ضياء جبيلي: البصرة مدينة حكايات مستمرة

ضياء جبيلي: البصرة مدينة حكايات مستمرة

404 مشاهدة
الكاتب العراقي ضياء جبيلي

يعد الكاتب العراقي ضياء جبيلي واحدًا من أبرز الروائيين في الجيل الذي خرج إلى الساحة الثقافية بعد احتلال بغداد في نيسان/أبريل عام 2003. سبق وأن صدر روايات حظيت بالاهتمام في العراق مثل "لعنة ماركيز" و"بوغيز العجيب"، و"تذكار الجنرال مود". وبدأ الجبيلي يحظى باهتمام عربي بعد أن تبّنت دار الجمل طباعة روايته "أسد البصرة" التي تتحدّث عن جدل الهويات داخل مجتمع الأقليّات في العراق، فضلًا عن فوز مجموعته القصصية "ماذا نفعل بدون كالفينو" بجائزة الطيب صالح في المرتبة الثانية.

تتناول رواية "أسد البصرة" جدل الهويات داخل مجتمع الأقليّات في العراق

وسيكون عام 2017 حافلًا للجبيلي الذي تدور غالبيّة كتابته حول مدينة البصرة بتاريخها وحاضرها، إذ ستصدر له "منشورات الجمل" قريبًا روايته السادسة "المشطور، ست طرائق غير شرعية لاجتياز الحدود نحو بغداد"، إضافة إلى مجموعتين قصصيتين هما "حديقة الأرامل" عن دار سطور في بغداد، و"ماذا نفعل بدون كالفينو" عن دار مدارك في الخرطوم.

اقرأ/ي أيضًا: ضياء جبيلي.. ديانات وقوميات في شخص واحد

تعرّفت إلى الجبيلي في عام 2013 في مدينة البصرة، وهو الذي يكاد يحفظها شبرًا شبرًا، وهو لا يغادرها لأيام إلا لسبب طارئ. وإذا ما كانت روايات الجبيلي فيها الكثير من المتعة، فإن حكاياته التي لا تنضب، وطريقة حديثه عن الكتابة، لا تقلّ متعة أبدًا عمّا يكتبه. وهنا أحاور الجبيلي سريعًا عن بعض نتاجه، وخاصّة الروايات منها.

  • أنت حكّاء ماهر، تشد الجالسين إليك وأنت تروي الحكايات، وحكاياتك لا تنضب، هل من هنا انطلقت رغبتك بأن تكون روائيًا؟

أعتقد أن الكتابة شيء أشبه بالقدر. قد تكون مجرد رغبة عند البعض لكنها في رأيي كالشعور بالحب، لا تخضع إلى القرارات، وإلا لكان جميع الناس اختاروا أن يكونوا روائيين. لقد قرر نصف الفيسكونت المدعو "الغرامو" أن يحب باميلا، وأعتقد أنه سيفعل ذلك إذا ما أراد أن يكون روائيًا، أي أنه سيقرر. والرغبة هنا بكتابة رواية لا تشبه الرغبة بالذهاب إلى التسوق أو النوم أو ممارسة الجنس أو فعل أي شيء آخر، فلكي تتمكن من فعل كل تلك الأشياء عليك أولًا أن تمتلك القدرة اللازمة. وفي الحقيقة لم أكن أريد أن أكون روائيًا بالقدر الذي تتيحه الرغبة وحدها، فهناك التجربة الحياتية والقرائية والشعور بأن ثمة أشياء وحقائق لا تُقال إلا من خلال المرويات السردية المطولة. كل هذه الأمور كانت تدفع باتجاه كتابة الرواية. ولم يسبق لي أن قرأت رواية ما وتأثرت بها ثم قررت بعدها أن أكون روائيًا. وقد يرغب المرء أن يكون روائيًا، وربما يتحقق له ذلك إذا ما وجد عشرة أشخاص يقرؤون له أو حتى عشرة ملايين، لكن ماذا بشأن النوع الذي يكتبه؟ لقد أثار فوز ستيفن كينغ بجائزة الكاتب القومي جدلًا واستياء في أمريكا، واعترض البعض على ذلك بذريعة أنه كاتب روايات رعب ولا تخضع أعماله للشروط الفنية. وفي النهاية ربما يكون ستيفن كينغ الكاتب الأكثر شهرة، لكنه ليس أفضل من بول أوستر أو فيليب روث على أية حال، كما أن باولو كويلو الشهير جدًا ليس أفضل من ساباتو أو جورج أمادو، ولا إليف شفق أفضل من يشار كمال أو أورهان باموك.

