ضربات الرأس في كرة القدم.. طريق مباشر إلى الخرف وأمراض الدماغ المزمنة
11 يناير 2026
لا شيء يعادل شعور لاعبي كرة القدم وهم يقفزون لاستقبال كرة متجهة بسرعة، ثم توجيهها برأسهم لتسجيل هدفٍ للفريق. لحظة من الإثارة والمتعة، لكنها قد تترك أثرًا طويل الأمد على الدماغ.
الدراسات الحديثة تؤكد أن التكرار المستمر لهذه الحركة قد يؤدي إلى أضرار دماغية، تتجلى بعد عقود على شكل أمراض مثل الزهايمر، والباركنسون، ومرض العصبون الحركي، إضافة إلى ما يُعرف بالاعتلال الدماغي المزمن الناتج عن الصدمات المتكررة، وذلك وفق تقرير نشرته شبكة "بي بي سي" البريطانية.
كانت المخاطر المرتبطة بالصدمات الدماغية معروفة منذ نحو قرن. في عام 1928، نشر العالم الأميركي هاريسون مارتلاند دراسة عن حالة "سكر الملاكمين"، حيث يعاني الملاكمون من ارتباك ذهني ومشية متزعزعة بعد التعرض لضربات متكررة على الرأس، ما قد يتطور لاحقًا إلى نوع من الخرف يُعرف باسم "dementia pugilistica".
ومع مرور الوقت، تبين أن هذه المخاطر لا تقتصر على الملاكمة فقط، بل تشمل كرة القدم الأميركية وكرة القدم التقليدية أيضًا. من أبرز الحالات، وفاة اللاعب الإنجليزي جيف أستل في سن 59 إثر تشخيصه بالخرف المبكر، ولاعب كرة القدم الأميركية مايك ويبستر الذي توفي عن عمر 50 عامًا بعد تدهور معرفي وأعراض مشابهة للباركنسون، حيث أظهرت فحوصات دماغهما الإصابة بـ CTE أو الاعتلال الدماغي المزمن الناتج عن الصدمات المتكررة.
كيف يظهر الضرر؟
يتميز CTE بنمط محدد من تراكم بروتينات غير طبيعية تُسمى تاو في الدماغ، ويمكن غالبًا تشخيصه بعد الوفاة. كما أظهرت الأبحاث الحديثة، خصوصًا دراسة بقيادة البروفيسورة آن ماكي من جامعة بوسطن، أن 91.7% من أدمغة لاعبي كرة القدم الأميركية السابقين المشاركين في الدراسة أظهرت علامات CTE، مقارنة بأقل من 1% في عامة السكان.
التأثير ليس عنيفًا بما يكفي لتكسير الجمجمة أو نزيف واضح، لكنه يكفي لإحداث ضرر داخلي تدريجي قد يؤدي لاحقًا إلى أمراض دماغية مزمن
ولكن ليس فقط CTE، فإحصائيات Field Study في اسكتلندا أظهرت أن لاعبي كرة القدم المحترفين أكثر عرضة خمس مرات للإصابة بمرض الزهايمر، وأربع مرات بمرض العصبون الحركي، ومرتين بمرض باركنسون مقارنة بالأفراد العاديين. وتشير الدراسات إلى أن المخاطر تتزايد مع مدة ممارسة الرياضة، وأن المدافعين هم الأكثر عرضة بسبب كثرة ضربات الرأس، بينما حراس المرمى لديهم نفس معدل الخطر العام.
كيف يؤثر ضرب الكرة على الدماغ؟
بحسب البروفيسور مايكل ليبتون، ضرب الكرة بالرأس يسبب حركة مفاجئة للدماغ داخل الجمجمة، تؤدي إلى شدّ الألياف العصبية في المادة البيضاء بالدماغ، ما يخل بترابطها الوظيفي. أكثر المناطق تضررًا هي قشرة الفص الجبهي المداري خلف الجبهة، حيث تُظهر الدراسات أن اللاعبين الذين يضربون الكرة أكثر من 1000 مرة سنويًا لديهم تلف أكبر في هذه المنطقة.
يضيف ليبتون: "التأثير ليس عنيفًا بما يكفي لتكسير الجمجمة أو نزيف واضح، لكنه يكفي لإحداث ضرر داخلي تدريجي قد يؤدي لاحقًا إلى أمراض دماغية مزمنة".
الوقاية والحلول الممكنة
التكنولوجيا قد تساعد على تقليل المخاطر. فرق بحثية في جامعة ستانفورد تصمم خوذات بكرة القدم الأميركية مزودة بممتصات صدمات سائلة تقلل التأثير على الرأس بنسبة 30%. أما في كرة القدم، فقد أزيلت عادة ضرب الكرة بالرأس عند الشباب في المملكة المتحدة، كما تم تقليل عدد الضربات أثناء التدريبات الأسبوعية. البروفيسور ويلي ستيوارت يؤكد: "أفضل وسيلة للوقاية هي الحد من ضربات الرأس قدر الإمكان. إذا توقفنا عن تعريض رؤوسنا للصدمات، ستختفي المخاطر تقريبًا".
بينما يواصل اللاعبون الاستمتاع بالإثارة على أرض الملعب، تبقى حقيقة أن كل ضربة رأس قد تُسجل أثرًا طويل الأمد على الدماغ. التوعية، الحد من ضربات الرأس، والتقنيات الحديثة قد تكون الحلول الأبرز لحماية الرياضيين من أمراض الدماغ المزمنة في المستقبل.