"طفلُ البيضة" لأمين الزاوي.. العزلة والفقدان وفوبيا الآخر

باية محمد/ الجزائر

"احتضنتها كأنها أسطورة حية. لارا."

هي أول جملة افتتح بها الأديب الجزائري أمين الزاوي روايته العاشرة باللغة الفرنسية، "طفل البيضة" L’enfant de l’œuf (منشورات البرزخ، 2017). رواية تحاكي العزلة وسط مجتمع جزائري غير متسامح، سكيزوفريني، أناني، غزته أفكار دينية متطرفة ألغت كل ما هو مختلف ومتحرر، فغابت فيه ثقافة المواطنة والتحضر.  

"طفل البيضة" لأمين الزاوي رواية تحاكي العزلة وسط مجتمع جزائري غير متسامح، غزته أفكار دينية متطرفة 

جزَّأ الزاوي روايته إلى287 عنوانًا لفصول قصيرة نسبيًا. وأنت تقرأ المقاطع تلك، يمكنك تغيير ترتيبها ولن يلتويَ حبل السرد. قطع متجاورات كمكعب "رُوبِيكْ". راويان تناوبا على نسج متن الرواية: مولود آيت موهوب، كهل جزائري مُطلق، أمازيغي اللسان والمورثات، ينادونه باختصار "مُولْ"، وكلبه "هَارِيسْ" من سلالة البرودل. يا ترى، من هم الشخوص الذين أثثوا الرواية المكتوبة بأسلوب مستفز ومثير وحده ابن تلمسان يتقن تشييد متاهاته السردية؟

اقرأ/ي أيضًا: أن تكون مدينًا لروايتك

 

شخصية مُولْ، عزفٌ على أوتار الوحدة

يدا مُولْ تلامسان ثلاثة أشياء تشعره بالنشوة: النساء، كؤوس النبيذ، والورق. يعيش في مدينة تُجلي شوارعَها من ساكنيها وغياب قرص الشمس. هاريس ومُولْ يحتفلان بعيد الميلاد في نفس اليوم: 25 تشرين الثاني/ نوفمبر (الزاوي من مواليد 25/11/1956). اقتناه ثلاثة أيام بعد طلاقه من فريدة ليستأنس إليه. يقطن مُولْ في شقة كولونيالية ذات غرفتين تطل على البحر، اقتصت من "حدوة" خليج الجزائر للتخفيف عن ضيق حيِّزها. لا يحبذُ الأيام المشمسة، يمقتُ التعري على الشواطئ، يحبُ الترجل على الرمل فصلَي الخريف والشتاء، يوقدُ الشواية في الشرفة حين تُمطر على نباتات البوغنفيليا المتسلقة على جدران سياج العمارة، ويستمتعُ بأغاني الفنان القبائلي لونيس آيت منقلات، والأيقونة الفرنسية إيديت بياف، والأمريكي بوب ديلان. مُولْ يغيِّرُ جواربه مرة في الأسبوع، يعيشُ في غابة من الكتب وكومة من الجرائد، يشربُ النبيذ كالماء. عندما يكثرُ من الجعة، يهذي عن هروب زوجته فريدة ويشتهي جسد اللاجئة السورية لارا. يتحدث إلى كلبه هاريس بالفرنسية، ويقرأ يوميا ثلاث جرائد بالفرنسية وواحدة بالعربية.

تجدُ مُولْ غريب الأطوار، يقرأ كتاب "الحيوان" للجاحظ في حديقة عمومية تحمل اسم شهيد، لكنها أضحت مرتعًا لتعاطي المخدرات وتناول العاشقات سرًّا! تعود مُولْ على عزلته وهو يستذكر حبه الأول حين كان مراهقًا: بائعة النعناع والبقدونس بسوق "لاباستيلْ" في وهران، صاحبة الجزمتين الورديتين. أحيانا، يستحضر أيضًا أستاذة اللغة الإسبانية سنوات الثانوية، والتي أهدت له، عندما تخطى السابعة عشرة، رواية "مدام بوفاري" للأديب الفرنسي جوستاف فلوبير. اسمها مُونَا، من أصول غرناطية. غرست فيه حب فن الموسيقى. أخبرته أن أصابعه تشبه عازف البيانو الروسي لازار برمن. سكنته مونا ولم تبرح ذاكرته قط، ومن كثرة ولعه بها تعلم العزف على العود. مونا تزوجت باحثًا إسبانيًا مختصًا في المخطوطات العربية الإسلامية بمتحف الإسكوريال، يتكلم خمس لغات ويحب كتب سلمان رشدي وأشعار عمر الخيام.

