طاولة الحوار اللبناني وانقلاب موازين القوى

طاولة الحوار اللبناني وانقلاب موازين القوى

تمكن حزب الله من طمس أي حديث حول الاستراتيجية الدفاعية في لبنان (رويترز)

يكاد يختفي النقاش حول الإستراتيجية الدفاعية في لبنان؛ تمكّن حزب الله من طمس أي حديث حول المسألة، وبات الخصوم والحلفاء مقتنعين بأن أي نقاش حول وضع إستراتيجية دفاعية للبنان تحصر السلاح بيد القوى الشرعية، لا يغدو إلا مضيعة للوقت ولا سبيل إلى تحقيقه.

أي حديث عن إستراتيجية دفاعية للبنان لا يخرج عن كونه "إتيكيت" لتسجيل مواقف أمام الجمهور، مع معرفة مسبقة أن تحقيق ذلك ضرب من الأحلام

وهكذا بات أي حديث عن الموضوع لا يخرج عن كونه "إتيكيت" في كلام السياسة لتسجيل مواقف أمام الجمهور، ولكن مع معرفة مسبقة أن إمكانية تحقيق ذلك هو ضرب من الأحلام والأوهام.

اقرأ/ي أيضًا: هل يجب "مواجهة" حزب الله؟

لا بل أكثر من ذلك، المراقب للمشهد السياسي اللبناني منذ عام 2005 وحتى اليوم، يدرك كيف تمكن حزب الله وفريقه من قلب موازين القوى على الساحة السياسية في لبنان.

فبعد أن حوصر حزب الله لسنوات من خلال المحكمة الدولية والدخول مرغمًا في جلسات الحوار الوطني لنقاش سلاحه "المقدس"، ها هو الحزب اليوم يحدد الملفات والقضايا التي يجب طرحها حسب جدول مصالحه، وأصبح الحزب يوزع الأدوار على غالبية الفرقاء السياسيين في لبنان ويلعب دور "الدينمو" في السياسة اللبنانية.

الحوار الوطني إلى غير رجعة؟

هيئة الحوار الوطني اللبناني هي هيئة تضم أقطاب السياسة من مختلف الانتماءات الحزبية والطائفية في لبنان وتم اقتراحها من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري لحل القضايا الخلافية بين الفرقاء السياسيين في لبنان خاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.

انعقدت طاولة الحوار للمرة الأولى في آذار/مارس 2006، وكان الهدف من هذه الهيئة هو البحث في عدة بنود والاتفاق حولها، ومن ضمنها: وضع إستراتيجية وطنية موحدة للدفاع عن لبنان في وجه التهديدات الخارجية، ومناقشة قانون الانتخاب، إضافة إلى مناقشة عدة بنود منها: "عدم السماح بوجود منطقة عازلة على الحدود السورية اللبنانية، والنأي بالنفس، وحصرية قرار السلم والحرب".

وما لبثت أن اندلعت حرب تموز/يوليو 2006 ليغيب الحوار الوطني حتى إشعار آخر. وتلاها جولات وصولات من انعقاد جلسات الحوار، وصولًا إلى حرب السابع من أيار/مايو 2008، حيث استخدم الحزب سلاحه في الداخل لتعديل قرارات الحكومة، ليرسم معادلة جديدة في السياسة اللبنانية، يضع بموجبها الحزب الخطوط الحمراء ولائحة من المسموحات والممنوعات وفرضها على اللبنانيين.

ثم استبدل نبيه بري الحوار بالتشاور، خاصة بعد قرارات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عام 2008، وتوجيهها الاتهام إلى قيادات في حزب الله والنظام السوري. وخلال التشاور قدم ميشال عون ورقته للإستراتيجية الدفاعية، قوامها ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة". وانتهى التشاور بإعلان بعبدا، ولم تطبق بنوده بعد اندلاع الثورة في سوريا واشتدادها وتدخل حزب الله في الحرب إلى جانب النظام السوري.

عمل حزب الله على تفريغ طاولة الحوار من مضامينها وزج إلى الحوار في 2006، مكونات لم يكن لها أي تمثيل نيابي وازن وشعبي.

ثم ما لبث أن قاطعت بعض قوى "14 آذار" الحوارَ، بعد أن ثبت عقمه مع حزب الله. وقال النائب أحمد فتفت، إن حزب الله "استغل الحوار لكسب الوقت والمراوغة، والحوار ليس منه نتيجة لأن فريق "8 آذار" لا يريد الالتزام بأي شيء يصدر عن طاولة الحوار".

وتم تشكيل فريق من الخبراء مهمته استجماع الأوراق المقدمة بشأن الإستراتيجية الدفاعية، ودراستها واستخلاص القواسم المشتركة، سعيًا لدمجها في مشروع نص موحد يوضع على طاولة الحوار بعد انتهاء أعماله، ويلي ذلك جدولة تسليم سلاح حزب الله، لكن تبين أن الحزب إنما يراوغ ولا يعنيه من الحوار إلى الحوار الشكلي.

نسف حزب الله ما تم التوافق عليه في إعلان بعبدا، ولم يلتزم بقرار "النأي بالنفس"، إذ تدخل في الحرب السورية، خاصة أن البندين 12 و13 من الإعلان ينصان على تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية، وتجنب الدخول في سياسة المحاور، وعدم استعمال لبنان منصةً لتهريب وتمرير السلاح والمسلحين. لا، بل إن معابر تهريب الأسلحة وتجارة السلاح راجت أكثر فأكثر على طول الحدود السورية اللبنانية في البقاع.

وجاء النجاح الكبير حين تمكن الحزب من فرض قانون انتخاب نسبي يحقق مصالح حلفاءه، مستفيدًا من قدرته على اللعب في تناقضات الساحات الطائفية الأخرى والأحزاب السياسية من خصومه السياسيين، كالساحة الدرزية والمسيحية والسنية، وبسبب قدرته التجيرية الكبيرة عند الطائفة الشيعية، وضمانه أنه لن يكون هناك مجابهة داخل طائفته بوجود حليفه نبيه بري رئيس حركة أمل.

كل مرة يقطف حزب الله ثمار قوته العسكرية والاقتصادية ملتفًا على أي حوار يتعلق بقرار الحرب والسلم والإستراتيجية الدفاعية للبنان

في كل مرة كان حزب الله يقطف ثمار قوته العسكرية والاقتصادية ليلتف على أي حوار يتعلق بقرار الحرب والسلم والإستراتيجية الدفاعية للبنان، وما ساعد الحزب على ذلك، هشاشةُ خصومه السياسيين من قوى "14 آذار"، حتى وصل الأمر في عام 2018/2019 ليصبح أي حديث عن شرعية سلاحه وحصر السلاح الشرعي بيد الدولة اللبنانية، مجرد حديث صالونات هامشي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إعادة إنتاج الكبت الجنسي.. حزب الله نموذجًا

25 آيار.. عيدٌ لبناني آخر لمقاومة ضلّت طريقها