عالم يستحق سوء الظن

عالم يستحق سوء الظن

غرافيتي لـ عين العناية الإلهية

كان جالسًا باستقامة تمثال، الساق على الساق واليدان مشبوكتان، وبتجهم واعظ وصرامة أكاديمي، راح يفسر العالم. وفيما هو يضع اللمسات النهائية على نظريته الشاملة عن "مؤامرة كورونا"، كنت أردّد في نفسي العبارة المنسوبة لجورج أورويل: "ماذا أفعل إزاء جاهل أكثر ثقافة مني؟".

يُتهم العرب بأنهم مؤمنون فطريون بنظرية المؤامرة، غير أن أزمة كورونا أثبتت أن للنظرية أنصارها الكثر في كل مكان

جاهل أكثر ثقافة؟! لا شك في أن هذه العبارة تنطوي على تناقض، ولكنه تناقض ظاهري وحسب، نحتاج من أجل إزالته إلى استبدال كلمة "ثقافة" بكلمة أخرى: "قراءة" أو "معلومات" مثلًا.

اقرأ/ي أيضًا: فخ وقع فيه الجميع.. الدوافع النفسية لتصديق نظريات المؤامرة

أجل هناك عدد كبير من الناس ممن يمتلكون نهمًا شديدًا للقراءة وإدمانًا على جمع المعلومات، ولكنهم، ولسبب ما، لا يقرؤون إلا نوعًا معينًا من الكتب، ولا يعبؤون إلا بجمع نمط محدد من المعلومات. والحصيلة: خزينة مترعة بالأفكار الخرقاء والمعلومات الخاطئة. "ثقافة" لاعقلانية، تجافي الواقع وأسس العلم، بل وبدهيات العقل.  

صاحبي هذا واحد منهم، أما نظريته التي أسهب في شرحها فمفادها باختصار: هناك مئة شخص يحكمون العالم، وهم كبار الرأسماليين والمصرفيين وصناع السلاح والأدوية. ويجتمع هؤلاء دوريًا في مكان ما لتقرير شؤون الدنيا وتسيير مجرياتها. وفضلًا عن تنصيب الرؤساء والملوك ورؤساء الحكومات وعزلهم، فإن هؤلاء هم الذين يحدّدون للدول أشكال حكمها وأنظمتها القانونية والاقتصادية وحدودها السياسية، كما أنهم يوزعون الحروب على خريطة الأرض، وبالطبع هم الذين يقررون من ينتصر ومن يتلقى الهزيمة.

حكومة العالم الخفية هذه هي، بداهة، التي صنعت فيروس كورونا، ونشرته في أصقاع الأرض، وهي نفسها التي روّجت للوباء ونشرت الفزع بين الناس، متوخية من وراء ذلك هدفين: قتل أكبر عدد ممكن من البشر، وخاصة كبار السن الذين باتوا ينهكون ميزانيات الدول المتقدمة، ثم، ثانيًا، تهيئة العالم للخطوة التالية ويجسدها اللقاح، الذي سيتكفل بقتل أعداد أكبر، لا سيما في دول العالم الثالث.

ولمَ كل هذا؟ ببساطة، من أجل تنفيذ وصية مالتوس بتقليص عدد سكان الكوكب كلما أتيح ذلك، حفاظًا على مصالح سادة العالم المهددة من كثرة الأفواه الجائعة حول كعكتهم.

يُتهم العرب بأنهم مؤمنون فطريون بنظرية المؤامرة، غير أن أزمة كورونا أثبتت أن للنظرية أنصارها الكثر في كل مكان، ولا سيما في دول الغرب المتقدمة. وهي في ازدهار مستمر وأنصارها في ازدياد مضطرد، رغم التطور التكنولوجي وتكاثر وسائل الاتصال التي غطت الكوكب برمته. وبالمقابل فكثر أيضًا هم النقاد والمفندون والداحضون، بل إن السخرية من نظرية المؤامرة، ومن المؤمنين بها، باتت تمرين يد بالنسبة للكثير من الكتاب والصحفيين.

في "مقبرة براغ"، ووسط شتات الأحداث الكثيفة، التي تمتد لأكثر من نصف قرن، فإن نظرية المؤامرة تبقى المحور الأساس وبؤرة اهتمام الكاتب

بالطبع، هناك محاولات جادة لدراسة الظاهرة وتفسيرها، نتذكر، مثلًا، أمبرتو إيكو الذي خصص عددًا من رواياته لهذا الموضوع (بندول فوكو، مقبرة براغ، العدد صفر).

