طفرة مراكز البيانات تهدد العالم بـ"تسونامي" من النفايات الإلكترونية
16 سبتمبر 2026
يتسارع سباق بناء مراكز البيانات المخصصة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي حول العالم، لكن هذا التوسع لا يحمل معه تحديات تتعلق بالطاقة والمياه والمساحات فقط، بل يهدد أيضًا بإنتاج كميات هائلة من النفايات الإلكترونية السامة، قد تصل إلى ثلاثة أضعاف مستوياتها الحالية خلال السنوات الـ25 المقبلة.
وبحسب تقرير جديد أصدرته منظمة "Basel Action Network" البيئية غير الربحية، فإن الأجهزة والمعدات التي ستخرج من الخدمة نتيجة التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد تنتج ما يصل إلى 13 مليون طن متري من النفايات الإلكترونية سنويًا بحلول عام 2030.
يهدد سباق بناء مراكز البيانات المختصة بالذكاء الاصطناعي في إنتاج كميات هائلة من النفايات الإلكترونية السامة، قد تصل إلى ثلاثة أضعاف مستوياتها الحالية خلال السنوات الـ25 المقبلة
ويحذر التقرير من أن هذه النفايات قد تشكل "تسونامي" إلكترونيًا، إذ إن الكميات المتراكمة خلال السنوات الـ25 المقبلة يمكن أن تملأ عددًا من حاويات الشحن يكفي لتطويق الكرة الأرضية ست مرات.
معدات ضخمة بعمر قصير
لا تقتصر النفايات الناتجة عن طفرة الذكاء الاصطناعي على الحواسيب والخوادم وحدها، إذ تعتمد مراكز البيانات على منظومة واسعة من المعدات اللازمة لتشغيلها، تشمل أنظمة التبريد وتوزيع الطاقة والشبكات وتخزين الطاقة.
ويشير التقرير إلى أن هذه البنية التحتية ستستهلك آلاف الأطنان من النحاس والفولاذ والخرسانة، إلى جانب كميات ضخمة من المعدات الإلكترونية التي ستحتاج إلى الاستبدال بوتيرة متسارعة. ولحساب حجم النفايات المتوقعة، استند التقرير إلى تقديرات نمو القدرة الحوسبية عالميًا، والتي يُتوقع أن تصل إلى نحو 100 غيغاواط من القدرة الجديدة بحلول عام 2030 وحده، قبل أن تستمر في الارتفاع بعد ذلك.
وتحتاج مراكز البيانات إلى أعداد هائلة من الخوادم. ويزن الرف الواحد الذي يضم الخوادم نحو 1360 كيلوغرامًا، بينما يمكن أن يصل وزن بعض مفاتيح الشبكات إلى 30 كيلوغرامًا، فضلًا عن مئات الكيلوغرامات من الكابلات النحاسية اللازمة لربط كل رف.
المشكلة لا تتعلق بحجم هذه المعدات فحسب، بل بعمرها التشغيلي أيضًا. فالتقرير يتوقع أن كثيرًا من هذه الأجهزة لن تكون مصممة للإصلاح أو إعادة الاستخدام، ما يعني استبدالها بالكامل كل عامين إلى خمسة أعوام.
وبذلك، فإن التوسع السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي قد يحول المعدات التي تُعد اليوم جزءًا من أحدث البنية التحتية التكنولوجية إلى نفايات خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
13 مليون طن سنويًا
اعتمد تقرير المنظمة رؤية أوسع من احتساب الخوادم الموجودة داخل مراكز البيانات، إذ أخذ في الاعتبار أيضًا التأثير المتوقع لتطور الذكاء الاصطناعي على أجهزة المستهلكين.
فالتطور السريع في أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يدفع إلى استبدال أجهزة الكمبيوتر والهواتف ومعدات الاتصالات بوتيرة أسرع، نتيجة ارتفاع متطلبات الحوسبة اللازمة لتشغيل الأنظمة الجديدة.
وباحتساب هذه الأنواع المختلفة من النفايات، خلص التقرير إلى أن التخلص من المعدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصل إلى 13 مليون طن متري سنويًا بحلول عام 2030، وهي كمية يقول التقرير إنها أعلى بكثير من تقديرات عدد محدود من الدراسات السابقة. وتأتي هذه التوقعات في وقت تُعد فيه النفايات الإلكترونية أصلًا من أسرع أنواع النفايات نموًا في العالم.
