ضربة حفظ ماء وجه ترامب وماي.. لماذا تسكت موسكو على قصف مواقع الأسد؟

ضربة حفظ ماء وجه ترامب وماي.. لماذا تسكت موسكو على قصف مواقع الأسد؟

لم تكن الضربة الصاروخية ذات تأثير مُقوّض للقدرة العسكرية للنظام السوري (حسن عمار/ أسوشيتد برس)

كانت وسائل الإعلام كافة متسمّرة فجر السبت أمام الشاشات، لمتابعة آخر التطورات المرافقة للهجوم الصاروخي الثلاثي الذي استهدف منشآت عسكرية للنظام السوري، ردًا على استخدامه السلاح الكيميائي في مدينة دوما قبل أسبوع، والذي جاء بالتوافق بين الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، تخللتها جلسات متشجنة مع روسيا داخل مجلس الأمن، قاطع في واحدة منها سفراء أكثر من ثمانية دول الجلسة أثناء إلقاء مندوب النظام السوري بشار الجعفري لكلمته.

قبيل تنفيذ الضربة الصاروخية الأمريكية البريطانية الفرنسية، بدأ النظام السوري بإخلاء منشآته ومطاراته العسكرية من العتاد

الهجوم الصاروخي.. الدول والعتاد والمواقع المستهدفة

قالت شبكة "سي إن إن" الأمريكية في تقرير لها، إن الأسلحة التي استخدمتها الدول الثلاث في هجومها الصاروخي، كانت مقاتلات تورنيدو البريطانية، ومقاتلات رافال الفرنسية، وكلاهما يمكن تسلحيهما بصواريخ كروز "ستورم شادو"، بالإضافة لقاذفات القنابل الأمريكية "B1"، ووفق الشبكة الإخبارية الأمريكية، فإن القاذفات كانت تحمل صواريخ كروز ورؤوسًا حربية بقوة ألف باوند.

اقرأ/ي أيضًا: استعراضات ترامب في سماء سوريا.. رسائل التنصل من الاشتباك!

وجاءت هذه الضربة بعد انقسام كبير بين الدول الأعضاء لدى مجلس الأمن، والتي ظهرت خلال جلسة الثلاثاء الماضي، فقد استخدمت روسيا حق الفيتو للمرة الـ12 من أجل إعاقة مشروع قرار أمريكي للتحقيق بالأسلحة الكيميائية في سوريا، فيما صوتت سبعة من الدول الأعضاء ضد قرار تقدّمت به روسيا.

وتأجج الخلاف بين واشنطن وباريس ولندن من طرف، وموسكو التي تدعم رئيس النظام السوري بشار الأسد من طرف مقابل، بعد الهجوم بالسلاح الكيميائي الذي نفذته قوات الأسد الأسبوع الماضي في مدينة دوما بريف دمشق، وبعد الهجوم بساعات وافق فصيل "جيش الإسلام" الذي كان يسيطر على المدينة على اتفاق يقضي بخروج مقاتليه مع عوائلهم وسلاحهم الخفيف إلى شمال سوريا.

قبيل تنفيذ الهجوم الصاروخي، أخلى النظام السوري منشآته العسكرية من العتاد (رويترز)
قبيل تنفيذ الهجوم الصاروخي، أخلى النظام السوري منشآته العسكرية من العتاد (رويترز)

وقبيل تنفيذ الضربة الصاروخية بأيام، بدأ النظام السوري بإخلاء منشآته ومطاراته العسكرية من العتاد، وبحسب ما نقل المرصد السوري لحقوق الإنسان فإن الهجوم الصاروخي استهدف مركز البحوث العلمية في دمشق، ومستودعات للأسلحة بالإضافة لمقر الفرقة الرابعة في محيط العاصمة، ويُعرف أن ماهر الأسد، الشقيق الأصغر للأسد هو من يقود الفرقة الرابعة، كما أن الهجوم استهدف مواقع عسكرية غرب حمص.