اقرأ/ي أيضًا: المؤامرة والعار في زمن كورونا.. نظريات أم فيروسات؟

في "مقبرة براغ"، ووسط شتات الأحداث الكثيفة، التي تمتد لأكثر من نصف قرن، فإن نظرية المؤامرة تبقى المحور الأساس وبؤرة اهتمام الكاتب، وإيكو لا يوفر جهدًا في دحض هذه النظرية بأسلوب ذكي وغير مباشر، ففيما بطله يحاول عبثًا العثور على خيوط المؤامرة الكونية، فإنه في الواقع يقوم باختلاقها بنفسه، ليتبين أن المؤامرة الأزلية ـ الأبدية، التي تحيكها قوى فوق بشرية وتُسّير بها الكون، هي في الواقع مادة مسلية لأجهزة المخابرات، تشتريها أو تختلقها لخدمة مصالح سياسية معينة..

في الجزء الأخير من الرواية تظهر "بروتوكولات حكماء صهيون"، كثمرة لإحدى الألاعيب غير المتقنة لأجهزة المخابرات الأوروبية. ونتذكر كيف غدت هذه "البروتوكولات" واحدة من الحقائق السياسية التاريخية الراسخة في عالمنا العربي، فأصابت بعضنا بالذعر وبعضنا الآخر باليأس!

 في "العدد صفر"، يخترع الصحفي بورغاشيو مؤامرة كونية يشترك فيها البابا والمخابرات المركزية الأمريكية والحكومة الإيطالية والفاشيون.. وفي نهاية الرواية يتضح أن الصحفي قد لملم عناصر هذه القصة من أرشيف الصحف القديمة. قليل من الأخبار الصحيحة، أما الباقي فقد تكفل به شغف بوغارشيو بنظرية المؤامرة.

لا يكتفي إيكو بتقصي الدوافع السياسية، فإلى جانب ذلك هناك أيضًا الفضول الإنساني الذي لا يجد في الواقع ما يشبعه، وهناك الكسل الفكري واستسهال التفسير والتبرير، وهناك الرغبة في الغموض وغير العادي واللامألوف، إضافة إلى ضعف الثقافة وتجاهل التاريخ..

في "بندول فوكو"، يقوم ثلاثة شركاء في دار نشر، نصف مازحين نصف جادين، باختلاق مخطوط يشرح كثيرًا من أحداث العالم وفق نظرية المؤامرة الكونية، وللمفارقة فإن هؤلاء يجابهون، بسبب مزحتهم هذه، قوى ومنظمات خطيرة.. أناس متعصبون أدمنوا البحث عن "السر" الذي يقف وراء مجريات التاريخ. في نهاية الرواية يقف أحد الثلاثة على تل ليرتاح من ركضه أمام مطارديه، ويحدث نفسه قائلًا: "أريد أن أنتهي من تدوين كل ما فكرت فيه من تلك الظهيرة وإلى الآن. ولكن إذا قرأوها هم سيستنتجون منها نظرية أخرى وسيقضون حياة أبدية أخرى في محاولة فك شفرات الرسالة السرية التي تخفيها قصتي. سيقولون لأنفسهم إنه من المستحيل أن يحكي لنا كيف أنه من البداية كان يسخر منا، بل ربما لم يكن هو يعرف أي شيء، ولكن لا بد من أن الوجود يرسل لنا رسالة من خلال نسيانه. أن أكتب أو لا أكتب، لن تصنع كتاباتي أي فارق، لأنهم سوف يبحثون عن معاني أخرى، حتى في صمتي، هذه جبلتهم".

يمتلك أنصار نظرية المؤامرة منطقًا ركيكًا، ومنهجًا خاطئًا، ومعلومات غير دقيقة، ولكنهم محقون في أمر واحد: سوء الظن

مات أمبرتو إيكو قبل أن يشهد زمن الكورونا، ويطيب لنا الاعتقاد أنه لو عاش أيامنا الكالحة هذه لكان كتب رواية جديدة عن الموضوع ذاته، كما يطيب لنا الاعتقاد أنه كان ليضيف عوامل ودوافع أخرى. ذلك أن قادة العالم الآن (القادة الفعليون وليس الذين توهمهم صاحبنا إياه) باتوا يقدمون سندًا قويًا لنظرية المؤامرة، بإهمالهم ولا مبالاتهم وأنانيتهم المفرطة.

اقرأ/ي أيضًا: أمبرتو إيكو.. عن الكتب التي لا نقرؤها

يجلس هؤلاء مكتوفي الأيدي فيما ملايين النازحين الهاربين من الموت يجوبون بحار العالم، وبسبب جشعهم وحساباتهم الصغيرة وحرتقاتهم السخيفة تشتعل الحروب بلا نهاية. وهكذا فإن المسافة بين كل هذا وبين إقدامهم على اختراع لقاح قاتل لا تبدو كبيرة.

يمتلك أنصار نظرية المؤامرة منطقًا ركيكًا، ومنهجًا خاطئًا، ومعلومات غير دقيقة، ولكنهم محقون في أمر واحد: سوء الظن.

من يدري؟! ربما كان إيكو ليقول هذا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أمبرتو إيكو وتجديد روح المثقف

نظريات المؤامرة تغذي انتشار فيروس كورونا.. السلاح البيولوجي المطور أبرزها