طفولتي مع أورتيغا: ماتش عالزيح وماتش مستريح..

طفولتي مع أورتيغا: ماتش عالزيح وماتش مستريح..

حينما كنا نلعب في الشارع ننقسم إلى فريقين، البرازيل والأرجنتين (Getty)

كنا "شلة" من الأطفال، الأخوة والأصدقاء، نجتمع على السطح في ليلة صيف لنشاهد مباريات كأس العالم في منتصف التسعينيات،كان لدينا تلفزيون صغير قديم نضع شوكة أو ملعقة في أذنه بدلًا من "الأنتينات" لالتقاط الإشارات، وفي كل مرة تشوش الصورة نحرك الملعقة!

كنا ننقسم إلى فريقين: فريق للبرازيل وآخر مشجع للأرجنتين، وأحيانًا أثناء الدوريات المحلية ننقسم إلى فريق يشجع النجمة وآخر يشجع الأنصار

لكن الملعقة كانت لا تثبت في مكانها، فكانت مهمة "أورتيغا" الصغير الوقوف جامدًا وتثبيت الشوكة في أذن التلفاز طيلة المباراة. وحين كنت أحاول تصويب رأسي لأشاهد قليلًا من المباراة كان الجميع يصرخ "يا أورتيغا شيل راسك عن الشاشة". كانت مهمة شاقة خاصة إذا ما انتهت المباراة بالتعادل وتم إضافة القليل من الوقت أو الذهاب ضربات الترجيح.

كان لقبي "أورتيغا"، وكنت صغيرًا، ربما عشر سنوات أو أكثر بقليل. كنت ألعب كرة القدم مع مجموعة من الرفاق في الحي. لا زالت جمل عدة تطن في أذني حتى اليوم كلما شاهدت مباريات كرة القدم: يا أورتيغا جيب الطابة، يا أورتيغا إلحق الطابة، يا أورتيغا أنفخ لطابة، يا أورتيغا مكانك على دكة الإحتياط، يا أورتيغا عيرني صباطك، يا أورتيغا خليك عالزيح، يا أورتيغا خليك مستريح، يا أورتيغا عبي قنينة الماي للعيبة.

كنا سبع شباب أخوة في البيت وكان لدينا أصدقاء الحي أيضًا، وشكلنا فريقًا لكرة القدم يدعى "الفجر" تيمنًا بفريق "الكابتن ماجد". في كل مرة كنا نسدد الطابة وكانت تعلو فوق السياج، يأتي دور أورتيغا للحاق بالطابة التي كانت تتدحرج نزولًا بضع مئات من الأمتار ويعود أورتيغا حاملًا الطابة كالمنتصر يقذفها إلى اللعيبة ويقف على الزيح ليستريح.


أرييل أورتيغا

كنا نذهب للعب الطابة في "كلية العلوم" وهي منطقة تابعة للجامعة اللبنانية في ضواحي بيروت وكان يوجد فيها ملاعب من باطون مسيجة بشرائط حديدية وأحيانًا نذهب إلى ملاعب الرمل إذ لم تكن توجد ملاعب خضراء كما اليوم. وكانت منطقة كلية العلوم تشبه الغابة لكثرة ما فيها من أشجار وحشائش.

كان الجيش السوري المتواجد في لبنان لديه ثكنة عسكرية في تلك المنطقة، وفي إحدى المرات لعبنا ضدهم وفزنا فما كان منهم إلا أن "زعبونا" من الملعب وصرخوا في وجهنا رافعين البنادق الروسية ذات السكاكين المدببة في مقدمتها فهربنا مسرعين. سمعت أحد رفاقي يناديني "يا أورتيغا أهرب، يا أورتيغا أسرع"، حينها شعرت أن قدماي تلمسان رأسي من الخلف.

وأما صديقي عصام فقد كان بدينًا وحين هربنا تعثر ووقع على الأرض. ما زلت أذكر كيف طج "كرشه" المنتفخ في الأرض كما تطج الطابة وسرعان ما وقف وأكمل الركض. كان شورته ينزلق أثناء الركض ثم يمسكه بيديه ويرفعه عاليًا ووجهه أحمر. كم ضحكنا في تلك الليلة على تلك الحادثة أثناء السهرة على السطح.

