عبد الحميد الديب.. شاعر البؤس ورسول الصعاليك

عبد الحميد الديب.. شاعر البؤس ورسول الصعاليك

شاعر البؤس، عبدالحميد الديب (أرشيفية - الترا صوت)

عاش بعض الموهوبين في الظل، بعيدًا عن أضواء الشهرة، حيث كان الحزن والفقر أهم سمات حياتهم ووقود إبداعهم. أحد هؤلاء هو الشاعر عبد الحميد الديب، الذي التصق به البؤس في حياته، وحتى في لقبه الأدبي، إذ عرف بـ"شاعر البؤس".

عاش بعض الموهوبين في الظل، بعيدًا عن أضواء الشهرة، وكان الفقر والبؤس أهم سمات حياتهم، لعل أبرز هؤلاء الشاعر عبدالحميد الديب

في تموز/يوليو من عام 1898، ولد عبد الحميد الديب في قرية كمشيش بمركز البتانون التابع لمحافظة المنوفية في دلتا مصر. كانت شمس القرن الـ19 تستعد للغروب مؤذنة بميلاد قرن جديد، سيعصف بما حمل، بتاريخ البشرية وبحياة عبد الحميد الديب.

اقرأ/ي أيضًا: نجيب سرور.. سيرة تمرد شاعر العقل

أحلام الأب في مدينة الرب

ولد عبد الحميد الديب لأسرة غير ميسورة الحال. كان والده تاجر مواش موسمي، ارتبط عمله بالمواسم والأعياد فقط نظرًا للظروف الاقتصادية الصعبة حينها. بؤس النشأة طبع مشوار عبدالحميد، ورسم طريقه الحياتية والأدبية.

وكغالب أبناء جيله التحق الديب بكُتاب القرية، لكنه لم يهو دراسة العلوم الشرعية، فاستغل قربه من الأزهريين في الحصول على دواوين المتنبي وأبي نواس والمعري وغيرهم من كبار الشعراء الذين كانوا بوابته نحو عالم الشعر.

وفي عام 1914 أرسله والده إلى الإسكندرية ليواصل تعليمه الأزهري في معهد الإسكندرية الديني. هناك، مثلت له المدينة الكوزموبوليتانية عالمًا آخر غير الذي كان يعرفه؛ الثقافات المختلفة، والمباني العريقة زادت من إدراكه ونمت لديه حواس الجمال، إلا أن ضيق ذات اليد دفعه إلى بداية رحلة طويلة من الصعلة لم تنتهى حتى وفاته.

الصعلوك.. الذي ليس كمثله أحد

انتهى عبد الحميد الديب من دراسته في معهد الإسكندرية الديني لينتقل أخيرًا في عام 1920 إلى القاهرة للدراسة بالأزهر الشريف، تحقيقًا لحلم والده بأن يكون شيخ عمود في الجامع الأزهر. 

في القاهرة أيضًا لازمته الظروف الصعبة، ما دفعه إلى للالتحاق بكلية دار العلوم بدلًا من الأزهر، إذ كانت دار العلوم تصرف لطلابها مكافأة شهرية. لكن الديب لم يشتهِ دار العلوم ولا غيرها، فترك التعليم كله.

عبد الحميد الديب
لقب عبدالحميد الديب بـ"وريث الصعاليك"

من هنا يمكن القول إن رحلة الشاعر الذي عرف بـ"وريث الصعاليك" قد بدأت. والصعلوك في اللغة العربية هو الفقير المتشرد المتسكع. لكنها بمرور الوقت ارتبطت أكثر، على المستوى الشعبي، بأعمال البلطجة والسرقة، ليعيد عبدالحميد الديب الكلمة إلى أصول معناها: الفقر والتسكع في الشوارع والتنقل بين المقاهي، ليكون رسولًا مجددًا للصعاليك.

وإذا ما زار جيبه قرشًا صرفه الديب في تسكعه، ثم يعود ليلًا إلى غرفته التي ظل عاجزًا على الدوام، ليس فقط عن تأثيثها، بل حتى عن دفع إيجارها، ليسطر من مأساة حاله أبياتًا من الشعر لم تجد من ينشرها.

جُحر الديب

"الوالدانِ هلكتُ بعدَهُما..  مَن لي على ردِّ الأسى بهما

أستوحِـشُ الدنيا كراهيَةً.. مُذ ذقتُ كأسي من فراقهما".

 

أثناء دراسته بكلية دار العلوم بزغ نجم الديب كشاعر موهوب يحبه أساتذته قبل زملائه. في تلك الفترة توفي والداه، فرثاهما بأبيات تفيض بالحزن. 

