10-يناير-2020

أعادت السترات الصفراء الرمزية الثورية لأزياء الحركة الاحتجاجية (أ.ف.ب)

أعاد أول اندلاع لحركة السترات الصفراء، للأذهان، قضية الرمزية الثورية لأزياء الحركة الاحتجاجية، والتي تعد تقليدًا احتجاجيًا فرنسيًا عريق.

أخذت الهبة الأولى من الثورة الفرنسية (1789) اسم "Sans Culottes" أي "بلا سروال قصير"، وذلك لتمييز الثوار عن طبقة الأرستقراطية التي كانت ترتدي السراويل القصيرة. ثم توالت بعدها الرمزيات، وصولًا عند حركة "القبعات الحمراء" (2013)، التي قادها سكان إقليم بريتاني شمال البلاد، احتجاجًا على الإجراءات الضريبية التي فرضتها حكومة فرانسوا هولاند وقتها.

 الاندلاع الأول لحركة السترات الصفراء أعاد للأذهان قضية الرمزية الثورية لأزياء الحركة الاحتجاجية في فرنسا

وبعد عام من خروجها إلى الشارع، في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، والصدى العالمي الذي أحدثته، يُطرح السؤال: كيف أصبح لباس عادي كـ"السترة الصفراء" معبر عن الفعل الاحتجاجي؟

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة "السترات الصفراء".. الهامش في مواجهة فرنسا المعولمة

في الجواب، يرجح محللون دلالة اللون الأصفر الفسفوري على استعجالية الحالة، وذلك لخاصيته التي ترى من بعيد تنبيهًا لوجود خطر محدق يرغب مرتدو السترات الصفراء تفاديه. 

ويرتبط كل هذا بالدلالة على الوضع الاجتماعي الذي تقاسيه هذه الشريحة من المجتمع الفرنسي على اتساعها، والتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بين المركز الفرنسي وهامشه، وبين سكان المركز ذاتهم؛ إذ انطلقت شرارة الاحتجاجات بعد الإجراءات الضريبية التي فرضتها حكومة إيمانويل ماكرون على المحروقات.

وطوال هذه السنة، لم تنفرد حركة السترات الصفراء بخاصية الرمزية الثورية لأزياء الحركة الاحتجاجية، بل أطلقت العنان لحركات عديدة، احتضنها الشارع الفرنسي، كان المشترك بينها اللباس المميز على اختلاف ألوانه وأشكاله.

السترات الخضراء.. من أجل انتقال إيكولوجي عادل

مباشرة بعد اجتياح السترات الصفراء للشارع الفرنسي احتجاجًا على الزيادات التي عرفتها أسعار المحروقات، عللت حكومة ماكرون إجراءاتها بـ"الضرورة البيئية"، قائلة إن هدفها هو التشجيع على استعمال وسائل نقل صديقة للبيئة لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة.

السترات الخضراء
مظاهرة للسترات الخضراء في فرنسا

 من هنا ولدت حركة السترات الخضراء، التي تبنت الدعوة للمحافظة على البيئة والحد من استخدام المحروقات، وفي نفس الوقت شددت على ألا يكون ذلك على حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة، المتضررة بشكل أساسي من زيادة رفع أسعار المحروقات. وعلى ذلك، رفعت السترات الخضراء شعار "ربط العدالة الاجتماعية بالضرورة الديمقراطية والاستعجالية البيئية".

وكما يدل اسمها، ميز أعضاء الحركة أنفسهم بارتداء سترات خضراء، مقدمين برنامجًا مطلبيًا يتمثل في: تطوير مجانية ونجاعة النقل المشترك، وإعادة فتح الخطوط القصيرة للسكة الحديد، ومنع كل تنقيب مستقبلي واستغلال للطاقات الأحفورية.

كما طلبت الحركة إضافة بزيادة الضرائب على وسائل النقل الجوية والبحرية، واستغلال تلك الكتلة الضريبة في دعم انتقال بيئي تضامني. وقد تجاوزت القاعدة الجماهرية للحركة 14 ألف ناشط، تظاهروا في مسيرات المناخ ويوم الأرض العالمي.

السترات السوداء.. حركة المهاجرين غير النظاميين

بحلول شهر أيار/مايو 2019 أعلنت حركة السترات السوداء انطلاقتها بمظاهرة احتلت مطار شارل ديغول ضمت ما يقارب 1500 مشارك من المهاجرين السريين غير النظاميين بفرنسا، والذين طالبوا بلقاء الحكومة الفرنسية للفت انتباهها لمعاناتهم.

وقدمت الحركة نفسها صوتًا احتجاجيًا جديدًا ضد التهميش المكرس له في سياسات حكومة ماكرون. وبعد سنة فرنسية طبعتها الاحتجاجات، خرج إلى الشارع المهاجرون غير النظاميين تنديدًا لنظام الهجرة واللجوء الفرنسي.

"كيف يمكن أن نعيش دون أوراق إقامة؟ دون شغل ودون سكن؟" يتساءل باستنكار متظاهر في حركة السترات السوداء، من أصول مالية، في إشارة إلى تزايد عمليات المطاردة والترحيل التي انتهجتها الشرطة الفرنسية ضدهم.