كنا نمر من أمام إحدى البيوت القديمة ونطلب المياه من الجيران فيلبون طلبنا، أو كنا نجد حنفية مياه فنضع رأسنا تحتها ونشرب ونغتسل ونبلل شعرنا ووجوهنا، وفي الطريق نأكل من شجرة الخروبة ونمضغها بصعوبة، ونقطف الحميضة ونأكلها ونلحس "بونجيسة" مجلدة بعد المباراة أو نقرمشها بأسناننا.

اقرأ/ي أيضًا: كيف يتم إشراك الأطفال في التمثيل السينمائي؟

وحين نتعب ولا نتمكن من المشي نتسلق على خلفية إحدى الشاحنات ونضحك، وحين يرانا السائق يضرب الفرامل فنقفز هاربين. لا زلت أذكر حين وقعت على قفاي بعد ضربة فرامل قوية وتمرغت بالوحل. أحيانًا  كنا نقوم بإيقاف إحدى الباصات العمومية ونقول له "عمو توصلنا معك ببلاش؟" وكم كنا فرحين حين يوافق على طلبنا.

كنا ننقسم إلى فريقين: فريق للبرازيل وفريق مشجع للأرجنتين، وأحيانًا أثناء الدوريات المحلية ننقسم إلى فريق يشجع النجمة وفريق يشجع الأنصار، وندور في الحارة الكبيرة "حي السلم/حي الكرامة" ونقوم بتعداد الأعلام المعلقة على البلكونات لنكتشف من يمتلك أكبر عدد من المشجعين. كان نوعًا من الإحصاء كي يتباهى الفائز بفريقه المفضل.

كنت فاشلًا في اللعب، وكثيرًا ما سجلت أهدافًا  في مرماي عن طريق الخطأ

وأما من كان يمتلك بسكلات فكان بمثابة البرجوازي المدلل. كان صديقي "حيدر" يمتلك واحدة صغيرة حمراء وكان لها حديدتان من الخلف تسميان "عصافير البسكلات" فكنت أعربش وأقف عليهما ونسرح ذهابًا وإيابًا إلى الملعب. وحين ننزل في منحدر كنت أفتح يدي كليوناردو ديكابريو في فيلم التايتانيك وأشم رائحة الهواء والنسمات تضرب وجهي.

كان لدي أخ لعيب حريف فطبول. كان أثناء ذهابنا إلى الملعب يشرد ويمشي لوحده ويبدأ بتخيل الطابة وافتعال حركات بيديه كأنه يقذف الطابة بطريقة "الدوبل كيك". أحيانًا كان يشرد كثيرًا وينسى نفسه فيذهب بعيدًا جدًا عن الملعب ويعود بعد انتهاء المباراة. أخي الأكبر هذا كان قد اشترى حذاءً رياضيًا أبيض جديدًا، وكان يومها في غاية السعادة. كنا نضع أحذيتنا في الخارج، وصباحًا في اليوم التالي حين استفاق وجد أن القطة قد تغوطت في حذاءه. حزن كثيرًا.

أما في الشتاء فكنا نعود أخوتي وأنا إلى المنزل بعد الإنتهاء من اللعب على ملعب "البرج" أو ملعب "المريجة" وهما ملعبان بأرضية رملية. كنا كمن وقع في حفرة وحل وصار لونه بنيًا بلون التراب المبلل. وكانت المياه الساخنة قليلة، فننتظر وننتظر حتى يأتي دور كل واحد منا لتسخين المياه والإستحمام.

كنت ذكيًا جدًا في المدرسة وكنت أقوم بمساعدة أطفال المدرب أحيانًا في الدراسة فكان يقوم المدرب بإشراكي في اللعبة كي لا أزعل منه وأتوقف عن تدريس أطفاله. إلا أن لاعبًا من اللاعبين لم يكن يخرج من الملعب وأكتشف أنني عدد زائد وينادونني "أورتيغا عصفور طيار، أورتيغا مش محسوب".