وقد كان غياب الاستقرار المادي بعد وفاة الوالد، من دوافعه القوية للزهد في التعليم وفي الحياة عمومًا، لتستمر رحلته مع شعر يشكله البؤس والحزن.

ضيق الغرفة التي كان يسكنها الديب، دفعه ليسمها "جحر الديب". ومن تلك الغرفة كتب الديب عديد الأشعار التي تعد مرجعًا في وصف ضيق الأحوال ورعونة الحياة. 

ورغم كونه من الشخصيات الكسولة التي لا تؤمن بما يمكن لها أن تفعل، إلا أن شِعرَ الديب كان على النقيض من شخصيته، إذ كان حاضرًا على الدوام بلا كسل.

حياته الشخصية.. ذاكرة وطن

"لستُم لنا الأكفاءَ.. أنتُم عُصبةٌ.. ما في جهادكُمُ لمصرَ نصيبُ

حتمًا سيأخذُكم على أعناقِكُـم.. يومٌ بأخـذِ الظالمينَ قريـبُ

يوم الشبـابِ الطامحينَ وإنهُ.. كغَدٍ لمـن يرجو سناهُ قريبُ"

سمات وأحداث عديدة ميزت حياة الديب، الذي التقى بالشيخ سيد درويش الذي تلمس بدوره موهبته الشعرية، فقرر أن يشتغل على أشعاره بالتلحين والغناء، لكن سرعان ما وافت المنية درويش، ليكمل الديب رحلته مع البؤس وحيدًا حتى تزوج شاركته ضيق غرفته والحياة.

كان الديب حانقًا على الأوضاع السياسية المصرية، لم يكتف بصب غضبه على الاحتلال، بل انتقد كذلك السياسيين المصريين والمنشغلين بالتحرير. وحتى أصدقاءه لم يسلموا من نقده.

سيد درويش
التقى الديب بسيد درويش، لكن رحلتهما انتهت مبكرًا بوفاة درويش

وقد أودع الديب السجنَ عدة مرات بسبب رأيه ونشاطه السياسي. لكن، وكأنه ينقصه البؤس، فلم ينته عقابه بالسجن، بل أودع مستشفى الأمراض العقلية.

النهاية

"إلى الله أشكو ما فقدتُ من الصبا.. بحانة خمار وبيت قسوس

فمن يدععُني للكأس بعدُ فإنني.. اتخذت الهدى كأسي وروحَ أنيسي

وماذا وراء الخمرِ إلا روايةٌ.. تمثّل أحزاني وشدة بؤسي".

 

أدمن الديب الكحوليات، وقال إن قسوة الحياة هي السبب: "وماذا وراء الخمر إلا روايةٌ.. تمثل أحزاني وشدة بؤسي". لكنه في السنوات الأخيرة من عمره اعتزل الخمر، وفي عام 1939 اعتزل الشعر، وقد رأى أنه استهلكه كما استهلكه الخمر، وعاش سنوات أخيرة اتسمت ببعض الهدوء.

قبيل وفاته، عينه عبد الحميد عبد الحق، وزير الشؤون الاجتماعية آنذاك - وكان رجلًا محبًا للأدب- في وظيفة حكومية بسيطة بأجرة أربعة جنيهات، حتى أنه قال على إثرها: "بالأمس كنت مشردًا أهليًا.. واليوم صرت مشردًا رسميًا".

في نيسان/أبريل 1943، توفي عبد الحميد الديب عن 45 عامًا. حياةُ قصيرة لكنها حافلة لإنسان فريد وشاعر ينسب له وصفها بالقول: "ولي أيرٌ تهيم به الغواني.. إذا ما قام هبّ كما الغضنفر/ أردنا أن ننيك به الليالي.. فناكتنا وأيرُ الدهر أكبر".

  رغم أنه من الشخصيات الكسولة التي لا تؤمن بما يمكن لها أن تفعل، لكن شِعرَ الديب كان على النقيض من ذلك؛ حاضرًا على الدوام بلا كسل

يُذكر أنه في كتاب "عصر ورجال"، للكاتب الصحفي والسياسي المصري الشهير فتحي رضوان، ورد ذكر عمالقة النصف الأول من القرن العشرين في مصر، منهم طه حسين والعقاد والمازني وأحمد أمين، كما ورد فيهم عبدالحميد الديب. ربما لم يكن الديب بشهرة أيٍ من هؤلاء، لكنه ربما كان من بين أكثرهم تعبيرًا عن واقع عامة الناس.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

قائمة غير مكتملة للشعراء العرب المنتحرين

محفوظات عبدالله حافظ للتراث الشعبي المصري.. هوس الاقتناء ومؤانسة الوحدة

:دلالات