طارق الجبر في ديوانه

طارق الجبر في ديوانه "من هذا العالم".. ثلاثة وجوه للحياة

الشاعر في الشارع

يدور السؤال التقليدي، عند ترجمة الإبداع الشعري، حول مقدار الحرية التي يمتلكها المترجم حين يواجه نصًّا إبداعيًا، بنص إبداعي آخر، دون أن يُتّهم بالخيانة للنص الأصلي؟

الترجمة نقل إبداعي خلّاق أو إبداع مواز مستقل، ينبغي على مترجم القصيدة خلقه

لذا تبدو ترجمة شعرية أمينة مهمّة شبه مستحيلة، طالما شكّلت تهديدًا لمبنى ومعنى النص الأصلي. فالترجمة هنا ليست مُهمّة تقنية تسعى إلى نقل كلمات، وأساليب، ومضامين، إلى فضاء لُساني آخر، والقصيدة ليست مجرد تركيب لغوي مفهومي، بل نسيج متشابك من المعاني التي تحملها كلمات، وأصوات، وإيقاعات، وموسيقى داخلية متناغمة، وعلى المترجم إنبات هذا النسيج في أرض مغايرة، آخذًا بعين الاعتبار تلك الدينامية الكامنة في القصيدة، واستحضار عناصرها التي تشكل خصوصيتها.

اقرأ/ي أيضًا: رواية "الثعالب الشاحبة".. من العزلة إلى التمرد بالمشي

وإذا كان "الشعر روحًا غير مرئية تختفي أثناء سكبه من لغة إلى أخرى"، كما يذهب جون دنهام، فإن الترجمة الوحيدة الممكنة له، بحسب جاكبسون تتمثل في "إعادة كتابة القصيدة من جديد". فالترجمة نقل إبداعي خلّاق أو إبداع مواز مستقل، ينبغي على مترجم القصيدة خلقه. ولعلنا أقرب إلى استظهار تلك الروح غير المرئية للشعر حين يجمع الشاعر بين مهمتين تتلاقيان إبداعا: الشعر والترجمة.

في ديوانه الصادر حديثا "من هذا العالم" (Of This Word/Di Questo Mondo) عن دار "Lebeg Edizione" (روما، 2018)، ضمن سلسلة كتب تصدرها الدار في مشروعها "Lebeg Poethree"  بثلاث لغات، يرسم الشاعر السوري طارق الجبر عذابات العودة المستحيلة، والمشاعر المتضاربة بين غربتين: الحرب واللجوء، والتي تنوس بين حنين وأمل مفقود. لكن في يأس العواطف لا تيأس الكلمات.

لعلنا هنا أمام تجربة فريدة، يكتب الشاعر بنفسه فيها قصائده بثلاث لغات: العربية والإيطالية والإنجليزية، في سعي منه نحو ترجمة حقيقية لحياته. يقول: "العربية هي لغتي الأم التي أشعر بها، والإنجليزية هي لغتي الأكاديمية التي أفكّر بها، والإيطالية هي لغة تفاصيل حياتي اليومية، والتي لم أصل لمستوى كتابة الشعر بها بعد، لذلك استعنت بموهبة الكلمات والموسيقى لكل من أليساندرا ألتامورا، وسيلفيا بيير انتوني جويا، ومارينا بوسي، اللاتي أهدتنني متعة قراءة قصائدي بالإيطالية".

يكتب الشاعر طارق الجبر قصائده بثلاث لغات: العربية والإيطالية والإنجليزية، في سعي منه نحو ترجمة حقيقية لحياته

اقرأ/ي أيضًا: كيف يستخدم العلماء والفنانون أحلامهم في عملهم الإبداعي؟

تبدو حياة الشاعر الحقيقية تلك الروح غير المرئية التي لا يمكن استظهارها إلا من خلال تلك الوجوه/ الثقافات امجتمعة. إنها تلك "المُتخيلة من نتاج الوجوه الثلاث لكل قصيدة، فهي المعنى الذي يبقى دائمًا في قلب الشاعر، والذي لا يمكن ترجمته إلى كلمات".

