03-يوليو-2016

عارف حجّاوي

يعدّ عارف حجّاوي من أبرز الإعلاميين المعاصرين، فهو معروف لدى الكثيرين بإلقائه المؤثّر وصوته الفخيم الذي يشغل حيّزًا خاصًا في آذان كثيرين منّا، سواء في برامجه الإذاعية الأدبيّة في البي بي سي أم في الأفلام الوثائقية في قناة الجزيرة. عمل حجّاوي محرّرًا سياسيًا وثقافيًا في العديد من الصحف العربيّة. وشغل منصب كبير مدربي الإنتاج الإذاعي في هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، ثم مديرًا للبرامج في قناة "الجزيرة" القطرية. 

عارف حجّاوي (للحاسوب): لماذا لا تكون مثل الثلاجة، هذا الاختراع الجميل الذي تستعمله جدتي بنفس الكفاءة التي يستعمله بها أي شخص؟

عاد عارف حجّاوي مؤخّرًا للاستقرار في رام الله، حيث يعمل مستشارًا إعلاميًا ومدرّبًا في عدد من الجامعات والمؤسسات الإعلاميّة المرموقة. وقد أجرى "الترا صوت" هذا الحوار الخاصّ. 

اقرأ/ي أيضًا: غابرييل غارسيا ماركيز.. يوم كان جزائريًا

  • لقد واكبت في مسيرتك المهنيّة موجات كبيرة من التطوّر التقنيّ المذهل، خاصّة في مجال عملكم في التسجيل وبرمجيات الترجمة والقواميس الإلكترونية. كيف تشعر حيال كلّ ذلك؟ 

تأقلمت بشكل متوسط. كان من حسن حظي أن سرت شائعة في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" بأن القسم سيستغني عن الطابعات، وهن ست سيدات أو سبع كن يجلسن في غرفة كبيرة ونأتي إليهن حاملين بيدنا التقرير أو نشرة الأخبار ونمليها على إحداهن إملاء وهي تطبع على الآلة الكاتبة الكهربائية. فبدأت أمرن أصابعي على الآلة الكاتبة، مستغلًا فرصة غياب الزميلات -عمل خسيس في الواقع- وصرت ببطء شديد أطبع بإصبع من اليد اليمنى وأربع من اليد اليسرى. وهذا ما أفعله الآن. الآن يعني الآن لأنني أجيب عن أسئلتك -أخي محمد زيدان- طابعًا لا متكلمًا. وجاء الحاسوب وقررت بعناد أنني لن أدخل على برامج تحرير الصوت، وظلت هذه بقعة عمياء في عين مهاراتي. لكنني دخلت بقوة في برنامج الكتابة وورد. وأتعامل بشكل طيب مع غوغل، ومع تنزيل الكتب -سرقتها- إلكترونيًا. وبأصابعي الخمس (1+4) أنزلت 42 ألف كتاب من النت هي مكتبتي.

أستطيع استعمال مترجم غوغل، ولا أستعمله، وثقتي جيدة بالمعاجم العربية على النت، ولكنني أرجع كثيرًا إلى المعاجم الورقية. 

معركتي الحالية: تعلم تقطيع الصوت حاسوبيًا. كلما صادفتني مشكلة مع الحاسوب أقول له: يا كلب، لماذا لا تكون مثل الثلاجة، هذا الاختراع الجميل الذي تستعمله جدتي بنفس الكفاءة التي يستعمله بها أي شخص؟ الحاسوب اختراع يتطلب منك الكثير من المهارات. أتمنى أن يصبح سهلًا كالثلاجة. 

