عام دراسي جديد في لبنان.. مدارس متضررة وطلاب يحملون آثار النزوح
5 سبتمبر 2026
أعلنت وزارة التربية اللبنانية انطلاق العام الدراسي الجديد 2026/2027 منتصف شهر أيلول/سبتمبر الجاري، بدوام تدريس أربعة أيام أسبوعيًا، مع استمرار اعتماد نظام الدوامين الصباحي والمسائي.
لكن انطلاق العام الدراسي في موعده لا يعني أن المدارس اللبنانية تستقبل طلابها في ظروف طبيعية، فالحرب الأخيرة أضافت أعباءً جديدةً إلى قطاع يعاني أصلًا منذ سنوات أزمات مالية واقتصادية واجتماعية متراكمة، فيما لا تزال تداعيات الحرب حاضرة في عدد كبير من المناطق، ولا سيما في الجنوب.
وتتمثل أولى المعوقات في الأضرار المادية الجسيمة التي طالت المدارس والمراكز التربوية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى، لتضاف إلى مبانٍ كانت قد تضررت في حرب عام 2024، في وقت دُمّرت فيه عشرات القرى في الشريط الحدودي بشكل كامل وهُجّر أهلها، ما يشكل عبئًا إضافيًا على القطاع التعليمي.
340 مركزًا تربويًا متضررًا
أشارت منظمة اليونيسف، في تقرير نشرته على موقعها مطلع شهر تموز/يوليو الماضي، إلى أن أكثر من 100 ألف طفل لبناني قد يجدون أنفسهم بلا صفوف دراسية في حال لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإعادة تأهيل وإصلاح المباني المتضررة. وبحسب التقرير نفسه، تعرّض حتى تاريخه أكثر من 340 مركزًا تربويًا، رسميًا وخاصًا، لأضرار بسبب النزاع الأخير، من بينها 17 مبنى دُمّر بشكل كامل.
انطلاق العام الدراسي في موعده لا يعني أن المدارس اللبنانية تستقبل طلابها في ظروف طبيعية، فالحرب الأخيرة أضافت أعباءً جديدةً إلى قطاع يعاني أصلًا منذ سنوات أزمات مالية واقتصادية واجتماعية متراكم
ويرى ممثل اليونيسف في لبنان، ماركولويجو كورسي، أن المدارس هي أكثر من مجرد مبانٍ، بل هي أماكن يتعلم فيها الأطفال ويشعرون بالأمان. وفي كل يوم يبقى فيه الطفل خارج المدرسة، يزداد خطر فقدان التعلم والتسرب المدرسي. فالتعليم، بحسب كورسي، لا يمكن أن ينتظر بدء التعافي، بل هو جزء أساسي من عملية التعافي، فيما تتجاوز إعادة تأهيل المدارس مجرد إصلاح الجدران والصفوف الدراسية، لتعيد الأمل وتوفر الحماية وتمنح كل طفل فرصة التعلم وبناء مستقبله.
مدرسة مفتوحة... ولكن بلا بنية تحتية كافية
إصلاح المدارس وترميمها وفتح أبوابها لا يعني بالضرورة أن البنية التحتية اللازمة للتعليم أصبحت جاهزة، فالقطاع التعليمي في لبنان يعاني أصلًا مشكلات بنيوية على مستوى التجهيزات، من الكهرباء والمياه والتدفئة وخدمات الإنترنت، إلى التجهيزات الرقمية من حواسيب وألواح تفاعلية وغيرها، وقد تفاقمت هذه المشكلات بسبب الحرب، في ظل غياب اليقين بشأن موعد انتهائها والمآلات التي ستتخذها.
وفي بلد اعتاد انقطاع الكهرباء وضعف الخدمات الأساسية، تتحول هذه المسائل إلى جزء من التحدي اليومي لإبقاء الطفل داخل العملية التعليمية. وفي المقابل، كانت تجربة التعليم عن بُعد غير فعالة، بحسب كثير من التربويين والمختصين، إذ إن وجود الطالب داخل الصف والتواصل المباشر مع المعلم والزملاء يؤدي دورًا أساسيًا في تحسين عملية التعلم والتحصيل العلمي.
ومع ذلك، يبقى اللجوء إلى التعليم عن بُعد ضرورة في كثير من الحالات، في ظل التهجير القسري وعدم قدرة عدد كبير من المعلمين والطلاب على الالتحاق بمدارسهم في الجنوب، حتى في حال نجت هذه المدارس من التدمير. وهنا يواجه الطلاب والمعلمون مجددًا مشكلات ضعف الإنترنت والكهرباء خلال عملية التعليم "أونلاين".
