عاشت بيروت حلوة و

عاشت بيروت حلوة و"رخّوصة"

شباب "طلعت ريحتكم" في وسط بيروت

"وسط المدينة" الـ"دي تي" السوليدير، "الوسط التّجاري"، "البلد".. كل هذه مسمّيات لبقعة أساسيّة من مدينتنا الّتي قرّروا إعادة إعمارها في أوائل التسعينيات أي بعد انتهاء الحرب الأهلية. مسخوها وحوّلوها لكينونة تجارية خالصة، بلا تاريخ بلا هُوية. مجرّد هيكل مدينة مستنسخة بلا روح. أزالوا أكثر من 80% من بنيانها، طمروه واستبدلوه بتصاميم غربية غريبة، لا تمتّ لتاريخ المدينة بصلة. عزلوا المدينة عن البحر وحوّلوها إلى "فيترين" مرتّبة فعلًا. لكنّها مملّة لشدة ترتيبها ورتابتها. باتت بيروت مدينة بلا ذاكرة، بلا حضارة، بلا أي مكنون تاريخي، مجرّد زينة.

 باتت بيروت مدينة بلا ذاكرة، بلا حضارة، بلا أي مكنون تاريخي

عام 2010، استكملوا طمر الملامح ومع نفس الشركة "سوليدير" الّتي تعهّدت طمر وإعادة إعمار المدينة في التّسعينيات، أتت هذه المرّة على أسواقها القديمة لتستبدلها بم يعرف بالـ"سوكس" أو "أسواق بيروت". يقال إنه من أهم إنجازات إعادة الإعمار، أنّه خلّص المدينة من انقسامها وجعلوها وجهة واحدة وجامعة لجميع اللبنانيين بعيدًا عن انقساماتهم السياسية والعقائدية. أرادوها مدينة رمادية بعيدة عن التجاذب السياسي لكن على ما يبدو لشدّة تركيزهم لنبذ الطائفية والانقسامات، عزّزوا الهّوة بين فئات المجتمع وحفروا الهوّة عميقًا في النظام الطبقي. 

روّاد هذه البقعة من المدينة معروفون من هم، وإلى أي طبقة ينتمون. فابن هذا البلد قد قضى سنين طويلة لا يجرؤ على الاقتراب من هذه الأماكن بسبب البذخ المخيف والمنفّر، إذ لا يجرؤ على الاقتراب وإن تجرّأ فلن تكون أكثر من "تمشاية" لا تكلّفه شيئًا، فهو لم ولن يفكّر يومًا بالتسوق في هذه المحال أو اصطحاب العائلة لوجبة غداء. 

وبالرّغم من الصخب المرافق لكلمة "سوق"، عادةً، إلّأ أن هذا الصخب مفقود في هذه البقعة البليدة الصامتة من بيروت. والّتي لا يُسمع ضجيجها إلا خلال المظاهرات والحراكات الشعبية الّتي اتخذت من هذه المساحة من بيروت وجهة لها، نظرًا لوجود مقرات رسمية وعلى رأسها القصر الحكومي. لتعيد بذلك بعض حياةٍ لهذه المدينة الجافّة من وقت لآخر. أتى الحراك الأخير، حراك "طلعت ريحتكم"، الّذي توسّع وشمل تجمعات وحراكات مطلبية كثيرة، لتضجّ به المدينة الصامتة وليزين شوارعها شبّانها وشابّاتها بهتافاتهم وحراكاتاهم.

لم تكن هذه الحراكات لتمرّ مرور الكرام على الفعاليات الاقتصادية، التي اشتكت من حراك الشبان والشابات. فاعتبروها ممهّدًا لحرب طبقية في المجتمع اللبناني. لتصل الوقاحة بنقولا شماس رئيس جمعية تجار بيروت إلى التحذير ممن سمّاهم "بقايا الشيوعيين" من المساس بأمن لبنان الاقتصادي (يالها من نكتة طبعًا، أمن واقتصاد ولبنان في جملة واحدة). ويتوعّد بأنّه لن يسمح بتحوّل سوق بيروت الرّاقي إلى سوق "أبو رخّوصة". والمنصت لحديث السيد شمّاس، رئيس جمعية تجّار بيروت، يمكنه أن يلاحظ كم مرّة استخدم "أفخم" و"أفخر"، ويكاد ينفتق لشدّة ما هالته فكرة أن تتحوّل بيروت إلى سوق زقاقي غير راق كما في باله وبال أمثاله.

وعليه، لربّما يجب أن نشكر السيّد شمّاس لهذه الفكرة العظيمة، فبالفعل تجمّع الشبّان اليومي في ساحات بيروت، قد أنزل المدينة من برجها العاجي لتعود إلى أهلها الحقيقيين. فأتى بيّاعو الكعك والقهوة وافترشوا طرقاتها وعربات الآيس كرم الّتي لم نكن لنحلم برؤيتها في هذه السّاحات "الفخمة". ولكن مع هذا لم تتحوّل بعد إلى سوق "أبو رخّوصة" بالمعنى الفعلي للكلمة. لكن شكرًا للإلهام. فبفضله، غصّ التايملاين "اللبناني" بدعوات للنزول والتسوّق في سوق بيروت الجديد الذي سيغصّ بالباعة المتجوّلين، وستفرش البسطات في شوارع المدينة وستعود أسواق بيروت أسواقًا شعبية "طبيعية"، "أبو رخّوصة" ولكلّ النّاس.