 

هاريس، الكلب الفيلسوف الذي يلهثُ بالجنَّة

من أول يوم له، ارتاح الكلب هاريس إلى منزل مُولْ: لا قطط، لا أطفال، لا ذباب. يملك دفترًا صحيًا. هاريس ينام في مهد الابنة تانيلا، يحب الشوكولاتة ويكره السمك (فهو ليس قطًا)، يغار من حميمية سيده مُولْ وعشيقته السورية لارا، فتراه يعبث بتبابين سيده ويمزق حمَّلات صدر لارا. "كنت دائمًا أعتقد أن مُولْ  هو طفل البيضة. منزوٍ، خرج من صفار البيض". هاريس ذلك الكلب الذي كان يتبول على جرائد يضعها له مُولْ خصيصًا لقضاء حاجاته البيولوجية. فهاريس بَالَ على صور ملوك ورؤساء ديكتاتوريين عربًا، ووزراء فاسدين وانتهازيين من كل الميادين، وكذلك نجوم الفن والرياضة والموضة. وعلى كل من لبس بدلة وربطة عنق، واستل خيانةً من قلبه ليطعن وطنه. "التبول فعل سياسي. نضالي." ضجرَ هاريس من اسمه وأراد تغييره ، تمهيدًا لدخوله الجنة. "أنا من سلالة قطمير، كلب أهل الكهف." يتساءل هاريس في الرواية عن جنة الكلاب وملذاتها، فأراد تعلم لغة الجنة. فاتهمه مُولْ بالتطرف الديني.

 

لارا، مسيحية من دمشق تأبى النسيان

لارا هي امرأة كردية هربت من جحيم الحرب السورية، تدين بالمسيحية. سكنت لدى صديقتها مريام في نفس عمارة مُولْ، والذي سرعان ما أغراها إلى فراشه ليفترس جراحها ولو أنها طبيبة أطفال. كان مُولْ يراها حفيدة طارق بن زياد، فاتح الأندلس، والذي أنهى حياته متسولًا في شوارع دمشق حسب الأسطورة المتوارثة. جاءت إلى الجزائر، فكانت الذاكرة الأليمة زادها الوحيد. بين أحضان مُولْ، أفرغت أثقال وطن تائه وهائج مَهَرَ الأرض دمًا بريئًا. أبوها أنطوان أبو شادي كان مدير سجن تدْمر، يجيد فنون التعذيب، مما جعل زميلاتها يتفادين مصاحبتها في المدرسة والجامعة. بالرغم من إيهام صديقاتها أن أباه استشهد في الحرب الإسرائيلية 1973 ولم يكن سجانًا. ضاقت بها الحياة ولم تجد متنفسًا إلا في أشعار التشيلي بابلو نيرودا، والتركي ناظم حكمت، وأغاني مارسيل خليفة وطرب فؤاد نجم. حفظ مُولْ حتى الشامات الأربع على جسد لارا الذي اغتصبه والدها في بناية مهجورة وهي طفلة صغيرة. لم تنسَ أن أباها انتحر شنقًا، يوم أحد، وهو الذي أحبَّته خالة لارا، "سيليا"! آلمها تدمير داعش لتدْمر الأثرية، وهتك "معبد بعل". الدواعش كانوا قد اختطفوا أخاها، واغتصبوا أمها الخمسينية "ماريا". بيتها بحي المزّة في دمشق قُصف وهُدم. بكت يومئذٍ فقدان دراجتها ودميتها المصنوعة من الخيزران، الغجرية الملبس. بعد سنتين وستة أشهر، هاجرت لارا إلى كندا بدون سابق إنذار. 

طفل البيضة L’enfant de l’œuf

مضيفتها مريام كانت تعمل في الخطوط الجوية الجزائرية حين صادفت لارا في بهو مطار الجزائر فأسكنتها في شقتها. يوم شاهدت مريام مجازر داعش ضد المسيحيين اليزيديين واغتصاباتهم الشنيعة، تخلصت من حجابها وتقاسمت المضجع مع ضيفتها السورية. كانت ماريام من ضحايا زلزال بومرداس (أيار/مايو 2003)، حيث فقدت خطيبها أثناء الكارثة والتي دفعتها إلى تغطية جسدها مؤقتا، مع أنها تعاطت المخدرات لنسيان نكبتها الشخصية. فجأة، اختفت ماريام والتحقت بركب الجهاد في الرقة.