  • الروائيون في العراق غالبًا ما انطلقوا من كونهم قصاصين أو شعراء، بيد أن الأمر معكوس معك، فأنت أخذت تنشر الشِّعر والقصة بعد صدور رواياتك!

البداية بالكتابة هنا تختلف عن البداية بالنشر. لقد بدأت بكتابة الشعر أولًا ثم القصة، لكني لم أنشر منهما شيئًا قبل صدور أول رواية. ليس هناك سبب معين وراء ذلك، لكن حدث أن اكتشفت أو عثرت على الاثنين في الرواية، وربما اكتفيت في حينها بهذا الحضور الذي دعم ارتباطي بما كنت قد بدأت به في فترة مبكرة من حياتي، فأنا أكتب الشعر والقصة منذ الرابعة عشرة، لكني لم أجد من يسميني بالشاعر مثلًا، فحتى ذلك الحين كانت الرواية الأولى قد صدرت. ولعلني أردت بذلك اكتساب صفة الروائي أولًا، لكي لا أضيع فيما بعد في فوضى المسميات التي نجدها تسبق أسماء بعض الكتاب. أضف إلى ذلك عدم توفر الحرية والفضاء المناسب للنشر قبل الاحتلال وانهيار النظام، وانعدام وسائل الاتصال وشبكات التواصل الحالية. 

ضياء جبيلي: لا أظن أن من الضرورة التعبير عن المأساوي بالنبرة نفسها التي أنتجها الواقع

  • أيضًا لديك مسحة كوميدية في حكاياتك، وألاحظ أنها انتقلت إلى كتاباتك. يمكن أن يضحك القارئ عاليًا في جملة أو مشهد وارد في رواياتك، ويأتي هذا وسط صرامة وأجواء مأساوية تكتب اليوم في الرواية العراقيّة!

لا أظن أن من الضرورة التعبير عن المأساوي بالنبرة نفسها التي أنتجها الواقع، وخلاف ذلك الأفضل أن نذهب إلى تمثيل المشهد كما هو. الأمر هنا أشبه بشخص يضحك في موقف يستحق البكاء، تتحرك عضلات الفكين لتكشف عن ابتسامة باكية. ليس بطرًا حين يحدث ذلك، ولا يعني أن المرء يعيش في عزلة عما يحدث حوله، مثلما لا أظن أن ذوي أحد الشبان الذين قُتلوا في حادث تفجير الكرادة كانوا فرحين وهم يشيعونه بموسيقى الأعراس.

اقرأ/ي أيضًا: ضياء جبيلي.. مدينة في فم القرش

هذا من جانب، ومن جانب آخر أعتقد أنك تقصد بالكوميديا حس الدعابة، وهذا يأتي من قبيل الاشتغال على ما يُسمى أحيانًا كسر السائد، والسائد لدينا هو المأساوي، المبكي، منذ نفي تموز، مرورًا بعاشوراء، ووصولًا إلى كل ما يحدث الآن من مآسٍ في العراق. لكن، قد يكون بعض ما يُستخدم من تلك الكوميديا ليس سوى نكات، والوقوع في فخ الابتذال عادة ما يجلب التصنع والافتعال، وهذا بطبيعة الحال مأزق يصعب الخروج منه بسهولة، لأن هناك من يعقبون بعده بالصفير والتصفيق. وأتذكر بهذا الشأن جلسة مخصصة للقصة القصيرة جدًا تحولت، من قبل أغلب المشاركين، إلى نكات! هناك أمم جُبلت على الشِّعر، وعلى سبيل المثال نحن لم نتعرف على الرواية الأفغانية إلا بظهور أعمال عتيق رحيمي وخالد حسيني اللذين أخرجا السرد الأفغاني من جلباب وسطوة الشعر. في حين ما زالت إيران تدور في فضاء الشعر. كذلك جُبل العراقي على الحزن والبكائيات، وربما حان الوقت لسرد الأحداث بطريقة أخرى، قد لا تخرج من إطار المأساوي، لكنها على الأقل تبتعد قدر الإمكان عن تحفيز الغدد الدمعية، وإلا ستظل رواياتنا وقصصنا متشابهة لمائة عام قادمة. 

