عام على سقوط الأسد: سوريا بين وعود الانتقال وتحديات الواقع
8 ديسمبر 2025
بعد مرور عام كامل على سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تبدو سوريا اليوم أمام مشهد سياسي جديد تمامًا، لا يزال يتشكّل فوق ركام دولة أنهكتها الحرب والاستبداد والانهيار الاقتصادي. سنة واحدة كانت كافية لإحداث تغييرات واسعة، لكنها لم تكن كافية لحسم أسئلة المستقبل أو تبديد الهواجس العميقة حول اتجاه البلاد ومسار علاقاتها الإقليمية والدولية.
عام الانتقال الصعب
خلال هذا العام، حاولت سلطة المرحلة الانتقالية رسم مسار لإعادة بناء الدولة وتوحيد المؤسسات، لكن الواقع على الأرض كان أكثر تعقيدًا. ففي أعقاب سقوط نظام الأسد، شهدت البلاد تطورات سياسية وأمنية أعادت اختبار صورة الانتصار في الأسابيع الأولى بعد التحرير.
وجاء "خطاب النصر" الذي ألقاه الرئيس أحمد الشرع ليؤكد أن المرحلة الجديدة ستقوم على "وحدة سوريا فوق كل اعتبار"، رافضًا أي مشاريع انفصالية أو تقاسم نفوذ، ومعلنًا خارطة طريق تشمل تشكيل حكومة انتقالية وعقد مؤتمر للحوار، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، والشروع في صياغة دستور جديد.
وشدّد الشرع على أن العدالة الانتقالية ستكون بديلًا عن الانتقام، وأن المصالحة الوطنية ضرورة لمنع انزلاق البلاد إلى دوامة ثأر جديدة، مع تأكيده على ضمان عودة اللاجئين ضمن برنامج دولي يوفّر لهم شروط حياة آمنة. واختتم خطابه بدعوة السوريين إلى "النهضة من جديد" بروح جماعية خالية من الكراهية.
لكن الخطاب واجه اختبارًا مباشرًا على الأرض، مع تصاعد موجات العنف الدامي في الساحل والسويداء، ما كشف هشاشة قدرة السلطة على تطبيق وعودها وفرض الأمن والسيطرة.
خلال هذا العام، حاولت سلطة المرحلة الانتقالية رسم مسار لإعادة بناء الدولة وتوحيد المؤسسات، لكن الواقع على الأرض كان أكثر تعقيدًا
الساحل والسويداء: عنف وتوترات مفتوحة
في الساحل السوري، التي ظلت لعقود معقلًا للنظام السابق، انفجرت توترات كامنة فور انهيار النظام. وخلال أشهر قليلة، شهد الساحل موجة من العنف والانتقام. وسجلت تقارير حقوقية محلية ودولية وقوع مجازر طالت المدنيين، ما دفع آلاف السكان إلى النزوح بحثًا عن ملاذات آمنة. هذا العنف أثار مخاوف كبيرة حول قدرة السلطة الانتقالية على فرض الأمن وإدارة العدالة بشكل متوازن، خصوصًا في ظل هشاشة الأجهزة الأمنية الجديدة.
ووثّقت منظمات حقوقية وقوع مجازر وعمليات انتقام جماعية ضد عائلات، ما أثار حالات نزوح واسعة وأعاد إلى الواجهة سؤال العدالة الانتقالية وحدود سيطرة الحكومة الجديدة. وشددت المنظمات الحقوقية على أن معالجة الانتهاكات المروعة التي شهدتها مناطق الساحل لن تتحقق فقط عبر محاسبة الجناة، بل تتطلب تنفيذ إصلاحات جذرية في أجهزة الأمن والقضاء، وضمان عدم بقاء أو إعادة تجنيد المتورطين في الانتهاكات في مواقع السلطة.
أما في السويداء، فقد شهدت المحافظة مواجهات دامية بين مجموعات محلية وأخرى من البدو، سرعان ما تحولت إلى صراع شامل بعد تدخل قوات وزارة الداخلية والدفاع لمحاولة فرض السيطرة على الوضع. توسعت رقعة العنف بمشاركة واسعة لمسلحي العشائر، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، وتصاعد موجات الخوف والنزوح داخل المحافظة. ومع تصاعد التوترات، دخلت إسرائيل على خط المواجهة لدعم الفصائل المحلية، وشنّت هجمات على مواقع القوات الحكومية في المحافظة، فيما استهدفت مبنى هيئة الأركان العامة في العاصمة دمشق، في رسالة واضحة لتعزيز نفوذها جنوب سوريا وإعادة رسم خطوط السيطرة في المرحلة الانتقالية.