اقرأ/ي أيضًا: مي زيادة كما رواها واسيني الأعرج

 

الزوجة فريدة تدفنُ ثدييْها في السنغال  

سنوات الجامعة، أهدى مُولْ فريدة كتابًا بعنوان "سرير غير مرتب" للكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان. لكنها ولعت أكثر بأشعار المتصوف الفارسي فريد الدين العطار."رائحة فمك كريهة كالخنزير، وذقنك ظهر قنفذٍ!" هكذا كانت "تداعبه" زوجته فريدة على الفراش. عكس زوجها، كانت حريصة على ترتيب البيت. ثلاثة أيام بعد الطلاق، اشترى مُولْ مجددًا الرواية ذاتها وقرأها في ليلة واحدة، وصباحًا مزقها كالجرذ ورماها في صحن المرحاض. لم يعلم أين ذهبت فريدة، ولكنه تخيَّلها في أحضان رجل زنجي في مدينة سانت-لويس السنغالية، إذ كانت تدرس تاريخ الرسومات الصخرية بالصحراء في جامعة "غاستون برجي". إثر مكالمة ليلية مفاجئة، أخبرته أنها مصابة بسرطان الثدي، فتأسف لذلك، فراودته الحسرات لما علم باستئصال ثديين كان ينهل منهما طيلة اثنتين وعشرين سنة.

 

 الحماة سلطانة، طلسمٌ من نار

شعر مُولْ بالوحدة واليتم، وانهار معنويًا يوم وفاة حماته سلطانة. كان يحبها أكثر من زوجته ، ومارس معه الجنس أول مرة عندما كانت زوجته في العيادة تضع مولودهما تانيلا. عمر ابنته وازى سنوات خيانته. بعد مضي خمس وعشرين سنة، بدأ مُولْ يعاقر شراب الندم على فعلته. كانت سلطانة تقرأ كثيرًا روايات الحب والعشق. دُفنت تحت شجرة الزيتون بمقبرة بن عكنون، ودأب مُولْ على زيارة قبرها ليدخن أفيونا فوق ثراها.

 

الجد والجدة والأم

كانت أمه سكُّورة تقول لمُولْ: "الحسناوات هنَّ حطب جهنم!" كانت أمه عنصرية يوم خطبة ابنتها جليلة. "لذبحُ ابنتي على ركبتي أهون عليَّ من تزويجها رجلًا زنجيًا". جدُّه كان كثير الترحال والمغامرات. بعد وفاته، احتفظت بتول، جدَّة مُولْ، بطاقم أسنانه الاصطناعي، وكل ليلة كانت تضعه فوق ثدييْها اللذين هزمتهما جاذبية نيوتن! عند خطبة بناتها أو حفيداتها، لم تكن بتول تعاين سوى أحجام أقدام الخُطَّاب، وكانت تردد: "رِجْلٌ كبيرة توحي بقضيب كبير". هل أخطأت في مقاس رجلَيْ جدّ مُولْ؟ هل ورَّثَ الجدُّ حفيدَه مُولْ مقاس 44؟

 

الطبيبة البيطرية زوزو

بعد اثنتي عشرة سنة من عمره، بدأت صحة الكلب هاريس تتدهور ويقترب من جنة الكلاب. سيده مُولْ لم يفرط في كلبه الوفي، وكان يعرضه على طبيبة بيطرية اسمها زوزو، وعمرها خمس وأربعون سنة. مع تكرار الزيارات، أصبحت لعبة جنسية بين فخذَيه في عيادتها، تحت دهشة هاريس. زوزو لها قصة حب مع رجل كردي اسمه مردم، جاء هاربًا لدراسة الطب بالجزائر بعدما حكم عليه صدام حسين بالإعدام.

تعج رواية "طفل البيضة لأمين الزاوي بالطرائف والسخرية حيال كل شخصية من شخصياتها

تعارف ابن أربيل مع زوزو وتزوجا قبل أن يفترقا بظهور أورام "داعش" وأعراضه، فعاد إلى العراق لاجتثاثها. كانت زوزو شخصية متناقضة مع نفسها، ولم يمنعها جلبابها من إشباع رغباتها مع الطليق الخطير مُولْ. طليقان قررا تطليق المكبوتات الجنسية!

