ultracheck
  1. ثقافة
  2. نصوص

ضوء كنصل يخترق الأعين

23 أكتوبر 2025
جون سنغر سارغنت لوحة "عيد الميلاد" (معهد مينابوليس للفن)
جون سنغر سارغنت لوحة "عيد الميلاد" (معهد مينابوليس للفن)
رند قنبرند قنب

كانت الغرفةُ في تلك الليلة أشبهَ بحفرةٍ صغيرة في بطن الزمن، تتنفسُ بصعوبةٍ تحت وطأة ضوءٍ مريضٍ ومتعب. عبق، في عيد ميلادها، لم تكن واقفةً أمام النافذة كمن ينتظر الفرح، بل كمن يتأمل بقاياه الأخيرة قبل أن تنطفئ.

21 شباط/فبراير 1993، أواخر الشهر الثاني، تاريخٌ لم يكن مجرد رقم، بل ندبةٌ محفورةٌ على جدار الذاكرة. ذلك اليوم قررت عبق أن تحتفل، لا كما يحتفل الناس، بل بطريقتها الخاصة، التي لا تشبه إلا الألم نفسه. لم يكن احتفالها فرحًا، بل محاكمةً. عقوبةٌ هادئة، تبدأ بالصمت وتنتهي بالدمع.

كانت تقف أمام النافذة تتأمل أشعة الشمس التي ترتد على ساعةٍ مكسورة في الحائط، وكأن الشرّ نفسه اقتطع جزءًا من الزمن وترك الباقي ليحتضر. ومن تلك الكسرة الصغيرة، ولدت الفكرة: أن تحبس والديها في صندوقين. لم تكن نوبة جنون، بل عودة إلى ليلة قديمة عاشت فيها وجعًا لم يُدفن. أرادت أن تنسج المشهد ذاته، لكن هذه المرة دون أن تقتل، فقط لتعيد الإحساس كما كان، لتتأمله من الخارج لا من الداخل.

وضعت الصندوقين متقاربين، يدخل إليهما خيطٌ ضعيف من الضوء، كأن الشمس نفسها تسخر منهما. إلى جانبهما ساعةٌ باهتة البلور، تنكسر عليها بقايا أشعة خافتة. ضحكت عبق ضحكةً عالية، لم تكن فرحًا بل عبثًا مريرًا.

مشهدٌ غريب، يحمل من الشاعرية ما يكفي ليجعل الحزن يبدو جميلًا. التفتت إلى الصندوقين وقالت بصوتٍ هادئ:

"أتذكران ليلة عيد ميلادي الماضية؟"

ثم صمتت، كمن يستعد لتوجيه اتهام قضائي، وأضافت:

"هل يمكن أن يتحوّل الضوء، الذي يفرح الناس بوجوده، إلى نصلٍ يخترق أعينهم؟"

جرّت الصندوقين إلى منتصف الغرفة. وضعت بينهما الساعة المكسورة، ثم شمعدانًا نحاسيًا تتدلى منه شمعة ذائبة. أشعلت الشمعة، ثم وضعت مرآةً صغيرة تعكس القليل من ضوء الشمس المائل. تذكّرت ظلال الستائر في تلك الليلة القديمة، حين كان القمر في خسوفه، وارتسم كل شيء على الجدار مثل اعترافٍ مكتوبٍ بالنار. ضحكت عبق مرة أخرى، وقالت بجنونٍ ناعم:

"سنقص الكعكة سويًا".

فتحت الغطاءين.

حاول الوالدان مدَّ أيديهما بحثًا عن الكعكة. أمسك الأب الساعة، فانجرحت يده من الزجاج المكسور، وارتفع أنينٌ مكتوم. اقتربت عبق منه وقالت بصرامةٍ حادة:

"أبعد يدك عن شمعتي".

وضعت الشمعة على الطاولة أمام الساعة، كأنها تقيم حدًّا مقدسًا.

أما الأم، فقد حاولت الخروج من الصندوق، لكن القيود منعتها. سُمع ارتطامٌ مكتوم.

اقتربت عبق منها، تتهكم:

"ما بالك يا صغيرتي؟"

أضاءت وجه الأم بمصباحٍ صغير؛ كانت قابعةً شبه قرفصاء، تبكي بصوتٍ مكتوم، وجهها أحمر، عيناها عسليتان تلمعان كنحلتين ضائعتين في غبار الذاكرة.