السترات السوداء في فرنسا
من احتجاجات السترات السوداء في فرنسا

ومن نفس الزخم الذي أحدثته السترات الصفراء، تتمحور الإستراتيجية الاحتجاجية للسترات السوداء على التظاهر في أماكن رمزية بالنسبة لفرنسا وبالنسبة لقضيتهم، فاستهدفت المظاهرة الأولى أكبر مطار في البلاد، والثانية ساحة البانثيون بباريس حيث يرقد عظماء الجمهورية وآباؤها المؤسسون. فيما نظمت الحركة المظاهرة الثالثة عند شركة إيليور العالمية للأغذية، والمتورطة في قضايا استغلال العمال.

السترات الحمراء.. النقابات على الخط

قبل دخولها في إضراب احتجاجي على إصلاح نظام التقاعد، كانت الكونفدرالية العامة للشغل بفرنسا، على خط احتجاجات السترات الصفراء، لكن تحت اسم حركة "السترات الحمراء". وصاحب ألفان من متظاهري السترات الحمراء رفاقهم في احتجاجات السترات الصفراء، رافعين شعارات تطالب ضرور تطبيق سياسات اجتماعية عادلة، مع إعلان تضامنهم مع العاطلين عن العمل والدعوة إلى دعمهم أكثر.

وفي تصريح صحفي، يوضح فيليب مارتينيز، زعيم نقابة الكونفدرالية العامة للشغل بفرنسا، أن "من نسميهم سترات صفراء، هم قبل كل شيء مواطنون، أُجراء، محرومون من العمل ومتقاعدون. يوحدنا رفضنا لسياسات الحكومة وأرباب العمل التي تصب دائمًا في مصلحة الأغنياء"، مضيفًا أن "رئيس الجمهورية يروج لمبادئ الفردانية، ونحن نجيبه بالتكتل كأفضل الحلول التي يلهمنا بها عالم العمل".

السترات البرتقالية كذلك

أما حركة "السترات البرتقالية" فتتكون من عمال المهن الحرة الذين تضرروا بدورهم من فرض الحكومة الفرنسية لضرائب على الوقود. وعمدت حركة السترات البرتقالية في احتجاجاتها إلى شل مستودعات المحروقات التي كانوا يتزودون منها، مستعينة بآليات اشتغالها من جرافات وجرارات وشاحنات ثقيلة.

وقد نج أعضاء حركة السترات البرتقالية من عمال المهن الحرة، في فرض مطالبهم بعد أسبوع من الإضراب، إذ أعلن رئيس الوزراء إدوارد فيليب عن تعليقه الضراب، وعليه علقت الحركة نشاطها. 

السترات الزرقاء الغامقة... رجال الشرطة ينتفضون

بخلاف الحركات السابقة، فالسترات الزرقاء الغامقة ليست حركة قائمة، بل تهديد أعلنه على الهواء مباشرة الأمين العام لنقابة أفراد الشرطة بفرنسا، واحتجاج وجهه لرئيس الدولة على الانتهاك الذي يطال حقوقهم، هم الذين كانوا يده الضاربة التي قمعت كل الاحتجاجات السابق ذكرها.

"يجب على ماكرون أن يتعلم كيف يعامل الشرطة بشكل لائق"، يقول الأمين العام لنقابة أفراد الشرطة، مضيفًا أنه "ليس بعلاواته الضئيلة سيفي بحقنا، بل بدفع مستحقات 25 مليون ساعة إضافية تدين بها الإدارة لرجال الشرطة". وختم المتحدث كلامه مهددًا: "إذا استمر الحال هكذا، وبعد السترات الصفراء، سنخرج إلى الشارع محتجين بسترات زرقاء غامقة".

وسابقًا على ذلك، في شهر كانون الأول/ديسمبر 2018، خرجت حركة أخرى من موظفي الشرطة الفرنسية، محتجة عن أوضاع عملها، تحت شعار "الأضواء المنبهة الزرقاء"، محتلين ساحة الشانزيليزيه بمعية السترات الصفراء التي هتف نشطاؤها: "الشرطة معنا".

الطُرح الحمراء.. أو الثورة المضادة

"نحن أيضًا من الشعب"، هكذا صرخ بضع آلاف في وسط باريس، معلنين انطلاق حركة "الطُرح الحمراء". وعلى عكس الحركات السابقة فالطرح الحمراء ليست احتجاجًا ضد الحكومة الفرنسية، بل ضد من يحتجون على الحكومة الفرنسية، وعلى رأسهم السترات الصفراء.

وبحسب ما صرح به أعضاء هذه الحركة، فإن خروجهم "دفاع عن الديمقراطية والمؤسسات الدستورية"، ويهاجمون انتفاضة السترات الصفراء لأنها "تقتل الديموقراطية بمطالبتها برحيل النظام".

ويغلب على تكوين هذه الحركة، المتعاطفون أو المنتمون للحزب الجمهوري وحركة "الجمهورية إلى الأمام"، اللذان يشكلان الأغلبية الحكومية، ما يبرر حديثهم عن التمسك بالنظام الفرنسي القائم، أو كما عبرت عن ذلك إحدى متظاهرات الحركة، بقولها: "أنا انتخبت ماكرون، وأثق به، وسأظل متمسكة برأيي".

 

اقرأ/ي أيضًا:

احتجاجات عالمية على شروط معولمة.. السترات الصفراء أطلقت الشرارة

"Vécu".. إعلام السترات الصفراء البديل في وجه فرنسا الرسمية