ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

"ضع روحك على كفك وامش".. عندما تتحوّل الفوتوغرافيا والمحادثات إلى شريط مصوّر عن الفقد والألم

6 ديسمبر 2025
tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png
ملصق فيلم "ضع روحك على كفك وأمش" (شبكات تواصل اجتماعي)
خالد عبد العزيزخالد عبد العزيز

"فجر يوم 16 نيسان/أبريل الماضي في غزة، قُتلت المصورة الصحفية فاطمة حسّونة، برفقة عشرة أفراد من أسرتها، بعد أن أصاب صاروخ دقيق التوجيه منزلها، وذلك بعد يوم واحد من إعلان مهرجان كان السينمائي عن اختيار الفيلم الذي شاركت فيه للعرض، كان من المفترض أن تكون فاطمة بيننا هذه الليلة، الفن يبقى، إنه شهادة قوية على حياتنا وأحلامنا".

هذا ما صرّحت به الممثلة الفرنسية جوليت بينوش، أثناء حفل افتتاح النسخة الـ 78 من المهرجان، وبذلك تتحقق رغبة فاطمة التي عبّرت عنها في إحدى تدويناتها قائلة "إن متُ، أريد موتًا صاخبًا، لا أريد أن أكون في خبرٍ عاجل، ولا أكون في رقم مع مجموعةٍ، أريد موتًا يسمع به العالم، وأثرًا يبقى على مر العصور، وصورًا خالدة لا يمحوها الزمان ولا المكان".

فإن كانت تلك الكلمات مشحونة بطاقة لا نهائية من الوجع والرغبة في الخلاص، فإنها تحتوي كذلك على إستحقاق فطري في المغادرة طواعية، وهذا ما جرى بالفعل.

تُرى من تكون فاطمة؟ وما الذي فعلته حتى تحظى بهذا الرحيل المُباغَت؟

تكمن الإجابة على هذه التساؤلات، بين جدران الفيلم الوثائقي "ضع روحك على كفك وامش" Put Your Soul On Your Hand And Walk، سيناريو وإخراج الفرنسية ذات الأصول الإيرانية سفيدة فارسي، حيث يغزل الفيلم من خيوط تلك الأسئلة، سردية كاشفة لا عن هذه الشخصية المثيرة للتأمل فحسب، لكن عن تلك القوة المفرطة للذاكرة والتوثيق، بوصفهما سلاحًا فعّالًا ضد محاولات الطمس والإبادة المتلاحقة فصولها هكذا بلا بادرة نهاية.

البحث عن غزة

المتابع للمشهد السينمائي العالمي في السنوات الأخيرة، سُيلاحظ ظهور عدد لا بأس به من الأفلام العربية والأجنبية، التي تتناول بطريقة أو بأخرى الأزمة الفلسطينية وتحديدًا بعد انتفاضة الـ 7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ كل منها يسعى بحسب قوته التعبيرية، في الإسهاب بالقول والإشارة عن ما يدور هناك من أحداث. هذا ما يبدو ظاهريًا، لكن ثمة شيء آخر يطفو من بين تلك الأنماط المتعددة، وهو فداحة الموقف وحجم الألم والمعاناة التي عكستها تلك الأشرطة المصوّرة.

فيلمنا مُعبأ حتى الحافة بفيض لا متناهٍ من الوجع، على الرغم أن رقعته الزمنية والبالغة نحو 113 دقيقة، لا تحتوي سوى على مجموعة من الحوارات المتبادلة بين مخرجته صانعة الفيلم، وبطلته الوحيدة. فالمشاهد الأولى تطالعنا خلالها نبذة مختصرة عن محاولات المخرجة في العبور نحو غزة عبر البوابة المصرية، لكن الاشتراطات السياسية والعسكرية كانت أقوى وأكثر سطوة، حينها وعبر مراسلات عدة بينها وبين أحد الأصدقاء المحاصرين في غزة، نجحت في الوصول إلى فاطمة. لتبدأ منذ تلك الأثناء هذه السلسلة المتواصلة من اللقاءات الإلكترونية بينهما، والتي سُتشكل فيما بعد النواة الرئيسية للسرد.

فالقماشة السردية للفيلم تتكون من ثلاثة خيوط متتآلفة ومتجانسة سويًا؛ الخيط الأول يتمثل في المحاورات المتبادلة بين المخرجة والبطلة، أما الخيط المقابل، فينحصر بين المشاهد المقتطفة من النشرات الإخبارية، والتي تشتبك مع النسيج السردي، وتعمل على تبطين رواية فاطمة بالتوكيد الإضافي، في حين يطفو بين هذين الخطين بعض من الصور الفتوغرافية التي اقتنصتها عدسة البطلة قبل رحيلها، والكاشفة عن تداعيات الحرب على القطاع. وبذلك تكتمل الأضلاع الثلاثة للعملية السردية.

مقاومة لا مرئية

بعد اغتيال فاطمة، ازدادت أعداد من يتصفحون صفحتها الإلكترونية. بدأ البعض -ممن لم يسمعوا باسمها من قبل- في زيارة منصتها الشخصية، واكتشاف ما كانت تُخبئه من كنز بصري والذي يتمثّل في مئات الصور الفتوغرافية التي تُزيح الغبار عن ما خُفي من تفاصيلٍ عن معاناة الفلسطنيين داخل غزة. صور رغم ثباتها وجمودها الظاهري إلا أنها تحتوي على نبضاتٍ حيّة تكشف ما يتمتع به هؤلاء من قدرةٍ فطرية على الإستمرار والمقاومة. ومن هُنا يُمكننا بمنتهى السهولة واليُسر إدراك المغزى الحقيقي لإقدام العناصر الإسرائيلية على إزاحة فاطمة من المشهد. وهو فعل يتحاوز مسألة الرغبة في إنهاء وجودها المُقاوم إلى محاولة لطمس وإخفاء كل ما يُشير إلى وجود بوادر حياة في تلك البقعة التي خرجت قسريًا عن حدود الواقع والخيال في الآن ذاته. فالواقع أن تلك الصور كانت الوسيلة الوحيدة للمقاومة بما تحمله الفوتغرافيا من قوة توثيقية تُعين الذاكرة على التشبث بما لديها من حقوق، إعمالًا بمقولة الكاتبة سوزان سونتاج: الصورة هي وسيلة لحبس الواقع، لا يُمكن للمرء أن يمتلك الواقع، بل يمكنه أن يمتلك الصور.