كنت فاشل في اللعب، وكثيرًا ما كنت أسجل أهداف في مرماي عن طريق الخطأ. أحيانًا كنا نلعب ليلًا وكان الملعب بدون إضاءة فكان أحدهم يناديني "أورتيغا اعطيني الطابة" فأمررها له لأكتشف بعدها أنه من فريق الخصم وقد سجل هدفًا في مرمى فريقي. كنت حين أمسك الطابة أضيع فلا أعرف خصمي من حليفي.

كانت مهمة أورتيغا دومًا اللعب كحارس مرمى على اعتبار أن حارس المرمى منصب غير مثير لكن كنت أخاف من تسديدات الطابة بقوة فينادونني "أورتيغا قوي قلبك، يا أورتيغا ما تخاف". نقلوني إلى الدفاع وكنت متأهبًا للدفاع عن مرمى فريقي وفي إحد التسديدات القوية على المرمى قمت بضرب الطابة بيدي وإبعادها. جن جنون المدرب "يا أورتيغا شو قصتك؟" أجبته "نسيت فكرت بعدني غولارجي".

اقرأ/ي أيضًا: نقد الطرح الطبقي في"ثورة" 17 تشرين في لبنان

كان مدربي شديد العصبية وكثير الصراخ وكنت حين أقف إلى جانبه أثناء المباراة أقول في سري "اليوم سيموت بالتأكيد لكثرة صراخه" حيث كانت العروق في رقبته تكاد تنفجر. وحين يكون الخصم قويًا تأتي اللحظة الحاسمة بالنسبة لي. لقد أختارني المدرب ليقحمني في اللعبة ويطلب مني الدخول دون إيقاف المباراة ودون تعداد عدد اللاعبين. كان مدربًا محتالًا بشكل لا يوصف "كل ما له فهو خطأ وكل ما عليه فهو ظلم". حتى أنه أحيانًا كان يحدد هوية الحكم المخول تحكيم المباراة.

كانت مهمة أورتيغا دومًا اللعب كحارس مرمى على اعتبار أن حارس المرمى منصب غير مثير

كان شعري طويًلا مثل أورتيغا، أضربه بيدي إلى الخلف وأفرغ قنينة المياه على وجهي وحين أنزل إلى الملعب أبدأ بالقفز وضرب الكرة برأسي فيهتز شعري مثل أورتيغا وأركض وأدور حول الملعب مفتعلًا حركات النصر. في إحدى المرات سجلت أجمل الأهداف. صديقي مرر لي الطابة وكانت مرتفعة وكنت أراقبها وهي تتقدم صوبي فما كان مني إلا أن استجمعت قواي وانحنيت ورفعت قدمي وركلتها ركلة "مقص" وجاءت الثمانية (في الزاوية تسعين). استمر الحديث عن هدفي أسابيع، كانوا يصفون هدفي بأنه عالمي، ومنهم من قال "أورتيغا مش هين، أورتيغا مش قليل، شيل يا كبير". شعرت بأحاسيس لا يمكن وصفها، لكن ما أعرفه أن تيارًا من الثقة سرى في جسدي.

كنت كل يوم أمر من جانب محل الملابس الرياضية وأتفرج على "طقم" الأرجنتين وكان عبارة عن شورت وفانيله وكلسات طويل وحذاء. كنت أدخل وأجرب الطقم وأسأل عن سعره وأغادر فرحًا. ثم أعاود الدخول وأجرب الطقم مجددًا وأسأل عن سعره وأغادر سعيدًا. أدخل، أجرب، أسأل عن السعر، أغادر. أدخل أجرب مقاس أصغر، أسأل عن السعر وأغادر. أدخل، أجرب مقاس أكبر، أسأل عن السعر، وأغادر حالمًا. حتى تحقق حلمي واشترته أمي لي. كان رقمي 10 مثل رقم أرييل أورتيغا، لقد استحقيت اللقب يومها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يمكن تحقيق الدولة المدنية الديمقراطية في لبنان؟

ماذا يعني المنزل بالنسبة للطفل؟