  • هل تعيش اللغة العربيّة حالة من البعث الجديد، أم أنّها لا تزال حسب ما يقول بعض المختصّين في حالة من الخطر؟ 

اللغة العربية لا يتحكم بها أحد، لا أصحاب المعاجم ولا المجامع، ولا أولئك النفر المتباكون عليها -ثكلتهم-، هي مأمورة تسير كناقة الرسول. فقط، نحتاج إلى أن نقرأ بها ونستعملها. وهي تبعث كل يوم، وتتغير كل يوم. ولا أدري أي فئة من المختصين يقولون إنها في خطر.. هناك من يريدنا أن ننطق بفصحى عتيقة.. وهناك من يريدنا أن نعزز العربية لتعزيز العلم والثقافة. وثمة فرق كبير بين الفئتين. أنا من الفئة الثانية. عندما نؤسس الطفل في اللغة العربية فهو سيقرأ نجيب محفوظ، وسيقرأ الروائيين الجدد وما أكثر إبداعاتهم، وسيقرأ كتب العلم. فإذا أقنعناه في المدرسة بأن أكبر همه أن يكون متقنًا للإنجليزية فسوف يعرف منها القليل ولن يقرأ بها شيئًا ذا قيمة، وسيصبح مخلوقًا خاويًا معرفيًا، يرطن ببضع كلمات إنجليزية دون أن يكون صراع أمواج العلم والثقافة في السن التي يبني فيها المرء عقله ومعارفه. 

عارف حجّاوي: أخاف على اللغة العربية من أولئك الذين يخافون عليها

  • حين تنظر إلى وسائل الإعلام الجديد، إعلام اليوتيوب والبث المباشر من الفيسبوك وغيرها، هل ترى أنّ هناك التزامًا تجاه اللغة العربيّة من قبل روّاد هذه الوسائل في العالم العربي؟ 

لا التزام في وسائل التواصل سوى الرغبة الحقيقية لمن يستعملها. أكثر الناس يستعملون العاميات المختلفة. هذا خيارهم. دائمًا كانت هناك عاميات.. صديقي الاسكتلندي يتحدث بلهجة غلاسغو -إحدى أصعب اللهجات في الجزيرة البريطانية- ولا أكاد أفهم ما يقول، ولكنه واسع الثقافة ويقرأ الصحيفة كل يوم، ويناقش في مسائل التاريخ نقاش رجل قرأ التاريخ. طبعًا أعرف ذلك لأنني أطلب منه في المرة بعد المرة أن يقف ليعيد الجملة حتى أفهمه. قال لي مرة إن المنضدة التي نجلس إليها ونحتسي القهوة شوغي.. قلت له: قف، ما هذه الشوغي؟ فابتسم وقال لي: كلمة عامية معناها شيكي.. أي هزازة. أخاف على اللغة العربية من أولئك الذين يخافون عليها.

اقرأ/ي أيضًا: احذر اللقاء بكتابك المفضلين

  • ما هو مشروع/حلم عارف حجّاوي الكبير؟ 

حلمي كحلمك، كحلم كل الناس.. أن أصحو من نومي فأجد كل الذين أكرههم قد ماتوا. ومشروعي الحالي أن أطبع كتابًا من 3500 صفحة عرضت فيه للشعر العربي منذ الجاهلية إلى إيليا أبو ماضي. وقد وصلت فيه إلى نحو 70%، وأرجو ألا يدركني الكسل. ومشروعي المقبل أن أكتب كتابًا عن الصراعات السياسية في العالم.. شيء مقيت، لكنني فرضته على نفسي. نادم جدًا. وبعده -إن مد الله في العمر- سأسجل ألحاني في كتاب كبير. فأنا أمارس التلحين منذ عشر سنوات بعناد، وقد أسمعت ألحاني لناس كثيرين، كلهم نفروا منها نفورًا شديدًا لم يزدني إلا عنادًا.