تأملتها عبق طويلًا، وشعرت أن بكاءها غريب، يلمع كما تلمع الشمس على سطح الساعة. دموعها كانت تنساب على وسادةٍ محشوةٍ بخرق، كعسلٍ يُستخرج من زهرةٍ ذابلة.

قالت عبق في نفسها إنها المرة الأولى التي ترى فيها الحزن وجهًا نقيًا، لامعًا، خاليًا من الخداع. وفكرت في إخراجها، لكن ليس قبل المحاسبة.

جلست أمامها، وبدأت تنقر الملعقة على كوب الشاي.

"أين كنتِ تلك الليلة؟ لماذا لم تساعديني؟"

لم تجب الأم. نظرت عبق إلى رأسها المحروق، إلى شعرها المتساقط، ثم صمتت. أعادت نظرها إلى الشمعة، ومررت إصبعها على لهبها. جلست، ثم وقفت فجأة، وصرخت كمن نطق بنبوءة:

"لماذا يتناسل البشر؟"

سؤالها خرج من عمقٍ مليءٍ بالاحتقار.

هل يمكن أن يتحوّل الضوء، الذي يفرح الناس بوجوده، إلى نصلٍ يخترق أعينهم؟

ثم أجابت نفسها:

"لينجبوا كي يخففوا عن أنفسهم ثقل الألم. لكن الفراق دائم، والعلاقات البشرية فاشلة بطبيعتها. أما لذة الجماع، فهي لحظةٌ قصيرة — خمس ثوانٍ من نسيانٍ سخيف".

نظرت إلى الشمعة وقالت:

"اللذة والشهوة، الحزن والألم، كلها تشبه هذا الشمع الذي يذوب في كل مرة نشعله".

تحدثت عن الشموع في الكنائس، أمام مريم العذراء، كيف يشعلها الناس حبًّا وخشوعًا، ثم يشعلونها ثانية في الجنازات حزنًا. في كل مرة، نفس الشعور، نفس التماس بين الألم واللذة. ثم التفتت إليهما قائلة:

"حتى في ليال الجماع، يشعلون الشموع من أجل الرومانسية، ومن أجل إنجاب قربانٍ جديدٍ للعلاقة. ومع كل شعلة، تبدأ سلسلة إنجابٍ فاشلة".

جلست قرب الشرفة، تراقب غروب الشمس.

كتبت في دفترها:

"شجرة زيتون، زجاج سيارة، الساعة السادسة والنصف".

كان الجمال يثقلها أكثر مما يحررها.

ثم قالت:

"لنعد إلى المحاكمة".

حدقت في والديها وقالت:

"الجروح النفسية تشبه اللذة الجسدية، كلاهما يهز الجسد حتى الانهيار".

ثم تذكرت تلك الليلة، لحظة اغتصابها.

تحدثت وكأنها تحاكم التاريخ كله:

"حين أنجبتماني، وارتطمت أعضاؤكم ببعضكم، منحتماه الحق باغتصابي بعد ذلك. ربما كان يشتاق إلى الشمعة، نعم، إلى ضوئها القديم. لقد اغتصبني كما يغتصب الضوء الظل. عضَّ أصابعي بأسنانه الصفراء، امتصها، جعل الدم يسيل كطقسٍ مقدس. مغتصبٌ بلا شمع. يا للمفارقة!"

ضحكت ضحكةً مجنونة ثم هدأت.

"وفي الليالي الأخرى، يعود. الدين يردعه، فيكتفي بمصّ يدي كما لو كانت طقسًا للعفة".

ذهبت إلى المطبخ، سكبت ثلاثة أكواب شاي، وأعدت كعكةً مزينةً بصورة قمرٍ وشمسٍ كما في طفولتها.

"الآن تبدأ الحفلة".

قالت وهي تبتسم ببرود.

"لو كتبت قصيدة عنكما، لكانت عنوانها: العائلة قتلة بالضرورة".

ثم خاطبت والدها بسخرية:

"كم أنت لطيف يا أبي. حين وجدتني أحاول شنقي، لم توبخني، بل لعقت يديّ قبل أن أموت".

ضحكت ضحكةً قصيرة.

"نعم، أنقذتني، ولكن لماذا؟ لتعيد العقاب في اليوم التالي؟"

بدأت الأم تبكي بصوتٍ مضطرب.