وقال جيم باكيت، المؤسس المشارك لمنظمة "Basel Action Network"، إن النفايات الإلكترونية أصبحت بالفعل "أسرع تدفقات النفايات نموًا على الكوكب"، مشيرًا إلى أن نحو خُمسها فقط تتم إدارته بطريقة سليمة.
معادن ثمينة ومواد سامة
لا تكمن المشكلة في حجم النفايات وحده، إذ تحتوي المعدات الإلكترونية على مواد يمكن أن تشكل خطرًا بيئيًا وصحيًا إذا لم تُدار بطريقة صحيحة. وتشمل هذه المواد الرصاص والزئبق والكادميوم، إلى جانب مواد كيميائية تُعرف باسم "المواد الكيميائية الأبدية"، فضلًا عن معادن ذات قيمة اقتصادية يصعب استعادتها من المعدات الإلكترونية. ويحذر خبراء لصحيفة "الغارديان" من أن التخلص غير السليم من هذه النفايات قد يؤدي إلى تسرب مواد ضارة إلى التربة والمياه.
وقال فينس بيسر، مؤلف كتاب "Power Metals"، إن الولايات المتحدة تتعامل بصورة سيئة مع النفايات الإلكترونية، مشيرًا إلى أن جزءًا منها يُرسل إلى الخارج، فيما ينتهي معظمها في مكبات النفايات، حيث يمكن أن تتسرب مواد ضارة إلى التربة والمياه.
حيث تُعد الولايات المتحدة إحدى أبرز ساحات التوسع في مراكز البيانات. ويشير التقرير إلى وجود 4871 مركز بيانات جديدًا ضمن مراحل التخطيط أو البناء في البلاد، مع عدم تخصيص جميعها بوضوح للذكاء الاصطناعي، لكن عددًا كبيرًا منها يُتوقع أن يخدم هذا القطاع. ويأتي هذا التوسع وسط اعتراضات متزايدة داخل الولايات المتحدة على التأثيرات البيئية لمراكز البيانات، خصوصًا بسبب حاجتها الضخمة إلى المساحات والطاقة.
لكن النقاش بدأ يتجاوز استهلاك الكهرباء والمساحات ليصل إلى ما سيحدث للمعدات بعد انتهاء عمرها التشغيلي. وفي الأسبوع الماضي، دعا عدد من خبراء البيئة والصحة الحكومة الفيدرالية إلى تقديم تعهد لحماية صحة المواطنين من التداعيات المحتملة للتوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. واستند الخبراء إلى تقديرات تفيد بأن تلوث الهواء الناتج من كميات الكهرباء الضخمة المطلوبة لتشغيل مراكز البيانات قد يؤدي في الولايات المتحدة وحدها إلى مئات آلاف حالات الربو الجديدة، وإلى ما يصل إلى 1300 وفاة مبكرة سنويًا.
ويتزامن ذلك مع مساعي إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إضعاف بعض الضمانات البيئية التي كانت تحكم مشاريع التوسع التكنولوجي الكبرى.
7 تريليونات دولار للذكاء الاصطناعي
ولا تبدو طفرة مراكز البيانات قريبة من التباطؤ، إذ تتطلب خطط صناعة التكنولوجيا استثمارات هائلة لبناء البنية التحتية اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي. وقدّرت شركة "McKinsey & Company" في تقرير صدر عام 2025 أن تحقيق خطط قطاع التكنولوجيا في مجال الذكاء الاصطناعي سيحتاج إلى نحو 7 تريليونات دولار من الإنفاق الرأسمالي عالميًا خلال السنوات الخمس المقبلة، لبناء مراكز بيانات تضم ملايين الخوادم التي تعمل على مدار الساعة.
وتشير منظمة "Basel Action Network" إلى ضخامة هذا الإنفاق بوصفه استثمارًا غير مسبوق في البنية التحتية الرقمية، في وقت لا تزال فيه مسألة التعامل مع المعدات التي ستخرج من الخدمة غير محسومة. ويحذر التقرير من أن العالم يخوض سباقًا سريعًا نحو بناء قدرات الذكاء الاصطناعي، من دون وجود خطة واضحة للتعامل مع النفايات التي ستنتج عن هذا السباق.
ويقول التقرير إن مستخدمي التكنولوجيا حول العالم أصبحوا "مشاركين غير واعين" في سباق الذكاء الاصطناعي، إذ يستخدمون هذه التقنيات، في كثير من الأحيان، من دون إدراك كامل للتبعات البيئية الأوسع المرتبطة بتوسعها.