هذه الأحداث عززت دعوات بعض الفاعلين المحليين لإدارة ذاتية موسّعة والدعوة للانفصال، في ظل غياب القدرة الفعلية للسلطة الانتقالية على فرض الأمن بسرعة، مما جعل المحافظة أحد أبرز بؤر التوتر بعد سقوط النظام.
إسرائيل في جنوب سوريا
في ذروة التوتر، برز عامل خارجي زاد المشهد تعقيدًا: إسرائيل، التي وجدت في الفراغ الأمني جنوب سوريا فرصة لتوسيع نفوذها عبر احتلالها مواقع استراتيجية في هضبة الجولان وفرض واقع جديد.
ومنذ اللحظة الأولى لسقوط نظام الأسد، تصاعد التدخل الإسرائيلي في الجنوب بشكل لافت ومتعدد الأبعاد. لم يقتصر الأمر على عمليات قصف جوي وبري وتوغل وحملات تفتيش واعتقالات، بل شمل السيطرة على مناطق استراتيجية حساسة، أبرزها جبل الشيخ، ما منح إسرائيل قدرة فعلية على مراقبة المنطقة. كما أقامت القوات الإسرائيلية بوابات وحواجز ثابتة، وشرعت في تجريف الأراضي لتعزيز وجودها، ما أدى إلى فرض واقع ميداني جديد يحد من قدرة السلطة الانتقالية على فرض سيطرتها الكاملة.
هذا الاحتلال الجزئي للمناطق الاستراتيجية جعل جنوب سوريا منطقة مفتوحة على صراعات محتملة، وزاد من تعقيد التوازن الإقليمي، حيث تُظهر إسرائيل من خلال تحركاتها قدرتها على النفوذ والضغط السياسي والعسكري في المرحلة الانتقالية.
وأصبحت إسرائيل لاعبًا علنيًا في الجنوب، ليس عبر تدخل عسكري مباشر، بل من خلال رعاية ارتباطات محلية تحت عنوان "حماية الأقليات"، وهو خطاب وجد صداه لدى بعض الجهات في السويداء، ما زاد الضغط على الحكومة الانتقالية التي تحاول التمسك بوحدة البلاد وسط تصدّع واضح في الأطراف.
بقى العام الأول بعد سقوط الأسد مجرد بداية لمسار شاق، ستتحدد ملامحه خلال السنوات المقبلة
عام التغيير المفتوح على كل الاحتمالات
عام واحد كان كافيًا لإحداث تحوّلات واسعة، لكنه لم يكن كافيًا لإغلاق ملفات الحرب ولا لبناء نظام سياسي مستقر. ما زالت البلاد تعيش مرحلة انتقالية دقيقة، تتأرجح بين وعود التغيير ومخاطر الانتكاس، وبين طموحات إعادة البناء وتأسيس نظام سياسي عادل، وواقع تتنازعه الفوضى وتعدّد سلطات الأمر الواقع.
وفي ظل استمرار الانقسامات الداخلية، وتعاظم التدخلات الخارجية، وتنامي النزعات الانفصالية في بعض المناطق، تبدو الطريق نحو الاستقرار أطول وأكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا عند لحظة سقوط النظام. فالانتقال لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات: إمّا بناء دولة جديدة تتجاوز إرث الاستبداد والحرب، أو انتكاسة تعيد البلاد إلى دوّامة صراع بصور وأدوات مختلفة.
في كل الأحوال، يبقى العام الأول بعد سقوط الأسد مجرد بداية لمسار شاق، ستتحدد ملامحه خلال السنوات المقبلة، بقدر ما ستتمكن السلطة الانتقالية من فرض الأمن، وترسيخ العدالة، وصياغة إجماع وطني قادر على قيادة البلاد نحو مستقبل أقل اضطرابًا وأكثر استقرارًا.