ظلُّ يتحايلُ على جثتهِ بالأمل

ظلُّ يتحايلُ على جثتهِ بالأمل

2422 مشاهدة
في انتظار البراميل لـ ميريام سلامة

لو أنَّكَ حكيمٌ
لكنتَ شَقيًا مُفرِطًا في كرهِ نفسكَ 
كأنّكَ أحدٌ سواك وطائشٌ بما يكفي بلَد
لو كنتَ جسورًا سترىَ وجهكَ في المرآة وتكسر المرآةَ
وتلمّ صورتكَ منْ علىَ كِسَرِها كعرافةٍ تهتّمُ بالخرز!
ولَو أنتَ تُحِبُّ: اِلعنْ كلَّ شيءٍ دارجٍ إلاَّ البلادَ التي أحببتَ.

علىَ هذهِ الأرض -لو كنتَ شجاعًا- ستقرأُ (ما لا يرى): انسلالُ الدمِ
شهقةُ الأوجاعِ مثلَ نافورة، عجلةُ المنظرِ في ساحة الحرب، حركةُ الدوران 
بندولُ التوازنِ، أوهامُ الخلقِ، شعور اليتمُ، حزنُ آخر الليل، البهجة، تلكَ القليلةُ
حصةُ العاديين، الغرباءُ، وذوي السلالات النظيفةِ، السقطُ وأصحابُ المقام الرفيعِ
وستدركُ الغريبَ في نص المرآة هو الغريب نفسهُ في تشكيلِ المعدنِ الجديدِ حينَ لفظَتهُ الأسلحة!

لو تستطيبُ النارَ ياغريبُ، وترىَ فيها بردًا وسلامًا، دلَّ توأمكَ الغريبَ ليستأنسَ المنفى وأهلَ المنفىَ
فينسىَ القليلَ، لينسىَ الكثير: الحكمةَ/ الحبَّ/ الغريب الآخر/ المرآة/ أنتَ/ أنتْ والكيمياء الممتدة من أرضِ تنهداتكَ إلىَ أرضٍ مصقولةٍ، تقولُ الكلامَ وتكظمُ جرحها، وتنامُ عاكسةً أرواحَ من غادروا، كأنّهم شظايا، ليسوا أحفادَ الأحزان وسدنةَ خزائنِ الغياب، ولهمُ قراءاتهم، حيثُ الدنيا دولٌ والمآلاتُ كثيرة!.

لو كانَ الله بيننا، لكنتَ نبينا الجديدَ
تنبتُ حنجرةٌ جديدةٌ لكَ وإصبعٌ سادسةٌ
لأننا -والسماءُ تُطبقُ علىَ الأرض- أحوجُ إلى المعجزات
إلى مخلّصٍ جسورٍ يبرئ السقيمَ ويهدهدُ أحلامَ الأطفال في البحار
إلىَ صديقٍ يبرُّ بأمنياتنا ونمتحنُ بهِ قدرتنا على التصديقِ 
كأنْ يَرمي وردةً حيةً علىَ المقبرة ولايلتفتُ إلىَ ما يقولهُ الموتى
كأنْ يكتبُ كلمةً في سجلِ الزيارات ولايعدُ أن يعودَ في الأخاميس
كأنْ يصيحُ بالموتىَ الذينَ قضوا غيلةً ولم يذهبوا للحرب من أجلِ الشهادةِ
كأنْ يصدقّهم ويأخذُ بيدِهم
لقد ماتوا كثيراً حينَ لا أحدَ لهم 
لا أحدَ ولا أولاد يمشطونَ أيامَهم بالموسيقى
ليستمروا في الحياةِ والرقصِ و(لقمةِ العيش).
لو كانَ الله هَهُنا لأعطاكَ عمرًا آخرَ
وقوامًا غيرَ هذا الظلِّ الفراغ، ولكنتَ النبي الصديقَ
ولكَ معجزةٌ لا تأكلها النارُ، إذْ لم تأكلكَ الديدانُ. 
والدنيا دولٌ، تُسرُّ أحدًا وتغيضُ أحدًا، والغريبُ تأويلُ الموت!.

