ضلالة تجاوز العنصرية

ضلالة تجاوز العنصرية

ميونيخ يوم الأول من أيار/مايو 2018 (ألسكندر باول/Getty)

يعيش العرق البشري، الواحد غير الموحد، في أحد الذروات التقسيمية والانقسامية غير النادرة ولا المستجدة لكن العالية بمنحناها في عالم ما بعد غزوة مانهاتن أو الانطلاق منها إلى اليوم. قبل ذلك بقليل كان قد نحى التقسيم بين من يملك ومن لا يملك، الموارد والقرار، تجاهًا أكثر تعقيدًا وإشكالية في نتائجه كما في محاولات التفكيك، فهمًا وعملًا، أقله منذ منتصف عقد ثمانينات القرن الـ20. تبلورت مثل هذه النقلات "بأفضال" نيوليبرالية تاشتر –ريغان وتواليها، لكن أيضًا استنادها على تحرير الدولار مسبقًا/ صدمة فولكر 1971. كذلك طبيعة العمل والعمل المأجور أمست أكثر اختلافًا وتغييرًا في النطاق الرأسمالي المعاصر، على مستوى الهوامش والمراكز سويًا، بما لا يقارن بما سبق العتبتين السابقين بكل تمرحلات رأس المال السابقة آخر 600 سنة من عمر التجربة البشرية في الكوكب المأهول.

العنصرية برمتها كمسألة حقيقية تعانيها البشرية، كما تعاني التضليل بشأنها وشأن مسبباتها، لم تكن لتحصل في نمط إنتاج قوامه الإنتاج الإنساني لا التوليد المالي

في عين الوقت اختلفت ضرورات المنافسة في السوق الدولي الكبير بدورها مع كل ذلك، فلم تعد وفرة السلعة والتوفر على ثمنها وتأمين وصولها الشروط المبدأية الوحيدة للقيام بالتجارة، توليد الثروة بما هي فائض قيمة، العابرة للقارات في عالم تسليع كل شيء، كما كان الحال مع مراكز الصين والهند والشرق الأوسط وهوامش أفريقيًا وبعض من جنوب أوروبا عشرات القرون قبل أن يتم ابتداع كل نقاش العولمة وقبل أن ترى أوروبا في ذاتها مركزًا لأي شيء. كما سابقًا على غزوة كريستوفر كولومبوس 1492، أي ما قبل بدء رحلتها الرأسمالية، وقبل نهضتها وتنويرها. أيضًا قبل ذلك بكثير سابقًا لعالم منظومات التابعية الهلنستية من ثم الرومانية قبل أن يصير منظومة تبعية في الوقت المعاصر.

اقرا/ي أيضًا: العنصرية والطائفية كـ "نكتة مدرسية"

إذ حضرت في عالم اليوم، غير الجديد ولا الشجاع بما هو تعبير عن استمرارية للبشرية وأفعالها المحورة لمقصد الاستجداد والشجاعة، اشتراطات مستجدة لا يمكن تجاوزها إذا كان الهدف الابتداء في توفير فهم لحالة التقسيم القائمة للعرق البشري الواحد وما بينه. يمكن اختصار هذه الاشتراطات بالتوفر على التمويل المالي والأسبقية والريادة التكنولوجية، وبشكل أساسي أيضًا إمكانية الوصول والتحكم بأوسع قدر ممكن من الموارد الطبيعية، يلي ذلك تملك الميديا والقدرات الدعائية إلى جانب "ضرورة" توازن الردع عوضًا عن الأفضلية العسكرية فقط، أي للأسف أسلحة الدمار الشامل بكامل تمثيلاتها النووية والبيولوجية. هنا باب أخر يغلق على ممكنات استمراء مغنيات السوق الحر في عالم يعوزه الكثير من حرية العمل والتفكير والكلام، دونًا عن حرية ممارسة الوجود فيه أساسًا، ليفتح الباب واسعًا أمام ممكنات تقسيمية أكثر تفاقمًا للعرق البشري.