فيلمنا مُعبأ حتى الحافة بفيض لا متناهٍ من الوجع، على الرغم أن رقعته الزمنية والبالغة نحو 113 دقيقة

بالعودة إلى الفيلم، تطالعنا عبر مشاهد عدة لفاطمة وهي تواصل حديثها الباسم مع المخرجة التي لا تتوقف بدورها عن إرسال قذائف متنوعة من الأسئلة عن النمط المعيشي أحيانًا أو عن ما تحمله بطلتنا من أحلام أو أمنيات مستقبلية أحيانًا أخرى. وهكذا مع تدفق تلك الحوارات نُصبح أمام صورة بانورامية شديدة الإتساع عن الحياة داخل غزة، تتباين بالتأكيد عن الروايات المتداولة، فالحكي الشعبي أكثر دسامة وطزاجة عن تلك الإخباريات الرسمية والمُعتمدة على اشتراطات الوزن المثالي للتحليلات السياسية.

انعكاسات ذاتية

يعتمد النسيج الفيلمي بالدرجة الأكبر على تلك المحاورات القائمة بين البطلة والمخرجة والتي استغرقت تقريبًا ما يزيد عن العام. في البدء كانت الرغبة في معرفة الطرف الآخر واكتشافه هي وقود المخرجة في تلك العلاقة القريبة والبعيدة في الوقت نفسه. كل منهما أصبحت ترى الأخرى من زاوية مغايرة عن المعتاد. فلا المخرجة أصبحت تلك القادمة من الفردوس الأوروبي والباحثة عن مادة مثيرة لفيلمها. ولا البطلة أصبحت حالة مؤطرة نموذجية لهذا الصراع الدائر. وهكذا يُعاد تطويع قالب العلاقة المهنية القائمة بينهما وتحولها إلى إطار أكثر مرونة يتحمل مشاعر القُرب والاعتياد والصداقة أيضًا.

كما أن كل منهما ضحية التغيرات والتبدلات التاريخية؛ المخرجة سفيدة فارسي التي فرّت إلى فرنسا عند إنطلاق الثورة الإسلامية في إيران، تعادل موضوعيًا فاطمة حسونة التي كانت تبحث عن وسيلة ما للهرب من جحيم الإبادة التي شنتها آلة الحرب الإسرائيلية ضد أهل غزة.

وبناء على ما سبق ذكره، يبقى السؤال: هل نجح الفيلم في توليف فكرته وعرضها؟ أم أن جرعات الألم كانت أكثر سطوة من الحكاية ذاتها؟

الحقيقة أن الفيلم نجح في خلق توازن حساس بين الحكاية وما تطمره من وجع والبطانة الفكرية المحشوة بالأفكار التأملية، رغم أن الأسلوب البصري والإخراجي للسرد جنح نحو التقليدية والمباشرة نوعًا ما، إلا أن أيسر الطرق للوصول يظل هو الخط المستقيم. وفيلم "ضع روحك على كفك وأمش".. يُدرك مساره جيدًا نحو قلب وعقل متفرجه.

كلمات مفتاحية
فيلم "الخطأة"

"الخطأة": العنصرية كخطيئة أميركية أولى

طل فيلم "الخطأة" (Sinners) على عالمنا، من العالم الوحشي للعنصرية

صراط

"صراط": جغرافيا الضياع في وطن من تيه

لا يُدخلك فيلم صراط (Sirāt) إلى عالمه بسهولة، إذ يبدو منذ البداية كفقاعة زمنٍ وجغرافيا منسحبة من خرائط هذا الكون، مرسومة الحدود جغرافيًا ومعرفيًا وقانونيًا

غولدن غلوب Hamnet

جوائز الغولدن غلوب: هيمنة "One Battle After Another" و"Hamnet" يصنع المفاجأة

بدت جوائز الغولدن غلوب هذا العام وكأنها مرآة لمرحلة انتقالية تعيشها هوليوود

غارة إسرائيلية
سياق متصل

إنذارات إسرائيلية تتوسّع في جنوب لبنان وغارات تُوقِع إصابات وتدمّر مباني

هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء اليوم قرى قناريت والكفور وجرجوع والخرايب وأنصار في جنوب لبنان

ترامب وكاروني
سياق متصل

الجيش الكندي يحاكي سيناريو اجتياح أميركي محتمل

كشفت تقارير صحفية أن القوات المسلحة الكندية أجرت عمليات محاكاة وتدريبات على سيناريو اجتياح أميركي محتمل

غزة
سياق متصل

شهداء بينهم صحفيون في تصعيد إسرائيلي على غزة

استشهد 11 فلسطينيًا على الأقل، بينهم ثلاثة صحفيين، جراء سلسلة استهدافات شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مناطق متفرقة في قطاع غزة

صورة تعبيرية
علوم

ذكاء اصطناعي يقيّم الألم: خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية

في خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية، ابتكر فريق من الباحثين نظامًا يجمع بين الكاميرا وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتقييم شدة الألم لدى المرضى أثناء العمليات الجراحية