اقرأ/ي أيضًا: رابح خدوسي.. تفكيك الإنسانية الهشّة

 

التسامح في خبر كان

مُولْ استهوته الصحافة، وكان يريد كتابة مقال يكشف عن الدعارة في أوساط الأطفال السوريين بالجزائر العاصمة ووهران. مُولْ أُغرم بقراءة الروايات الأنجلوساكسونية، بعد ذهاب ابنته تانيلا.

تعج الرواية بالطرائف والسخرية حيال كل شخصية رواية "طفل البيضة". فهذه لارا قاطعت مُولْ ثلاثة عشر يومًا حين رأته يأكل الحلزون مع الجعة. لارا لها طقوسها الأنثوية: تطبخُ كل يوم جمعة أطباقًا نباتية تكفي لأسبوع كامل وتضعها في الثلاجة، تدقّ دائمًا باب عشيقها مُولْ خمسًا على الحادية عشرة نهارًا وفي حضنها أرنب من قماش، تتفادى ارتداء الملابس الداخلية، تملك سلحفاة كركرتها من دمشق، تقرأ أشعار أدونيس حين تحيض. هذا إمام الحي، عمل سابقًا في ماخور عدة سنوات، وحدث أن ذبح كلبًا على عتبة المسجد، لأن الحيوان كان ينبح وقت آذان الفجر. البواب آكلي شارك في حرب "الستة أيام" فعشق أغاني أم كلثوم لطمس الهزيمة، ثرثار لا تخفى عليه خافية، يسهب في احتساء القهوة وتفحص ألايَا النسوة.     

تتساءل الرواية عن مدى اعتقاد المسلمين أن كل إنسان عربي يدين بالإسلام ولا يمكنه تقبل عرب مسيحيين أو يهود. فهذه جارته زهية تتجسس عليه صباح مساء، وتتبع خطوات الحسناء "الرومية" لارا التي تحمل صليبًا على صدرها. هل لم يعد للتسامح الديني فضاء يحتويه؟  

 

الابنة تانيلا، ريشة لوحة متمردة

ابنته تانيلا هي فنانة تشكيلية، يافعة ومتحررة، تجوّل حول العالم لعرض لوحاتها. حين تزور والدها مُولْ بالجزائر العاصمة، أناملها يكسوها الخمول وتستيقظ تانيلا الحساسة للبرد في منتصف النهار، مما يزعج البرودل هاريس. بين سفرتين، تلتهم الكتب كأبيها، وتدلل هاريس بالشوكولاتة الرفيعة. بعد ثلاث سنوات في لوس أنجلوس، سئمت من "الحلم الأمريكي" وأرادات الاستقرار في أرخبيل اليابان، فعزمت على تعلم لغة بلاد الشمس المشرقة. كان مُولْ يريدها إلى جنبه، لتداوي جراحه ولترمم عزلته. لكن تأتي الريشة بما لا تشتهي اللوحة، إذ دهستها سيارة يوم أحدٍ باردٍ وهي في طريقها لشراء االشوكولاتة لدى بقال تونسي بمونتريال الكندية. إثر سماعه بالفاجعة، أحس مُولْ أن حياته لم يعد لها أي معنى، ولم ينوِ سوى دفنها بجوار حماته سلطانة.

 كتب الجزائري أمين الزاوي أربع عشرة رواية باللغة العربية، وعشر روايات باللغة الفرنسية

اقرأ/ي أيضًا: أمين الزاوي "يُحرِّر" غزالة ابن طفيل من حديقتها

في انتظار عبور التابوت المحيط الأطلسي، جُنَّ مُولْ وأصبح نزيلًا مثقفًا بمصحة الأمراض العقلية "فرانس فانون" بالبليدة، بعدما تراكمت عليه بلايا الفقدان (الزوجة، لارا، هاريس، الحماة، تانيلا).

يذكر أن لأمين الزاوي أربع عشرة رواية باللغة العربية، وعشر باللغة الفرنسية. عناوينه بلغة فواتير هي كالآتي: "عسل القيلولة"، "آخر يهودي من تمنطيط"، "غرفة العذراء المدنسة"، "وليمة الأكاذيب"، "نوم الميموزا"، "الخضوع"، "الغارة"،"مزرعة النساء"، "العطَّارون"، "طفل البيضة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

اختلاق الصحراء في رواية "الأميرة المورسكية" لمحمد ديب

فيصل الأحمر.. الدّفاع عن الحقّ في السّرد