وقالت الحكمةُ: قف -لو شئتَ- على وترِ الآلةِ 
كطائرٍ يقفُ على (تيل) الكهرباء ويفردُ صدرهُ الصغيرَ للريح 
حكَّ النغمة الحزينةَ بالنغمةِ الفَرحة لتولدَ الشرارات ثمَّ النارُ، ثمَّ تنضجُ الحكاياتُ
ثمَّ ترىَ الغريبَ مشتعلاً بالكلام والأوهام والأحلام، ويرسمُ بالحريق طريقَ العودة
ثمَّ قل لمن يشبهكَ، ويموتُ في الحكاية مثلك، ومثلكَ ينتظر على بابِ الله: لا تنتظر
تعبَ الله، تعبَ الحجرُ، تعبت الدعوات، تعبت الأيادي من التلويح، وتعبَت الأحلامُ! 
فلو كنتَ شجاعًا: اكسر صورةَ اليأسُ، لاتكسر صورةَ الصبر
يقولُ المغامرُ: الشجاعة أختُ الصبر، تمشي في فيئه فلا تتعثّر!
فإنْ كنتَ يوسف فلكَ البئرُ ووسامةُ النبي وفرعونَ وزليخة وإخوتُكَ
وإنْ كنتَ أيوب فلكَ زوجُك الصبورُ والديدانُ، وصَبرُ أيوب
 أمّا اليأسُ -بكلِّ بساطةٍ- : السماحُ للحَربِ بالحرب
حيثُ لا يموتُ الموتُ ولا أحدَ مؤمنٌ يُسرّحُ شعرَ الحياة عند الينابيع
أو يضربُ بعصاهِ الحجرَ فتنبجسُ الأغاني والإناثُ وإلَهات الزراعةِ..

لو كانَ لكَ تاريخُ الكتابة 
منذُ فجرِ الفلسفةِ إلى تنوير العتمةِ بالحكايات
كنتَ ستتحدثُ عن" اقرأ" و"تقصصُ رؤياكَ"
عن بلدٍ نزَّ من خاصرتهِ أبناءَهُ
ومضىَ ببسالةٍ إلى آخرِ الحرب
حينَ كانَ ال( آخِرِ): البِدءُ!.

وإن كانَ لكَ حيلٌ فانهض باعبائكَ
الوقتُ وقتكَ، وهذا السعيرُ ينطفئُ لو نفختَ بهِ
مثلكَ ابتلعَ أرواح أجداده وأبنائِه واكتسبَ دمَهم وجسارتَهم
وقَدْ طالت، طالَت حتى صارَت البيوتُ شاهدةَ قبرِ العائلة
والذي مضىَ لن يعود، ربّما إنْ عاد، سيكونُ لهُ شكله واسمهُ
كأنْ يكونَ نهرًا أو غيمةً أو نبتةً حلوةً وربّما قطيعًا من الغزلان

الآن صوّب "أسفل ومنتصفَ الحياة" واظفر بالطرائد أشباهِكَ!.
 
كنتَ شجاعًا أولَ الأمر -يعترفُ السيّارةُ- و"سفيرًا للبدَد"
وصرتَ في النهاياتِ، انعكاس روحكَ على صورةَ البلَد
 
مَدَد
بَدَد
لا أحَد
سوى ظلُّ جثتكَ القليلةِ في الظهيرةِ
يُنبِّشُ في جيبِ الميتِ عن مفقوداتِ الحرب!
لو كنتَ كائنًا حيًا لكانَ لكَ سيفٌ وخيلٌ
وساحةُ حرب وجسدٌ يضيئهُ التماعُ المعدنِ
وينهَرُ ظلّهُ عن نفسِهِ

ولو كانَ بيننا أحدٌ مؤمنٌ
يمشي على الماء ولا يغرق
لتركناه لكَ
تكسرُ علىَ رأسهِ جوزةَ الحسَرَاتِ
حتىَ تسيلَ روحُهُ بينَ يديك
فتعلَمُ أنَّ الذينَ قتلوا الحلاّج
همُ أنفسُهم قتلوا البلَد!
قالوا: الدمُ بالدمِ، صبَغوا الوجوهَ بالأحمرِ 
قالوا: النيران لا تقتلُ، النارُ تطهّرُ
قالوا الذين يذهبون بالنار يعودونَ أجمل
ثمَّ دّلوا البراميل إلى بيتِ أهاليهم

أخيرًا: لستَ أحدًا "ذا شأنٍ عظيمٍ"
ظلٌّ قصيرٌ في الظهيرةِ يتحايلُ على جثتهِ بالأمل!

اقرأ/ي أيضًا:

الموظ.. قصيدة إليزابيث بيشوب

لاجئ المواصفات القياسيّة