  • "وجه فنسنت القبيح" ثاني عمل منشور لك، وهي رواية صغيرة (35) صفحة فحسب، لِمَ هذا الاقتصاد بالكلمات والصفحات، بالرغم من مواضيع الرواية وأحداثها قابلة للتوسعة، وهو أيضًا موضوع جديد على السرد العراقي؟

هذه الرواية كانت نتاج ورشة تجريبية وكان الحجم مشروطًا، من أجل تحقيق الهدف من وراء هذه الورشة، وهو إنتاج روايات قصيرة. لكني على الرغم من ذلك لم أشعر بالتقيد أثناء الكتابة، فأنا أعرف هذا النوع من الروايات وسبق أن قرأت لعدد من الروائيين المعروفين. إنه العمل الذي له حجم القصة الطويلة، لكنه في الوقت نفسه يأخذ منحى وشكلًا روائيين. وهو أمر شاق ومتعب. ولا أفكر بإعادة كتابة هذه الرواية، فهي على هذا النحو تبدو ممتلئة. وربما ستزيد الإضافة عليها تعقيدًا نظرًا لحبكتها المتشابكة، فتفقد بذلك أهم عناصرها. لقد قلت كل ما أريد قوله في هذه المساحة القصيرة، وأعتقد هذا يكفي. 

ضياء جبيلي: جُبل العراقي على الحزن والبكائيات، وربما حان الوقت لسرد الأحداث بطريقة أخرى

  • ثيمة "وجه فنسنت القبيح"، وأيضًا روايتك الأولى "لعنة ماركيز" بوليسية، هناك جرائم قتل، وبحث عن قاتل، والقارئ يلهث في هذا العالم، هل كانت مصادفة أن تعود إلى "البوليسية" في الوقت الذي غادرها الجميع؟

نحن لم نكتب من قبل ها النمط من الروايات لكي يكون بمقدور أحد مغادرتها. وأعني بذلك الرواية العراقية تحديدًا، التي تكاد أن تخلو من الثيمات والحبكات البوليسية، كما تكاد رواية الخيال العلمي أن تُعدم تمامًا. وفي كل الأحوال، لعنة ماركيز ووجه فنسنت القبيح لم تكونا روايتين بوليسيتين بقدر ما استفادتا من عنصر الترقب والتحقق ومحاولة العثور على الحقائق الغائبة حتى من خلال إشراك القارئ. ولعل المفارقة تكمن في عدم وجود محققين كما هو شائع في الروايات البوليسية، أما عملية الكشف والتحري فتجري من قبل الشخصيات في محاولة أخرى لإيجاد ما يمكنه سد الثغرات والفجوات الناتجة عن غياب التحري الذي لا نجده حتى على أرض الواقع، حيث تُغلق الملفات وتُقيّد ضد مجهول دائمًا. 

 

  • يبدو أيضًا أنك تستثمر الحكايات الشعبيّة، أو "حكايات الجدّات" كما تسميّها، في روايتك، وخاصّة في "تذكار الجنرال مود" المليئة بالجنّ والغموض، وأنت ترى أن لدينا من الغرائبية العراقيّة أكثر حتّى من واقعية ماركيز السحريّة، كيف هذا؟

الحكايات الشعبية، كما أشرت في مناسبة أخرى، هي تمرين على هضم غرائبية وعجائبية الروايات التي قرأناها لاحقًا. وإعادة إنتاج مثل هذه الحكايات ليس بالأمر الهيّن، وتحتاج إلى مخيلة خصبة كما هي لدى ماركيز إيتالو كالفينو الذي أعاد إحياء حكايات أسلافه الطليان من خلال ثلاثيته الشهيرة. أما حكايات الجدات، وهي حكايات شعبية أيضًا، فهي أساطير صغيرة مليئة بالمتعة، ودائمًا ما أهرب إليها من الغرائبية العراقية التي عادة ما تنحو منحى تراجيديًا، في حال كنت تقصد منها ما يحدث في العراق من أحداث تفوق أحيانًا ما نتصوره على سبيل التخييل. 