معلمة خسرت منزلها ولا تعرف كيف ستعود إلى مدرستها
تعمل "ندى" مدرسةً للغة العربية في القطاع العام في إحدى مدارس قضاء بنت جبيل جنوبي لبنان. تقول إنها خسرت منزلها في الحرب الأخيرة، وهي تقيم اليوم في بيروت لدى بعض أقاربها وفي ظروف معيشية صعبة.
ولا تستطيع ندى، قبل أقل من شهر على انطلاق العام الدراسي، أن تعرف كيف ستلتحق بمدرستها. فهي لا تملك مكانًا تسكن فيه في الجنوب، ولا تملك القدرة على تحمل تكاليف الإيجارات الآخذة في الارتفاع بشكل مستمر.
وبذلك، لا تبدو عودة العام الدراسي مرتبطة فقط بفتح أبواب المدارس وتجهيز الصفوف، بل أيضًا بقدرة المعلمين والطلاب على الوصول إليها، وتأمين ظروف معيشية تسمح لهم بالاستمرار في العملية التعليمية.
الحرب لا تنتهي عند أبواب المدرسة
لعل المشكلة الأبرز في هذا المجال تتمثل في الحالة النفسية الصعبة التي سيعانيها الطلاب بعد أشهر طويلة من الحرب والنزوح، وأصوات القنابل والصواريخ، وخسارة الأهل والأقارب، وغيرها من التجارب القاسية.
في الجنوب، على سبيل المثال، لا تزال أصوات الانفجارات القوية تُسمع على مدار الساعة. وسيجد كثير من الأطفال صعوبة في الشعور بالأمان، خصوصًا بعد الابتعاد عن أهلهم، والعيش في بيئات غير مستقرة، والوجود في مدارس قد يحيط بها الخطر من كل جانب.
وللإضاءة أكثر على الأثر النفسي للحرب على الطلاب وعلى العملية التعليمية، تحدثت "الترا صوت" مع الأخصائية النفسية لين الجندي، التي تناولت في البداية أوضاع الأطفال الذين سيتلقون تعليمهم عن بُعد. وترى "الجندي" أنهم سيواجهون صعوبة كبيرة في التركيز، سواء كانوا في مراكز إيواء أو في منازل مكتظة بسبب ظروف التهجير، ناهيك عن المشكلات المتعلقة بالتجهيزات وسرعة الإنترنت وعدم توفر عدد كافٍ من الأجهزة لجميع أفراد الأسرة من التلامذة.
وأشارت "الجندي" إلى أن ذاكرة معظم الطلاب ليست سمعية، وبالتالي يحتاج التلميذ إلى أن يحل ويشارك ويتفاعل، لا أن يكتفي بدور المستمع. لذلك، ترى أن التعليم الحضوري ضروري له في هذه المرحلة العمرية، منوهةً إلى أن آلاف الطلاب لم يلتحقوا بصفوف دراسية حضورية منذ خريف عام 2023.
"وضعية النجاة" تعيق التعلم
وشددت "الجندي" على الآثار السلبية للقصف وأصوات التفجيرات وأزيز الطائرات والمسيّرات على الحالة النفسية للتلميذ، وبالتالي على مستوى تحصيله العلمي. فالتلميذ الذي يعيش في ظل هذا الخوف، بحسب الجندي، يفعّل ما يُعرف بـ"وضعية النجاة" (Survival Mode)، ويظل متوترًا طوال الوقت، خشية حصول غارة في أي لحظة.
وقد يعبّر الطفل عن هذه الحالة بطرق مختلفة للفت الانتباه إليه، قد لا تخلو من سلوكيات عنيفة، أو قد ينزوي ويعتزل ما يجري حوله ولا يتفاعل مع محيطه، إضافة إلى أعراض أخرى قد تظهر، مثل التبول اللاإرادي أو البكاء المفاجئ.
كما أن تغيير السكن والمدرسة بشكل مستمر، وبالتالي تغيير المحيط والأصدقاء، كلها عوامل تؤثر في دافعية الطفل ورغبته في التعلم، وتضعف شعوره بالانتماء، ما ينعكس في نهاية المطاف على تحصيله العلمي.
بينما تستعد المدارس اللبنانية لفتح أبوابها في أيلول، لا تبدو العودة إلى الصفوف مجرد استئناف لعام دراسي جديد، بل محاولة لاستعادة انتظام العملية التعليمية في بلد لا تزال الحرب والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية تلقي بثقلها على مدارسه ومعلميه وطلابه. فإعادة بناء التعليم لا تقتصر فقط على ترميم الجدران وتجهيز الصفوف فحسب، وهي مهمة شاقة بالأساس، بل تتعداها إلى إعادة بناء شعور الطفل بالأمان والاستقرار، وهما شرطان أساسيان كي يتمكن من التعلم مجددًا.