الضربة الصاروخية وترسانة الأسد للأسلحة الكيميائية

في 21 من آذار/مارس الماضي، أي قبل نحو أسبوعين من الهجوم الكيميائي الذي نفذته قوات الأسد على مدينة دوما، كشفت إسرائيل عن تفاصيل "عملية البستان" التي استهدفت خلالها بهجوم جوي في أيلول/سبتمبر 2007، منطقة الكبر بدير الزور، وكان الموقع يحتوي على مفاعل مبرد بالغاز، قادر على إنتاج بلوتونيوم من الدرجة التي تستخدم في صنع الأسلحة. وفي تقرير يرجع لعام 2010، قالت "بي بي سي" إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عثرت على أثار يورانيوم في الموقع الذي استهدفته المقاتلات الإسرائيلية.

وعاد الحديث بقوة عن ترسانة النظام السوري الكيميائية خلال عام 2013، عندما نفذ هجومًا على مدن وبلدات ريف دمشق المحاصرة حينها. يومها أمر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، البوارج الأمريكية بالتوجه للشرق الأوسط لتنفيذ ضربة ضد مواقع عسكرية للنظام السوري، لكن سرعان ما تراجع مقابل وساطة روسية توصّلت موسكو وواشنطن بموجبها إلى الاتفاق على القرار الأممي رقم 2118 القاضي بتسليم النظام السوري لسلاحه الكيميائي.

ومع وصول الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب للبيت الأبيض، تبدّلت المعادلة بعدما أمر بشن هجوم صاروخي على قاعدة الشعيرات الجوية في نيسان/أبريل الماضي، ردًا على قصف قوات الأسد مدينة خان شيخون بغاز السارين السام، وكانت هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها واشنطن مواقعًا لقوات الأسد منذ اندلاع الحرب السورية.

وفعليًا فإن ترسانة الأسد من الأسلحة الكيميائية لم تَنفذ كما كان مفترضًا بناءً على القرار الأممي 2118، فقد قال رئيس لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، باولو بينيرو، في أيلول/سبتبمر الماضي، إنهم وثقوا شن النظام السوري 33 هجومًا كيميائيًا منذ عام 2011، كان من بينها هجومي ريف دمشق، وخان شيخون.

ووفق المكشوف إعلاميًا، فإن النظام السوري يمتلك ترسانة من الأسلحة الكيميائية مؤلفة من غازات السارين، الأعصاب، الخردل، والكلور، فضلًا عن الفوسفور الأبيض، وهي مخزنة في خمسة مواقع في محيط العاصمة دمشق حسبما يتم تداوله.

هل حققت الضربة الثلاثية نتائجها؟

في كلمة تلفزيونية بثتها وسائل الإعلام من داخل البيت الأبيض، قال ترامب إنه أمر بـ"بتوجيه ضربات دقيقة لأهداف مرتبطة بقدرات الدكتاتور السوري بشار الأسد في مجال الأسلحة الكيميائية"، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة يظهر فيها نيران متصاعدة جراء انفجار صواريخ في مواقع عسكرية خلف جبل قاسيون في دمشق.

لكن وزارة الدفاع الروسية قللّت من أثر الهجوم الصاروخي، الذي وصفته بـ"العدوان الثلاثي" تماشيًا مع بيان النظام السوري، وأكدت أنها لم تستخدم دفاعاتها الجوية للتصدي للهجوم الصاروخي، زاعمةً أن النظام السوري أسقط 71 صاروخًا من أصل 103 أطلقت على مواقع للنظام. وقد أظهر مقطع مصور تعرض أبنية مجمع البحوث العلمية لدمار كامل.

وفي الوقت الذي اكتفى فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوصف الهجوم على أنه "عمل عدواني ضد دولة ذات سيادة"، وأن بلاده دعت مجلس الأمن لجلسة طارئة، فإن ترامب  اكتفى بتوجيه الشكر للدول التي شاركت بالهجوم الصاروخي، منهيًا تغريدته بالقول إن "المهمة أنجزت".

وكانت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أكثر دقة، عندما نفت أن تكون الضربات الصاروخية بهدف "تغيير النظام" في سوريا، إنما جاءت "تحديدًا بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية"، وبالمثل فقد حدد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان أن هدف الضربات الصاروخية "منعت النظام السوري من ارتكاب مذابح كيميائية جديدة".

