عامان على حصار قطر.. هكذا بدأت القصة وإلى هذا انتهت

عامان على حصار قطر.. هكذا بدأت القصة وإلى هذا انتهت

مضى عامان على حصار قطر، مع قفزة تنموية وإدارية في البلاد (Getty)

الترا صوت - فريق التحرير

قبل سنتين بالضبط من الآن، وتحديدًا في الخامس من شهر حزيران/يونيو عام 2017، كانت الأوضاع في الخليج العربي مقبلة على تطور جديد، سيحدد مصير المنطقة لفترة طويلة. استيقظ المتابعون على أخبار عاجلة، واستديوهات تحليل مفتوحة، لمشهد بدا وكأنه مُجهز سلفًا، وإن لم يكن معدو الحبكة على معرفة بما ستؤول إليه الأمور، أو بأنها ستنقلب عليهم بعد أشهر، بشهادة تقارير اقتصادية وتنموية عديدة.

طالما كان المال السياسي فاعلًا، وهو ما أدركه المحور السعودي الإماراتي جيدًا، لكنه لم يدرك ربما أن لهذا أوان قد ينتهي. هكذا اتفقت آراء عديدة أن السعودية بدأت تخسر موقعها في العالم العربي والإسلامي

تصريحات ملفقة نُسبت لأمير قطر، تلاها إعلان ثلاث دول خليجية هي السعودية والإمارات والبحرين، متبوعة بمصر ودول أخرى، حصارًا جويًا وبحريًا وبريًا على الدوحة. ثم جاء دور الإعلام السعودي والإماراتي، ليتوج نوعًا غير مسبوق من البروبغاندا ضد دولة خليجية، عضو في مجلس التعاون الخليجي.

اقرأ/ي أيضًا: الطريق إلى لاهاي.. انتهاكات الإمارات أمام استحقاق حصار قطر

من صور مزيفة للرفوف الفارغة في متاجر البلاد، التي تناقلتها صحف ووسائل تابعة لدول الحصار بشماتة منقطعة النظير، إلى سلسلة من المواقف الحكيمة التي اتخذتها الإدارة القطرية، والآفاق التجارية والاقتصادية التي انفتحت أمامها، والتقارير التي تشيد بمسارها السياسي خلال الأزمة، ثم بإنجازاتها التنموية، على مستوى الجامعات والمكتبات العامة وقطاعات الاقتصاد غير النفطية، ووسائل الإعلام، وقوانين المواطنة الأولى من نوعها خليجيًا؛ كانت الدوحة ترسم صورة جديدة للخليج العربي.

انتهى الحصار إلى ما بدأ منه، أي إلى محور سعودي إماراتي مهووس بإخضاع المنطقة جميعها، تزعجه عاصمة صغيرة تغرد خارج السرب، ثم جاءت الوساطة الكويتية، مرفوقة بموقف عمان النائي عن الأزمة، وكأنها مسمار أخير في نعش الاعتقاد السعودي، بأن الخليج العربي جميعه، تحت تصرف الرياض.

قد لا يكون الاصطفاف واضحًا وقتها لكثيرين، اعتبروا أن فرض الحصار مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، لكن ما جاءت به السنتان الماضيتان، أطل بدقة، على نوايا الرياض وأبوظبي والقاهرة الحقيقية. حيث لم تقتصر "هفوات" وليي العهد المثيرين للجدل، يتبعهما ديكتاتور القاهرة، على نزاعات داخل الخليج العربي، بل بدأت الجرائم تتكشف أكثر وأكثر، في اليمن حيث يقبع ملايين تحت أنواع عديدة من المجاعة، تحاصرهم قوات ابن سلمان وابن زايد، ونواياهما في التوسع والسيطرة في البلاد. أما عن سردية الإرهاب التي تذرعت بها هذه الدول لاتهام الدوحة، رغم تاريخ الرياض الطويل في هذا الشأن، فكانت الأسلحة الأمريكية التي وصلت إلى أيدي تنظيم القاعدة بوساطة سعودية، ركنًا أساسيًا ليكتمل المشهد المتناقض، بالإضافة إلى التنسيق المشترك بين التحالف السعودي والتنظيم الإرهابي، على نطاق واسع.

بعد ذلك كله، ستفتعل الرياض بإدارة محمد بن سلمان الطائشة، أزمة دبلوماسية مع كندا، لم تستحق كثيرًا من التحليل هذه المرة، بقدر ما لاقت سخرية واسعة من الناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي. مع ذلك، فقد كانت بمثابة علامة، على أن حصار قطر ليس مجرد نزوة عابرة، كلف الإدارة السعودية والإماراتية الكثير، وإنما جزءًا من عقيدة أصيلة، تدير المملكة المثيرة للجدل.

لاحقًا، ستقول الطريقة التي تم فيها اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، أشياء كثيرة عن هذه العقيدة، وستوضح حتى للدول التي تعامت عن حصار قطر، وانحازت إلى الرواية السعودية الركيكة، أن هناك ما يستدعي أكثر من القلق.

بدأت تحركات واسعة داخل دول غربية، من أجل بلورة موقف صارم ضد انتهاكات الرياض المتكررة، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها، حتى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن صراحة وقوفه مع المال السياسي وتأثره به، بدا محرجًا أمام مناصريه، كما أن ضغوط الكونغرس لم تتوقف حتى من أعضاء حزبه في هذا الشأن.

في خضم ذلك جميعه، أضحى واضحًا للجمهور العربي جميعه، موقف السعودية من الصراع العربي الإسرائيلي، الذي لم يتغير أو يتخل عن مسؤوليته إزاء القضية الفلسطينية فقط، وإنما انحاز بشكل جلي إلى تل أبيب. فأثناء الهجوم المنظم ضد المقاومة الفلسطينية، كانت الإشادات المتبادلة بين المسؤولين السعوديين والإسرائيليين في أوجها، بحجة الخطر الإيراني. أما عن التنسيق لصفقة القرن، والتخلي عن القدس، بما تحمله من قيمة وطنية ودينية، فكان مدعاة للتشكيك المستمر بالدور التقليدي الذي ادعت الرياض لعبه تجاه المسلمين.

اقرأ/ي أيضًا: واشنطن بوست: حصار قطر يبوء بالفشل!

خلال ذلك، استمرت السعودية والإمارات في دعم  كل الأطراف المناهضة للتغيير في الوطن العربي، مهمومة بالقضاء على الثورات في أولها، وهو ما لم يكن بحاجة إلى كثير من التأويل في الموجة الجديدة من الاحتجاجات العربية. ولعل دعمهما للمجلس العسكري في السودان، الذي قتل عشرات المتظاهرين خلال الساعات الماضية، كان دليلًا أوضح من أي دليل.

انتهى الحصار إلى ما بدأ منه، أي إلى محور سعودي إماراتي مهووس بإخضاع المنطقة جميعها، تزعجه عاصمة صغيرة تغرد خارج السرب

طالما كان المال السياسي فاعلًا، وهو ما أدركه المحور السعودي الإماراتي جيدًا، لكنه لم يدرك ربما أن لهذا أوان، قد ينتهي. هكذا اتفقت آراء عديدة أن السعودية بدأت تخسر موقعها في العالم العربي والإسلامي، وصارت عبئًا حتى على حلفائها والدول التابعة لها. أما النهج الطائش نفسه، فلا يبدو أنه سيتغير قريبًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الوزير "المقاتل" محمد بن عبد الرحمن.. من جولة الدفاع إلى تعرية دول الحصار

سنة على حصار قطر.. السعودية تختبئ وراء البلطجة والتشويش