عودة للتقسيم، أو استمرار بشأنه، في عالم "البولاريازيشن" الشاسع يكون من النتاج الطبيعي لمعطيات شبيهة بما سبق أن تؤول الحالة إلى الاصطدام بتمثيلات العنصرية بل عنصريات مثيرة ومتنوعة وأعراضها، بوصفها في ذاتها أعراضًا لا جذور مؤسسة للظواهر. إذ ينبت التقسيم أساسًا من أساسات الجشع البشري نحو ممكنات الهيمنة وممارسة السلطة على الآخر وعلى الأشياء، كما رؤية كل شيء بالعين التي لا ترى إلا أشياء. والآخر بالطبع ليس إلا بما هو غير آخر إلا بقدر ما هو آخر في وعي ممارس السلطة ومتملكها. عوضًا عن أن الجشع البشري كان وما زال العنصر الوحيد الغائب عن حسبة الترويج للسوق الحر المتقنة حتى لو فضح بما يلزم واكثر منذ 2008 تباعًا أقله.

من بين ما يمكن القول بشأنه أن وجود العنصرية، في موقع المعطى التمثيلي والانعكاس لما هو بنيوي، يتعزز لا لذاتها أو طاقتها الدافعة بقدر ما هي، أي العنصرية، أحد التعبيرات الأكثر وضوحًا لأدوات التشظية والهيمنة التي للسياسات المخططة والممنهجة في التعليم والإسكان والتوظيف، أي الرسم المسبق لتقسيم الكعكة الاجتماعية. فإشكالية العبودية مثلًا حاضرة بحضور الممكنات الاقتصادية التي توفرها بنفيها للعمل المأجور من المعادلة الإنتاجية ضمن المعادلة الأوسع بشان التوليد المالي/ مراكمة الثروة، قبل أن يكون من الممكن التغاضي عن الضرورات الجذرية في طرحها ويتم تصديرها على أنها استعباد جماعة بشرية من لون أو ثقافة بعينهما. هنا تبرز إحدى إشكالات الركون إلى الداروينية اجتماعيًا، أي الانتقال بالدارونية من درس الماضي للأنواع الحية إلى رسم واقع ومستقبل الاجتماع البشري.

لا يمكن لتجاوز العنصرية أن يكون إلا بالقلب الحقيقي لقواعد لعب مؤسسات الهيمنة التي تقف خلف مثل هذه التمظهرات

بدرجة ما لا يعود من المستغرب كم السجال المبالغ فيه المتعلق بالعرق، وعليه العرقية، عندما يكون في أساسه منطلق من افتراضات مغلوطة، أي استنادًا لصيغة غير رصينة في طرح السؤال حيث لا يعود من أهمية لشكل الإجابة. هذا في ظل منطق الفطرة السليمة والعلم المعاصر معًا أينما لا توافق أو إجماع ممكن التبرير علميًا على إمكانية تقسيم البشر وفقًا للعرق أساسًا. فالشكلانيات التي تتيح إمكانيات الحديث العرقي، كلون البشرة وملمس الشعر وشكل عظمة الجمجمة وتباعد أعضاء الجسد عن بعضها ليست من بين الحتميات العلمية كدرجة سيولة الماء أو غليانه مثلًا. رغم ذلك كانت السنتمرات التي يعبرها المشط في شعر أحدهم/إحداهن المقياس الأساسي لدى البوير في تقسيم البشر في جنوب أفريقيا الاستعمارية طوال عمر نظام الأفريكانرز الاستعماري، وبالطبع العنصري، فيها. حقيقة أخرى، بالمعنى العلمي واشتراطاته، ليست من بين الحقائق المعممة، بخصوص الفروقات الجينية والمسافة بينها، التي قد تكون أوسع بكثير بين ما يتم تصنيفه على أنه عرق واحد مما هي بين ما يتاح تصنيفه تجاوزًا جمعيًا على أنه أعراق متباينة. نظرة سريعة على المفاجئات الجينية التي مرت موضة تلهي البشر فيها منذ سنوات بأصول أحماضهم النووية كفيلة بإعادة العقل إلى دائرته المتعلقة بالأصل الواحد للعرق البشري الواحدغير الموحد، مجددًا ودائمًا.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| غرادا كيلومبا: الأبيض ليس لونًا