  • قلت في إحدى المقابلات التلفزيونيّة، إنّك تحتار أحيانًا في تحديد هويّتك المهنيّة، بين مدقق لغويّ ومترجم ومعلّق ومدربّ ومعجميّ، أين يجد عارف حجّاوي نفسه حقًّا؟ ولو عاد بك الزمن، هل ستسعى للتركيز على مجال بعينه بشكل أكبر؟ 

لم يبق لدي وقت لكي أخطط لشيء فقد سرقني العمر. أحب التدريب لأمرين: أنني أشعر بأنني شاطر ومتمكن ويمكنني أن أتحذلق على المساكين ممن يحضرون دورة معي، وثانيًا لأنني مولود معلمًا وقد رزقت مهارة في تبسيط الأشياء. بالنسبة للغة والمعاجم فقد كتبت معجمًا للإعلاميين باسم "اللغة العالية" أعتز به كل الاعتزاز. ولا أريد أن أدخل في مشروع معجمي آخر لأنني لا أملك من العمر ما يسمح بذلك، ولا أملك من المهارات اللازمة في علم الصرف ما يقوم بأمر معجم كبير وحقيقي. لكن اهتمامي باللغة مستمر لأنني أحب العبث بالمفردات والتراكيب. سوف أسعى لتجنب الترجمة راجيًا ألا تضطرني لقمة العيش إليها مرة أخرى. وأتمنى في قرارة نفسي أن يكون لدينا مئات المترجمين من مستوى منير البعلبكي وعادل زعيتر، لكن الرجلين ماتا ولم يأت بعدهما مترجمون من المستوى نفسه. نحتاج إلى ترجمة آلاف الكتب.

عارف حجّاوي: مجتمعنا الفلسطيني يعيش حالة من الألم المتواصل والخوف على الوجود

  • ما تقييمك للمشهد اللغوي العربي في فلسطين، على مستوى الإعلام المحلي، وعلى مستوى التعليم والمناهج؟ 

فلسطين في الوسط من ناحية اللغة والثقافة وكل شيء.. وكثيرًا ما أفكر -حالمًا- لماذا يا قوم لا تنغمسون في الثقافة والأدب والعلوم بما أنكم قاعدون لا تصنعون شيئًا في مجال السياسة. لكن الواقع غير الحلم. تستطيع أن تطلب من المريض في سرير المستشفى أن يملأ وقته الطويل العريض بالمطالعة، غير أنك لن تنصحه بذلك إن عرفت أنه يتألم طول الوقت، أو أنه يعاني سكرات الموت. ومجتمعنا الفلسطيني يعيش حالة من الألم المتواصل والخوف على الوجود.

اقرأ/ي أيضًا: توقّفوا عن ابتذال اسم أورويل

المناهج الفلسطينية أحسن من غيرها، وهي رديئة جدًا. والنظام التعليمي في فلسطين أسير صورة جامدة ورثناها عن الأردن ومصر مثلما ورثنا النسر في شعار السلطة الفلسطينية.. لا أدري إن كانت هناك نسور في فلسطين، ولكنني أدري أن هناك ببغاوات كثر.

  • هل تحتفظ بمذكّرات، وهل تنوي نشرها في فترة ما؟ 

كنت نشرت كتابًا اسمه "حياتي في الإعلام" وهو كتاب صغير كتبته في ويك إند. وعندي أوراق كثيرة مخطوطة تقتنص لحظات عشتها. وهي تصنع كتابًا قد يكون فيه بعض الفائدة. ولكنني أمتنع عن نشر سيرة حياتي لأنني لم أقدم شيئًا حقيقيًا يستحق أن يجعل سيرة حياتي مصدر إلهام. ولو نشرت كتابًا عن نفسي ثم جاءني أحدهم وقال لي: ولكن، من أنت؟ لذبت خجلًا. سأنتظر صدور بعض ما كتبته عن الشعر العربي، وصدور كتابي الذي لم أكتبه بعد عن ألحاني، ثم بعد ذلك قد أرتب أوراقي على هيئة سيرة ذاتية.
 

اقرأ/ي أيضًا:

خوان جيلمان.. الشعر ضرورة كالخبز والمسدس

ظلُّ يتحايلُ على جثتهِ بالأمل