تبدو المشاركة البريطانية في الضربة الصاروخية،  بهدف إحراج روسيا أكثر من النظام السوري، بسبب قضية تسميم العميل الروسي السابق في لندن

والتصريحات السابقة تُعطي انطباعًا أن مشاركة بريطانيا إلى جانب فرنسا في الهجوم، يدل على أنه يستهدف موسكو نفسها أكثر من النظام السوري وإيران بسبب قضية تسميم العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وابنته، وتوجيه لندن الاتهامات لموسكو بالوقوف خلفها.

اقرأ/ي أيضًا: هل ترسم الضربة الآمريكية مسارًا جديدًا نحو سوريا؟

وبالتالي فإن موسكو التي لديها خلافات سياسية مع دول الاتحاد الأوروبي وواشنطن بسبب ضمها شبه جزيرة القرم في 2014، وما ألحقها أو سبقها من خلافات في قضايا سياسية مرتبطة بسياسات الكرملين التوسعية، فقد جاءت الضربة بمثابة رسالة على تصفية حسابات سابقة، وكانت حذرة بذات الوقت من استهداف القوات الروسية أو الإيرانية خوفًا من ردة فعل عكسية تؤجج الصراع أكثر في الشرق الأوسط،، وتورط واشنطن وحلفائها فيما ينأون بأنفسهم عنه من اشتباك مفتوح سواء مع موسكو أو طهران، ليستكفوا بحرب الوكالة المعلنة.  

ما بعد الهجوم الصاروخي.. ماذا يمكن أن يحدث؟

كانت الدول الثلاثة في هجومها حريصًة على تجنب استهداف المواقع التي تتخذها القوات الإيرانية والروسية مقرًا لها، على الرغم من أن الجيش الأمريكي يفوق نظيره الروسي تسليحًا من ناحية العتاد الحربي وفق ما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية، والتي رأت أن موسكو ممكن أن ترد على مثل هذا الهجوم بهجوم مختلط مموه، كالهجوم  الإلكتروني مثلًا في حال أرادت الانتقام، لكن الواضح من الهجمات أن واشنطن لا ترغب بالتصعيد، خاصةً وقد أخطرت موسكو بطريقة غير مباشرة بذلك.

ويتضح أكثر حجم الصراع الغربي مع روسيا، وارتباطه بشكل وثيق بالهجوم الصاروخي، ما أفصحت عنه تيريزا ماي بأنه لا يمكن السماح باستخدام السلاح الكيميائي "داخل سوريا أو في شوارع المملكة المتحدة أو بأي مكان آخر في العالم"، والذي يشير لحادثة العميل سكريبال، التي تقول لندن إنه سُمم بمادة مشلة للأعصاب كانت تستخدم من قبل الاتحاد السوفياتي.

إلا أنه على الرغم من محاولة التصدي لتمدد النفوذ الروسي عالميًا، فإن الضربات الجوية بحسب وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، كانت "معدة للحد من فرص قتل مقاتلين روس بالخطأ". وبحسب نيويورك تايمز فإن "الطبيعة المحدودة" للهجوم الصاروخي، لن تدفع إيران وروسيا لاتخاذ "إجراء مضاد جاد".

وقالت الصحيفة إن ماتيس حذر من احتمالية شن هجوم انتقامي ضد القوات الأمريكية من قبل القوات الروسية أو المرتزقة الروس في سوريا، أو حتى المليشيات الإيرانية في العراق، حيثُ تتواجد قواعد عسكرية للقوات الأمريكية في كلا البلدين، من بينهما قواعد تقع على تماس مباشر مع قوات الأسد بالاشتراك مع المليشيات الأجنبية شرق سوريا.

حتى أن المعادلة كادت أن تتغير بعد يومين من تعرض دوما للهجوم بالسلاح الكيميائي، فقد نفذت مقاتلات عسكرية هجومًا استهدف مطار التيفور العسكري، سرعان ما أكد مسؤولان أمريكيان أن إسرائيل تقف خلفها تفاديًا لتأجج الصراع في سوريا.

