ضمير مسعود أوزيل

ضمير مسعود أوزيل

مسعود أوزيل (رويترز)

تُقدم لعبة كرة القدم المتعة لعشاقها. لكنها نادرًا ما تقدم القدوة الحسنة خارج الملعب، دون تلك المشاهد المعتادة في قصات الشعر الغريبة والرقصات المثيرة، والإسراف في الحياة؛ وهو شأن بَرع في غيره نجم المنتخب الألماني السابق والأرسنال حاليًا مسعود أوزيل، صاحب الضمير الحي، كما يجب أن يوصف، إذ غلبت مبدئيته على افتتانه بالحضارة الأوروبية.

مسعود أوزيل، لاعب كرة القدم، صاحب الضمير الحي، كما يجب أن يوصف، إذ غلبت مبدئيته على افتتانه بالحضارة الأوروبية

قبل أيام، كتب أوزيل، وهو مسلم من أصول تركية يحمل الجنسية الألمانية، تغريدة على حسابه بتويتر، انتقد فيها تعامل الصين مع أقلية الإيغور المسلمة، قائلًا: "في تركستان الشرقية المصاحف تُحرق والمساجد تُغلق والمدارس تُحظر، وعلماء الدين يُقتلون واحدًا تلو الآخر، ويُساق الرجال قسرًا إلى المعسكرات، والعالم الإسلامي صامت، ألا يعرفون أن الرضا بالظلم ظلمٌ آخر؟".

اقرأ/ي أيضًا: ما الذي يقوله اعتزال مسعود أوزيل عن العنصرية في ألمانيا؟

سرعان ما هبت تغريدة الرجل كالعاصفة في وجه كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأدركت الصين أخيرًا أن أوزيل أكثر من لاعب كرة قدم، فهو يتمتع برصيد هائل من النجومية ربما ترتد عليها بشكل صارخ. وهو ماهر أيضًا في التهديف على كل الجبهات، بصورة قد تلحق بها هزيمة تاريخية، حين ينهض الضمير في مواجهة التوحش والعنصرية.

ولذلك بدت الصين منزعجة من أوزيل أكثر من الإدانات التي ما قتلت ذبابة. وكانت ردة فعلها عنيفة بشكل لافت، وهي التي لطالما رقصت على مسرح شعارات البروليتاريا تحت صورة الزعيم ماو تسي تونغ في إحدى زوايا تيانانمن. لكنها اليوم مزيج من التوحش الاستعماري الجديد.

ردة فعل الحكومة الصينية تمثلت في منع التلفزيون الرسمي من بث مباراة أرسنال ومانشستر سيتي. وأعلنت شركة "نت إيز" حذف أوزيل من النسخة الصينية من لعبة كرة القدم الإلكترونية "PES"، متهمة أوزيل بـ"إيذاء مشاعر الشعب الصيني". ولم ينته السخط المفتعل هنا، وإنما وصف وزير الخارجية الصيني وانغ يي، أوزيل، بـ"ضحية الأخبار المزيفة".

ربما يحاول الوزير الصيني جاهدًا ذر الرماد في العيون، والتعتيم على معاناة شعب الإيغور، بطريقة لا يبدو أنها ستجد سوقًا رائجة في زمن الفضاءات المفتوحة.

كما أن الصين صارت مستودعًا لدعم الأنظمة الدكتاتورية، ونهب الموارد بالابتزاز، ومد الجسور صوب الحكومات المُحاصرة، بخلاف البضائع الرديئة التي أغرقت بها أسواق الفقراء، وهي تتوسع شيئًا فشيئًا بشكل ضار ومسيء لشعبها وتاريخها أكثر من الضحايا.

في المقابل، فإن نادي أرسنال حاول أن ينأى بنفسه عن تصريحات لاعبه، واعتبرها آراءً شخصية، وهي بالفعل كذلك، لأنها تعبر عن "لاعب شجاع وصاحب ضمير حي"، كما وصفه نجم كرة القدم المصرية محمد أبو تريكة. 

ولأن النادي الإنجليزي يمتلك شركة قابضة اجتذبت أثرياء العالم، ولأن لديه مصالح تجارية واستثمارات، منها مطعم في شنغهاي، فإنه لا يريد المغامرة بكل هذا، وفي نفس الوقت لا يريد خسارة خدمات صانع الألعاب الاستثنائي؛ لذا ركن النادي إلى الحياد البائس، والذي بلا شك أنه يخصم منه، إذ لا يضير النادي لو أنه على الأقل صمت، طالما أنه يخشى غضب التنين الصيني.

ينحدر أوزيل من الجيل الثالث للأتراك المقيمين في ألمانيا. وقد حصل في العام 2010 على جائزة بامبي للاندماج السهل في المجتمع الألماني، دون أن يتخلى عن خصوصيته الدينية، حيث ظل يحرص قبل بداية كل مباراة على قراءة ما تيسر من القرآن لمساعدته على التركيز، وقال إنه يفعل ذلك دائمًا.

وبسبب السلوك العنصري الذي تعرض له أكثر من مرة، أعلن أوزيل بعيد مونديال روسيا 2018، اعتزاله اللعب في المنتخب الألماني. ولعل ما تعرض له أوزيل من عنصرية، كان سببًا في تضامنه مع ضحايا العنصرية من الإيغور.

ومن سخرية الأقدار أن الحكومة الصينية التي ظلت تردد بشكل مستمر، أن "المتطرفين الإسلاميين" هم فقط المحتجزون في المعسكرات، على حد زعمها؛ اختارت هذه المرة العاصمة المصرية لتبرير القمع، ربما لتشابه المنطلق بينها وحكومة السيسي، إذ قالت السفارة الصينية في القاهرة إن بلادها "تحارب الإرهاب في شينغيانغ، وأن الوضع مشابه لما يحدث في مصر"!

ستسعى الصين لتجريد أوزيل من ثروته ونجوميته والفرص التي يستحقها لكنها لن تفلح أبدًا في تجريده من شجاعته وأخلاقه السامية

ربما سوف تسعى الصين بكل جبروتها لتجريد مسعود أوزيل من ثروته ونجوميته والفرص التي يستحقها. لكنها لن تفلح أبدًا في تجريده من شجاعته وأخلاقه السامية، كلاعب ونجم يعي بشكلٍ رائع أدواره النبيلة خارج ملاعب كرة القدم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

اضطهاد الإيغور في الصين.. معسكرات اعتقال لتعليم الشيوعية!

إبادة عرقية في تخوم "الغرب الصيني الجامح".. ماذا يحصل للإيغور؟