  • أنت لا تغادر البصرة إلا نادرًا، ومركز رواياتك هي هذه مدينة التي تختلط فيها الأقليات والبلاغة والنفط! بالرغم من أنّك تنتقل إلى الولايات المتحدة وروسيا كمكانين في "لعنة ماركيز"، إلا أن البصرة تظل هي مركز الأحداث، هل لأنها مكان تعرفه.. أم لديك تفسير آخر؟

وهل غادر الكثير من الروائيين مدنهم في الروايات؟ أعتقد أن المسألة تتعلق برسوخ الأمكنة في ذهن ومخيلة الكاتب بالدرجة الأولى. وأنا أشعر أن البصرة مدينة حكايات مستمرة، والقصص فيها تجري على نحو لو أمعنا النظر فيه بعمق، لعرفنا أن ثمة الكثير مما لم يُحكَ حتى الآن.. فقط هو يحتاج إلى طرائق جديدة يمكنها أن تصل بالقارئ إلى أشياء قد تكون تناهت إلى سمعه من قبل، في زمن كانت الكثير من السرود تحتاج إلى الأساليب الفنية. البصرة، وقد لا يرى غيري ذلك، مدينة تتجدد فيها الحكايات كل يوم، من قبل قصة خون مجهول هنا، ونوخذة هناك. على أيدي الغرباء والوافدين والصيادين والفلاحين والجدات. وعلى الرغم من ذلك تجدني سائحًا في مدن أخرى بعيدة عن البصرة، خصوصًا في أعمال منجزة لم تُطبع بعد.

ضياء جبيلي: الحكايات الشعبية تمرين على هضم غرائبية وعجائبية الروايات

اقرأ/ي أيضًا: ضياء جبيلي.. جائزة وثلاثة كتب

  • حسنًا، دائمًا ثمّة كتّاب ومخطوطات في رواياتك، تنطلق من داخل الثقافة إلى خارجها، إلى المجتمع المسحوق، وإلى الأماكن المظلمة فيه، لكن لماذا شخصياتك الرئيسية هم مثقفون أو كتّاب. حتّى في "بوغيز العجيب" اخترت أن تحوّل الرواية إلى مخطوطة يحقّقها طالب؟

دائمًا ما تكون للمثقف نظرة مختلفة عما تكون عليه بالنسبة للشخصية العادية، وربما لهذا السبب أعتمد مثل هذه الشخصية في بعض الأعمال لأتمكن من إلقاء الضوء على مسائل حساسة تحتاج إلى عين ناقدة وكاشفة. ولا يعني من استخدامي لشخصيات الكُتاب والمثقفين هو الجنوح إلى المثاقفة أو محاولة إضفاء مسحة من التفلسف لا لأجل شيء سوى استعراض ثقافة شخصية. فشخصية المثقف أو القارئ الملم في رواياتي هي شخصية منغمسة في اليومي والعادي للحياة. راسخة في الهامش والقاع ومتنقلة فيه وتعاني منه. أي أنها شخصية غير نخبوية، غير متعالية، وتعيش اللحظة الراهنة العصيبة التي تعيشها الشخصيات العادية وتعاني من ظروفها. هي شخصيات ليست مأزومة بثقافتها بقدر ما هي مأزومة مجتمعيًا وحضاريًا، وتدور في دوامة حياة وتحت ظل أنظمة لا تستثني في إذلالها أو تفرق بين ما هو ثقافي وشعبي. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أسد البصرة".. نمذجة الشخصية العراقية

صورة للعراق بعد قرن من الاحتلال الأمريكي