هنا تحديدًا يحتل النظر إلى العنصرية بما هي عنصر ثقافي، أي انعكاس لتجربة مادية وفواعل قائمة في الواقع، أهمية يمكن ملاحظتها لترجمة بعض تمظهرات واعراض المشكلة الأساسية التي من المفترض أن تؤرق العرق البشري بما هي مشكلته، أي الاضطهاد والحرمان من ممكنات البقاء والتقدم بكامل معانيهما. العثور على تمثيلات وصوف هكذا معضلة ليست بالمعجزة في عالم عرف طويلًا سيطرة مجموعة على أخرى بفعل قفزة كيفية في أدوات الأولى ونزوعها لمزيد من التراكم الكمي على حساب الأخرى، سواء في الإطار الحديث لدواخل حدود الاسواق القومية أو في تبادليات الاستعمار  التي أتاحت طويلًا للعنصرية خط إنتاج مريح للتعمية على صراع المنظومات وأنماط الإنتاج والاستحواذ بمجرد شطحات صراع حضارات  وتفوق عنصر على أخر بمعطيات تم دفعها إلى ساحة الوعي حتميات غير قابلة للنقض والتأويل، هذا بالتأكيد بإسناد الحراب التي ورائها لا بإسناديات العلم التي لا يفيد فحصها في تعويم مسائل التفوق العرقي بل والعرقية بمجملها. لتكون المناداة بالهيمنة المحكومة بيولوجيا، دون أساس علمي بالضرورة  لمثل هذا النداء، ما هي إلا إغلاق للتفكير بشان الخلاص وبشكل نهائي من الهيمنة لا من البيولوجيا وفوارقها المزعومة بالضرورة. من ذلك أيضًا الحضور التوراتي المحبب والطويل على موائد الاستعمار.  

يضاف إلى الأسمدة التي تغذي شجرة النظر إلى العنصرية على أنها المشكلة الأساسية وليس العرض لمشكلة/ مشاكل أكثر إيلامًا، الذعر وصناعة الخوف النابعة من التجهيل بما لا يعرفه الانسان، بوصف هذه الصناعة أداة لرأسمال الاستعمار من أجل ضمان وجود وبقاء الفوارق في العقل المعايش للتجربة الاستعمارية على ضفتيها. من ذلك بطبيعة الحال تغذية احتقار الذات والركون إلى الأقنعة البيضاء "المريحة" مؤقتًا، المخادعة طويلًا.

لذلك لن يكون تجاوز العنصرية بتحطيم شواهد رمزية متعلقة بممارستها، كالنصب التذكارية، على أهمية وشرعية مثل هذه الأفعال بخصوص الحق في رسم الفضاءات العامة بمعانيها الفيزيائية والرمزية. كما لن يكون بموجات غضب انفعالية على فعلات الحروب الطبقية المترجمة إلى خطاب العرق والعرقية. ولا في التمترس خلف خطب الاختزال والتعريفات الهوياتية. بل في القلب الحقيقي لقواعد لعب مؤسسات  الهيمنة التي تقف خلف مثل هذه التمظهرات. كما أن العنصرية برمتها كمسألة حقيقية تعانيها البشرية، كما تعاني التضليل بشأنها وشان مسبباتها، لم  تكن لتحصل في نمط إنتاج قوامه الإنتاج الإنساني لا المالي، بالشكل الذي حصلت فيه معاداة السامية الحقيقية، ليس التي في دعايات إسرائيل وأصدقاءها، رفقة الإسلاموفوبيا والتعنصر ضد اللاجئين  إلى المراكز الرأسمالية، أوروبيًا وأمريكيًا، وحتى في اليابان خلال السنوات الأخيرة التي لجأت إلى فتح باب اللجوء والهجرة الاقتصادية كأحد أبواب حل معضلتها الديمغرافية المتعلقة بتفاقم شيخوخة سوق العمل ومعه أبواب العنصرية، كما لم تكن أوروبا لتقول بمعنى من المعاني وبكل المعاني لممارسي اللجوء القسري إليها، اهلًا بموارد بلادكم وبأصحاب التكوين المهني والعلمي منكم حصرًا.

 

اقرا/ي أيضًا: 

العنصرية ورهاب الأجانب.. قصة جديدة من الحضيض الأوروبي

أوروبا.. العنصرية ستسود