وحول الشعر بوصفه أحد "أسباب الحياة"، يرى الجبر أن الإجابات الحقيقية التي حصل عليها إبداعيًا، حتى الآن، كانت" بسيطة وسهلة الاتقان"، فهذا الديوان كما يقول:" امتلاء بسبب الحب الذي طالما كان الجواب الصحيح، حتى في الأوقات التي عَجِزتُ فيها عن الجواب". ينوس الشاعر بين الحلم واللغة، فيقول:

"لم استقرَّ بلا فراش ثابتٍ إلا لحُلم.

ما زلتُ أحلُم باللغات الميتة.

ما زلتُ أبحث عن سواي إذا توسّدتُ القلم.

ما زلت أستهدي غباري حين أمشي في الكلام"

إنها رحلة لجوئه من البلاد إلى اللغة:

"وقبل بدئي بالكلام،

متمتمًا بثقافة الوقت الطويل،

أرى الحروف كما البلاد على الخريطة.

...

هذي البلادُ/المفرداتُ أغار منها

حين أفقد حق صوتي باللجوءِ لقلبِ غيري

أي لقلبي"

وعن حنينه إلى دمشق يقول:

"سَأُعيدُ مثلما اعتادَ الخيالُ على وجودي

بأنّ كلّ مدينة سأزورها – خطأ-

دِمشقْ.

...

مازال قلبي لا يصدّقُ

أنّ صوتَ الذاهبين إلى المدارس

ليس يأتي من دِمشق"

رحلة اللجوء بدأت بخيار الهروب من المشاركة في أتون حرب هوجاء تتاجر بالدماء:

وأنا أعذّبُ من أراهُ بدمعِ غيري،

لا أحاولُ أنْ أكونَ مُجاهَداً بدماء غيري.

وأنا أُسطّرُ خوف أمّي في هروبي"

ولا تخلو رحلة اللجوء من سجن واعتقال عبورًا للحدود:

"نحوَ العبورِ أرى فؤادي واقفًا...

نحو الذهابِ أرى السريرَ مسافرًا...

والكل يَعبُرُ من أمامي

كأنّ غيمي ناقصٌ سربا مُهمًّا

كيف يتركني حمَامي؟!"

وحين تطفو المخيلة بالشوق شعرًا:

"يطغى الجمالُ

فليسَ دوما طوعَ أمري؛

فاض ليلي حين زادَ الشوقُ عمري.

مالي أزيدُ الشِعرَ دومًا من خيالي!

وعن اختلاط المعنى حين تندلع الحرب منفلتة من عقالها:

"هذا الصباحْ،

تتحدّثُ الحربُ الفصيحة خارجي بطلاقةٍ،

فيتوه فهمي عن فصاحةِ لفظِها"

والحرب غشوم تنال غير الجاني:

"ماتَ الجميع،

وقاتلي

مازالَ يُخطئُ قتل جسمي،

مازالَ يجهلُ أنّني

ما زلت فيه"

فهل من فرص للنجاة برمي السلاح؟:

"لا ترتمي في حضنِ موتِكَ في وجودي.

إني رغيفُكَ في حياتِكَ

أو سلاحك في حروبِك، فارتمي

واتركْ سلاحَكَ وانتظرني

إنّي ذراعُك ههنا.

ما زلتَ حيا يا صديقي"

في الحرب الجميع موتى روحًا وجسدًا:

"ليس جسمُنا من يموت،

بل كل شيءٍ لم نقلهُ

وعاشَ فينا صامتًا.

الحربُ تَقتلُ بالسكوت"

لكن الحلم/ الحب هو طوق نجاة:

"في الحُلمِ أشياءُ الكلُّ يعرفُها.

والحبُّ كونٌ آخر تحتَ الشراشفِ

لا يُصدّق أنّ نومي مثله أو مثلها.

في الحُلمِ أنسى أنّني ماضٍ بنومي

وأنّ نومي واقعٌ في حبِّها"

سبق للشارع ترجمة كتاب "Siamo gli eroi del circo" للإيطالية أليساندرا ألتامورا،  تحت عنوان "نحن أبطال السيرك" (2018). كما شاركَ في تأليف وبطولة الفيلم الوثائقيّ "أنا مع العروسة" (2014) الذي شاركَ في مهرجان البندقيّة السينمائيّ في نسختهِ الحادية والسبعين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رواية "أورشليم".. تاريخ الرعب الإنساني