلان لغته، العربية واليونانية. ويلتقي قارئ قصة الأول، الغربي تحديدًا، مع الأخير في "العمى" وعدم القدرة على بلوغ المعنى والتقاطه رغم قربه، ذلك أن ابن رشد أقبل على "فن الشعر" لأرسطو، دون معرفة سابقة بالأدب اليوناني، بل إنه أعرض عن العناصر اليونانية التي لم يفهمها بقوله: "وسائر ما يُذكر فيه أو جلّه مما يخص أشعارهم وعادتهم فيها"، بمعنى أن هذه أشياء تخصهم، وليست معرفتها لازمة أو مستعجلة.

القارئ الغربي أقبل بدوره على قصة بورخيس دون معرفةٍ سابقة بالأدب العربي، ودون أن يكون قادرًا على فهم الإحالات الأدبية في القصة، والانتباه إلى الإشارات والتلميحات العربية فيها، بل إنه تعامل معها انطلاقًا من مبدأ أن هذه أشياء تخص العرب وحدهم، مما يجعل من اكتمال معنى القصة عنده أمرًا مستحيلًا، تمامًا كما هو حال ابن رشد الذي لم يستدل إلى دلالة "طراغوديا" و"قوموديا" أثناء تفسيره لـ "فن الشعر"، ولم يبصر، من شرفته، معنى ما كان يقوم به الأطفال أمامه.  

يصل كيليطو إلى الكتابة محملًا بما تثيره القراءة من أسئلةٍ لا تنضب، ويعود إلى ممارستها بحثًا عن إجاباتٍ لأسئلةٍ تشكلها الكتابة

يشدد صاحب "لن تتكلم لغتي" في حديثه السابق على مفردة الرؤية، ذلك أن لموضوع العين أهمية شديدة في قصة بورخيس. ويتساءل في هذا السياق: "أبمحض الصدفة أن بعض المؤلفين الذين ذكرهم، وأقصد الجاحظ وابن شرف القيرواني صاحب مسائل الانتقاد، وابن سيدة مصنف كتاب المُحكَم، يعانون من عاهة أو مشكلة في العين، أم أنه كان واعيًا تمامًا بهذا وأن الأمر كان في حساباته؟".

اقرأ/ي أيضًا: عبد الفتاح كيليطو في "الأدب والغرابة".. سندباد أدبي

يرجح الكاتب المغربي في إجابته على هذا السؤال أن بورخيس: "لكونه لم يعد يبصر، أو ضعف بصره، انتبه بالضبط إلى هؤلاء، وأن اختياره وقع عليهم لملائمة وضعهم مع المعنى العام الذي قصده في القصة، أي العمى الذي أصاب ابن رشد أثناء قراءته لـ فن الشعر".

 

اقرأ/ي أيضًا:

عبد الفتاح كيليطو.. جاحظ يكمل الغناء

عبد الفتاح كيليطو: النقطة الفاصلة