وقال موقع ديلي بيست، إن الهجوم استهدف موقعًا لفيلق القدس ذراع الحرس الثوري الإيراني في سوريا، وذلك يعتبر رسالة من تل أبيب على عدم قبولها بالتوسع الإيراني في سوريا، لكن الهجوم أيضًا قلل من فرضية شن هجوم مفاجئ للدول الغربية، دون أن يتم إخطار موسكو بحدوثه التي أبدت استيائها من الهجوم كونه حصل دون علمها.

يبدو أن ترامب أراد من وراء الضربات أن ينفي مجددًا تهمة تدخل روسيا في نتائج الانتخابات الأمريكية لصالحه

ويبدو أن ترامب أراد من وراء الضربات أن ينفي مجددًا تهمة تدخل روسيا في نتائج الانتخابات الأمريكية لصالحه، بالإضافة لمساندة الدول الأوروبية بردهم على روسيا بعد حادثة سكريبال، بالأخص أن موسكو تقف في مصالحها على الطرف المقابل للدول المذكورة، والأهم إظهار أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بزعامتها دوليًا. ورغم تفاوت الفرضيات فإن الطرفان راضيان عن أدائهما في الساحة الدولية بحيث لا يظهر أن أحدًا منهما مهزوم.

وعلى الرغم من إعلان ترامب مؤخرًا رغبته بسحب القوات الأمريكية من سوريا، فإن وكالة أسوشيتد برس كشفت مطلع نيسان/أبريل الجاري أن واشنطن بدأت بإنشاء قواعد جديدة في شمال سوريا قرب الحدود التركية، ما يعطي انطباعًا أنها لا تريد الانسحاب من سوريا، ما يناقض التصريحات التي أدلى بها ترامب، ويبعث بأن ترامب يريد إيصال رسالة للجانب الروسي تفيد بأنه لن يتخلى عن تواجد قواته في سوريا قريبًا.

وكان ترامب متخبطًا في قراره بشأن الضربة، بعدما نشر تغريدة يقول فيها: "قد تكون قريبة جدًا وقد لا تكون كذلك"، ما سمح للنظام السوري بإخلاء منشآته العسكرية، وأعطى إنذارًا مسبقًا لحلفاء الأسد عن اقتراب موعد الضربة حتى يكونوا على علم بها، لذلك فإن الطرفين متفقان على طبيعة النتائج والأهداف، والتي وصفها أحد محللي واشنطن بوست بأنها "عمليات عسكرية تعطي شعورًا جيدًا".

ولا يمكن القول إن الضربات الجوية قوضت بالجملة قدرات قوات الأسد القتالية، فقد استمر النظام السوري بهجماته على مناطق سيطرة المعارضة بحسب ما نقلت وسائل إعلام محلية، بعد أن قال الأسد في أول تصريح له أن الضربات الصاروخية زادته "تصميمًا على الاستمرار في سحق الإرهاب"، ونشرت صفحة رئاسة الجمهورية العربية السورية مقطعًا مصورًا يظهر الأسد قالت إنه لحظة وصوله للقصر الجمهوري.

الهجوم الصاروخي الغربي لم يكن سوى مجرد إجراء بسيط كان النظام السوري وحلفاؤه على علمٍ مسبق به كما يتضح

ولذا فإن الهجمات لم تكن سوى مجرد إجراء بسيط كان النظام السوري وحلفائه على علم مسبق بها، ونجحت في أنها لم تؤجج الصراع بين الأطراف الدولية أو تجرهم لحرب داخل الأراضي السورية، لكنها في الوقت نفسه لن تكون الأخيرة، طالما أنها لم تحد من قدرات قوات الأسد العسكرية، أو تقود إلى شن هجمات جوية يمكن فيها استخدام أسلحة متنوعة بشكل عشوائي، كما أن لا رادع دولي حتى الآن لارتكاب الأسد مزيدًا من المجازر الكيماوية وغيرها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقدير موقف: العدوان الإسرائيلي على سوريا وآفاق المواجهة الإسرائيلية الإيرانية

الاستيطان الطائفي من لبنان والعراق.. خطة إيران لشقلبة ديموغرافية سوريا