طرابيشي في عباءة سلفية

طرابيشي في عباءة سلفية

امرأة سعودية أمام عمل تجهيزي، في معرض تضامني مع غزة في 2009 (Getty)

بدايةً، يحتاج هذا المقال إلى طرق فكرتين ستبدوان، للوهلة الأولى، بلا رابط يجمعهما. الأولى تتعلق بالمفكر العربي جورج طرابيشي، وضرورة التنويه لما لهذا الرجل من فضل على الثقافة العربية الإسلامية؛ فقد خدم مشروعه الفكري والثقافي هذه الثقافة بما قدمه من نقد عقلاني للتراث وللمشتغلين عليه، ما تجلى في أبهى صوره في خماسية "نقد نقد العقل العربي". 

يسير أتباع جورج طرابيشي بمشروعه في طريق مغايرة لتلك التي سلكها ودعا إليها طوال حياته

ولما قدمه من ترجمات كثيرة أغنت المكتبة العربية وغيرت في مسارات الباحثين والكتّاب، من مثل ترجماته لسيجموند فرويد وهيغل وكثير من روايات الأدب العالمي. إضافة إلى تنوع مشروع الرجل وفرداته؛ فقد ألّف في النقد الأدبي، والفكر المعاصر، ونقد الخطاب الديني، والديمقراطية والفلسفة. والأهم من ذلك كله أن طرابيشي من القلة الذين ساروا بالفكر العربي خطوة مهمة حاولت نقله من مرحلة النقل إلى العقل. 

الفكرة الثانية، تتعلّق بظهور الفيسبوك وما وفره ذلك من تقارب بين أصحاب الاهتمامات والمواهب المشتركة؛ فقرّاء الكتب والروايات استطاعوا أن يلتقوا في مجموعات فيسبوكية، سرعان ما تجسدت على أرض الواقع عبر أندية القراءة.

وهذا ما حصل مع هواة الموسيقى، والمسرح، والفنون على اختلافها، وجامعي الطوابع وعشاق السيارات.. إلخ. حتى أن الأمر أصبح يشمل جميع مناحي الحياة؛ فالفيسبوك استطاع كسر الحدود الجغرافية والمسافات. أما مناسبة هذا الكلام، فهو أن طرابيشي الذي أمضى حياته يعمل بصمت وتواضع –على الرغم من ثقافته المعرفية الهائلة- على مشروعه، تبين أنّ له أتباعًا ومريدين كثر، يقرؤون كتبه، ويرددون أفكاره، محاولين ترويجها وتعميمها. وهذا يقودنا إلى فكرة ثالثة لها علاقة بعنوان المقال، سنتطرق لها الآن.

فبالرغم من أنّ كتب جورج طرابيشي لاقت رواجًا طيبًا في الأوساط الفكرية النخبوية، فإنني لا أظنه كان يتوقع أنّ له هذا العدد من الأتباع الذين يرددون مقولاته وأفكاره، ويحاولون نشرها. كما لا أظنه كان يسعى إلى ذلك. وبالرغم من أنها ظاهرة صحية أن يكون للمفكر أتباع وجمهور، فإنّ المتابع الجيد لهؤلاء الطرابيشيين يجد أنهم يسيرون بمشروع الرجل في طريق مغايرة لتلك التي سلكها ودعا لها طوال حياته، أمد الله في عمره.

ففي حين أنه يمتاز بروحه المتسامحة التي تحملت إهانات واتهامات كثيرة بالتخوين والعمالة، وجهت له من قبل أعز رفاقه، واجهها بمزيد من العمل والاصرار على النقد العقلاني والمنطقي، فإن أتباعه يمتازون بتعصبهم الشديد له وبلامنطقيتهم في الرد. ولا تكاد أن توجه لكتاباته ملاحظة سلبية طفيفية حتى تكال لك، من قبلهم، التهم بالسذاجة والجهل والسير في ركاب التخلّف.

هل كُتب علينا أن نصنع آباء وأصنامًا من أشخاص قاتلوا كثيرًا في سبيل تخليصنا من الأبوية والصنمية؟

النقطة الأخطر، هي أنّ نسبة كبيرة منهم تعمل على مشروع مفكرنا بشكل يعاكس المنهج الذي رسمه لنفسه؛ فبينما أمضى حياته في محاولة نقل الثقافة العربية من مرحلة النقل إلى مرحلة إعمال العقل وتحريره، فإنهم يتعاملون مع منتجه بطريقه نقلية بحتة، تذكرنا بطريقة تعامل السلفية مع منتج شيخهم "ابن تيمية". وهذا الكلام أقوله من واقع متابعتي لمجموعاتهم الفيسبوكية، وتعاملي المباشر مع بعضهم؛ فأنت لا تكاد تتكلم في أي منحى من مناحي الحياة، حتى يبادرك أحدهم: "يقول طرابيشي في ذلك كذا وكذا". وذات مرة، حضرت حوارًا مع أحد الطرابيشيين؛ سألته أستاذة جامعية عن رأيه في كتاب نولدكه "تاريخ القرآن" فأجاب إنه لم يقرأه، غير أن جورج طرابيشي يقول...!"، وراح يردد عليها محفوظاته من أقوال الرجل وأفكاره.

كما أن بعضهم يتعامل مع فكر الرجل كغطاء أيديولوجي شمولي؛ فإذا أراد أن يقرأ في التراث ونقده يقرأ ما كتبه طرابيشي، وإذا أراد أن يقرأ في الرواية وعلم النفس فإنه يقرأ ترجماته. وكذلك يفعل في كل الاتجاهات، حتى تشعر أن مؤلفاته هي مقررات حزبية على هذا البعض. المفارقة في الأمر، أنه أمضى حياته يدعو إلى العيش خارج نطاق الحزبية الضيق. بالإضافة إلى سعي بعضهم إلى إضفاء قدرات تنبؤية على مقولاته المجتزأة من كتبه ومقالاته، بطريقة دونكيشوتية.
    
وما ينطبق على أتباع هذا المفكر العربي ينطبق على أتباع محمد عابد الجابري، وطه عبد الرحمن، ومحمد أركون، وغيرهم من المفكرين الذين خرجوا على العقل الجمعي المستقيل، وحاولوا زحزحته بالأسئلة المقلقة التي طرحتها مشاريعهم. وفي حين يفترض أن يتم تطوير هذه المشاريع والبناء عليها، من خلال تفعيلها ونقدها على السواء، فإن سلفية النقل الكامنة في لا وعينا تدفع بها إلى الخلف، وتتجه إلى تقديس شخوصها. وكأنه كُتب علينا أن نصنع آباء وأصنامًا من أفكار أشخاص قاتلوا كثيرًا في سبيل تخليصنا من هذه الأبوية والصنمية.