صرخت عبق في وجهها:

"ستائر! سأكتب قصيدة عنكما عنوانها ستائر، وسأكتب تحتها: اغفري له، إنه والدك".

رفعت كأس الشاي وقالت:

"نخب الستائر، نغفر لها لأنها تخفي القبح".

ثم توجهت إلى أبيها:

"ما رأيك يا قاصر الخشب؟ الستائر تشبه آثار الضرب التي تركتها على جسدي. ستائر لا تتغير، فقط تتسخ أكثر".

اقتربت منه وهي تبكي.

قال لها ببرود:

"ستبقين غبية".

ثم بصق في وجهها وقال ساخرًا:

"بصاقي هذا زينة وجهك، ههه".

تقدمت نحوه أكثر، وجهها يرتجف:

"مجرمان! من منحكما الحق في رسم مصيري؟ في صنع سقوطي؟ أهو الإله الذي تتحدثان عنه؟"

صرخ الأب في وجهها:

"وما المتعارف عليه يا فيلسوفة؟ أجدادنا ربّونا بالعصا. إذا ضربناه صار رجلًا. إذا أخفناه صارت ابنتنا مطيعة. هكذا نصنع القوة".

ضحكت عبق ضحكةً حادة، ثم قالت:

"وتتساءلون لماذا فشل أبناؤكم؟ لأنهم عاشوا تحت ضوءٍ يطعنهم كالشمس وهي تخترق الستائر، طعناتٍ لا تزول مدى الحياة".

خرجت إلى الشرفة، كان القمر في خسوفٍ هادئ.

صمتت قليلًا، ثم مسحت دموعها وعادت إلى الغرفة.

هناك، رأت ثلاث فراشاتٍ من الضوء تتراقص في الهواء، كأنها أرواحٌ صغيرة. حاولت طردها بمضربٍ للذباب، تتخيل أن اختلاط الضوء بالدماء سيجعلها تموت. لكنها لم تمت. سددت ضربة، فسقطت فراشةٌ بجانب الأم الملطخة بالدم، إلى جوار كأس شاي مكسور.

تجمدت عبق في مكانها.

الأرض ملوثة بالدماء، الضوء يملأ الغرفة.

صرخت في وجه أبيها:

"اقتُلها! هل قتلتها؟ من قتلها؟ لم أسمع صوت الكسر!"

جالت في الغرفة باكية.

قال الأب ساخرًا:

"أنا قتلتها، جسديًا، بينما كنتِ تتأملين القمر".

صرخت فيه:

"اسكت، وإلا... سأريك معنى الجبن".

في تلك اللحظة، تساقطت الفراشات على رأسيهما، واهتزت الشمعة.

وانطفأت الغرفة على ضوءٍ ودمٍ واحتراقٍ صامت.

هكذا انتهى الاحتفال.

كلمات مفتاحية
huhtamo-7.jpg

مثل ضوء أبيض عائد من سبعة ألوان

نصّ شعريّ

لوحة الفنان ياسر الغربي

تاجر الخيط.. خطوط الكف

نصّ إبداعيّ

العود الأبدي (وكيبيديا)

عن العود الأبدي في تجسيد متعدد

نصّ إبداعيّ

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png
مناقشات

"جروان" و"جوافة".. مبادرات فردية تحوّلت إلى مراكز ثقافية فارقة تخدم أطفال الريف

المراكز الثقافية وخدمة أطفال الريف في مصر

الصين
سياق متصل

تصعيد جوي وتوتر عسكري غير مسبوق بين الصين واليابان

تصاعدت حدة التوتر العسكري بين اليابان والصين، بعد اتهام طوكيو لمقاتلات صينية بتوجيه راداراتها نحو طائرات عسكرية يابانية

ماكس فيرشتابن
رياضة

نهاية مرتقبة لنسخة مثيرة من بطولة العالم للفورمولا 1

سيقاتل ماكس فيرشتابن من أجل الظفر ببطولة العالم للمرة الخامسة في تاريخه، والسنة الخامسة على التوالي، لكن حظوظه تبقى ضئيلة للفوز به

ميسي
رياضة

حقبة جديدة عنوانها ميسي.. إنتر ميامي يتوج بلقب الدوري الأميركي للمرة الأولى في تاريخه

لم يكن اللقب ضروريًا لمسيرة ميسي الحافلة بالإنجازات، لكنه كان هدفًا واضحًا منذ اللحظة الأولى.