طلب انتساب إلى مخيم اليرموك

طلب انتساب إلى مخيم اليرموك

بيانو مخيم اليرموك (Getty)

"المخيم مدينة متكاملة لو حوصر سيستطيع أن يكتفي ذاتيًا" كنت أسمع هذه الجملة كثيرًا من فلسطينيي المخيم قبل الثورة بأعوام، وحاولت كثيرًا تخيل حالة الحصار هذه، وبالطبع كانت "إسرائيل" وحدها من ستقوم بحصاره مع استحالة ذلك جغرافيًا، إلا أنّ الأمر لاحقًا لم يكن أبدًا كما تخيلت، واللعنة التي تحدث عنها الفلسطينيون حدثت لكن من طرفٍ آخر.

اللافت في العمل الإغاثي، أثناء الثورة السورية، هو القدرة التنظيمية العالية التي كان يتحلى الفلسطينيون بها

حسناً لقد حُوصر المخيم، واستطاع لفترةٍ طويلة أن يصمد كما أراده أهله صامدًا مكتفيًا وحاضنًا للسوريين. في بداية اشتداد الأحداث المسلحة في البلدات المحيطة به (التضامن ويلدا والزاهرة والميدان)، فتح المخيم مدارسه ومشافيه وبيوته لاستقبال السوريين بمحبة ولهفة فاقت أي منطقة نزوح أخرى، وتحولت الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني كل خططها التي كانت تُعنى بالفلسطينيين لتصب في خدمة السوريين الذين لجؤوا إلى المخيم من مناطق عدة، بل من محافظاتٍ كالنازحين من حمص وحماة في وقتها.

الأمر اللافت في جميع عمليات الإغاثة هو القدرة التنظيمية العالية التي كان يتحلى الفلسطينيون بها، في أي نداء للتبرع بالدماء لم أكن أصل المستشفى حتى أجد أن المتبرعين فاضوا، حتى أني أذكر عندما ذهبت لأحد المراكز المعنية باستقبال النازحين وتأمين اللوازم المعيشية والأثاث لهم، أن المسؤولة كانت تغضب وتصرخ في وجه كل متبرعٍ يقدم ألبسة مهترئة أو غيرة مكوية أو أيًا من الحاجيات المهترءة أو غير اللائقة!

كان المخيم قبل الثورة السورية مقصدًا للفعاليات الثقافية والفنية والإبداعية لوجود منظمات غير حكومية تُعنى بذلك، بالتزامن مع عدم وجود هذه القدرة التنظيمية لدى السوريين خارج وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب لمسببات أمنية والاقتصار على الإبداعات الفردية. استطاع المخيم بعد الثورة بالمحافظة على هذه القدرة بتنظيم العديد من الفعاليات الثقافية والموسيقية والفعاليات الإبداعية المعنية للأطفال وسط حصاره الخانق ليخرج إلى العالم بصورة المنتصر للحياة دومًا؛ أمسيات عبر سكايب تبث للعالم، بيانو وسط الدمار، إعادة إحياء الدمار وتلوينه على الجدران، فعاليات لا تزال قائمة كقطار الأطفال الملون الذي يخلق الفرحة للأطفال بسيره وسط سواد الدمار!

أحد أصدقائي الشعراء كان يخبرني عن متعة الخروج مع حبيبته في الحارات المجاورة للاشتباكات لتشكيل ذاكرة تليق بالحدث!

في عيدٍ سابق ومع تحريم دخول الطحين إلى المخيم، كان هناك بائع "هريسة" في المخيم، "الهريسة" المصنوعة من العدس! وكان سبقها عمل الخبز والفطائر من العدس أيضًا. ما يجعلك تشعر بالغيط والحسد من هذه القدرة على جرّ الحياة من عنقها إلى شوارع المخيم.. والخجل من أي نظرة سيئة كان يقولها الأهل لأولادهم عن المخيم؛ "لا تروحوا ع اليرموك كلّه مخيمجية زعران".

كنت ولا زلت أفخر بأن نشأتي الثقافية كانت مع "المخيمجية"، حتى تلونت لهجتي السورية ليظن زملاء الجامعة أني فلسطيني لا سوري!

لم يساهم فلسطينيو المخيم بدعم الحراك الإنساني والثقافي والترفيهي للسوريين في المحنة التي جمعتهم ما بعد الثورة، بل إن قليلًا من الناس يعرفون أن المظاهرات المنظمة التي كانت تقوم في حي الميدان المجاور للمخيم، كان منظموها قد استعانوا بفلسطينيين زودوهم بالقدرات "المخيمجية" على التظاهر وتنظيمه وطرق الهرب من الأمن، كل ذلك ساهم في استمرار المظاهرات الناجحة وتخفيف الإصابات بين المتظاهرين!

لا بد من الاعتراف بأن المخيم استطاع أن يظلّ المدينة المكتفية... المكتفية إنسانيًا والفائضة بذلك علينا كسوريين، حتى أنني أطالب أصدقائي الفلسطينيين دائما أن أحظى بلقب "مخيمجي"!